ليست الخطب الملكية في تاريخ المملكة العربية السعودية مجرد كلماتٍ قيلت في مناسبات عابرة أو ارتبطت بظرف بعينه، بل هي وثائق سياسية وتاريخية تكشف منهج الحكم ومرتكزات الدولة وطبيعة العلاقة بين القيادة والشعب، ورؤية المملكة لمكانتها ومسؤولياتها في محيطها العربي والإسلامي والدولي. من هنا تأتي قيمة كتاب «مختارات من الخطب الملكية» الصادر عن دارة الملك عبدالعزيز عام 1419هـ (1999م)، فهو نافذة على فكر الدولة السعودية وطريقتها في التعامل مع قضايا الداخل وتحديات الخارج. تناول هذا الإصدار في جزئيه الأول والثاني الفترة الممتدّة من عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود -طيب الله ثراه- حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز (رحمه الله).
والمتأمل في هذه الخطب، على اختلاف مناسباتها وتعاقب قادتها، يلحظ استمرارَ الثوابت عبر مراحل الحكم المتعاقبة: فالتوحيد منطلق الدولة ومرجعها، والعدل مقصد الحكم، والأمن ركيزة العمران، وخدمة الحرمين الشريفين مسؤولية راسخة، والتنمية والرفاه الاجتماعي غايتان وطنيتان، والسلام ونصرة قضايا الأمتين العربية والإسلامية من مرتكزات السياسة الخارجية. وعلى الصعيد الدولي، برز في مضامين هذه الخطب سعي المملكة الدؤوب إلى السلام العالمي المبني على تحقيق العدل بين شعوب العالم، والتعاون مع دول العالم ومنظماته؛ بوصفه سبيلًا لترسيخ السلم والأمن الدوليين وتحقيق المصالح المشتركة.
وضع الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيّب الله ثراه- الأساس السياسي للدولة الحديثة في زمن كانت الجزيرة العربية تعاني فيه التفرق وضعف الأمن وقلة الموارد. حيث صنع -بعون الله وتوفيقه- وحدة حقيقية على أساس الإسلام ملأت القلوب إيمانًا وولاءً، وجسدت معاني التلاحم التاريخي بين الشعب وقيادته في مسيرة تاريخية، ويربط خطاب التأسيس بين توحيد البلاد وإقامة مؤسسات الحكم، وبين المرجعية الإسلامية وتحقيق أهدافها السامية المتمثلة؛ في التمسك بالعقيدة وتطبيق الشريعة الإسلامية والدفاع عنها ونشر الأمن، وتأسيس مجتمع موحد يسوده الرخاء والاستقرار؛ فبناء الدولة لم يكن توحيدًا للجغرافيا فحسب، بل انتقالًا إلى تنظيم سياسي وإداري يكون مرتكزًا أساسًا للأمن والتنمية. ومن هذا الأساس انطلقت مسيرة البناء التي تعاقب عليها أبناؤه الملوك البررة من بعده.
وعلى الأساس ذاته واصل الملك سعود بن عبدالعزيز -رحمه الله- مسيرة البناء، فاتسعت في عهده مسؤوليات الدولة ومؤسساتها وخدماتها، وغدت التنمية في التعليم والصحة والمرافق العامة من أبرز ملامح البناء الوطني. وبرز الخطاب الملكي أداةً لتحديد أولويات الدولة ومخاطبة المواطنين بشأن مسار التنمية، مع تأكيد الانتماء العربي والإسلامي للمملكة.
وتعززت هذه المسيرة في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله-، وهو عهد تزامن مع تحولات إقليمية ودولية كبرى، فكان للسياسة الخارجية والقضايا العربية والإسلامية حضور بارز في خطابه، ومنها التضامن الإسلامي والقضية الفلسطينية والعلاقات الدولية، إلى جانب الإصلاح الإداري والاقتصادي والتنموي. ويدل ذلك على أن المسؤولية الوطنية شملت حماية المصالح السعودية، والإسهام في معالجة قضايا العالمين العربي والإسلامي.
وتواصل هذا البناء في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز -رحمه الله- فشهدت المملكة توسعًا تنمويًّا كبيرًا ظهر في مشروعات البنية الأساسية والخدمات العامة وتحسّن مستوى المعيشة. وتُظهر خطب تلك المرحلة العلاقة بين تنامي الموارد الاقتصادية ومسؤولية الدولة عن توظيفها في خدمة الإنسان وتنمية المناطق وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
واستمرت المسيرة في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- في مرحلة تلاحقت فيها التحديات الإقليمية والدولية، وتطورت فيها مؤسسات الدولة ومرافقها تطورًا واسعًا.
وتعكس خطب هذا العهد العناية بخدمة الحرمين الشريفين، وتعزيز التعاون الخليجي والعربي والإسلامي، وحفظ الأمن الوطني، ومواصلة مسيرة التنمية رغم تقلب الظروف السياسية والاقتصادية.
وتكشف القراءة الجامعة لهذه الخطب أن المرجعية الإسلامية لم تكن موضوعًا منفصلًا عن شؤون الحكم، بل دخلت في تعريف هوية الدولة وتحديد مسؤولياتها، فاقترن التمسك بكتاب الله -عز وجل-، وسُنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- بمفاهيم العدل والأمانة وحفظ الحقوق ورعاية المصالح العامة، وقدّمها الخطاب الرسمي أسسًا للحكم ومقاصد ينبغي أن تتجسد في أداء المؤسسات وتنعكس في سياسات الدولة وقراراتها.
ويحتل الأمن مكانة محورية في هذا المنهج، إذ لا تقوم تنمية مستقرة ولا حياة اقتصادية واجتماعية مزدهرة دون طمأنينة وسيادة للنظام. ولذلك يتكرر في تاريخ الدولة السعودية الربط بين الأمن والعمران، وبين وحدة الوطن والقدرة على مواجهة الأزمات، وبين استقرار المجتمع واستمرار التنمية. ومهمة الحكم لا تقف عند إدارة الشأن السياسي، بل تمتد إلى التعليم والصحة والبنية التحتية وتحسين ظروف المعيشة. وبهذا تصبح التنمية تعبيرًا عمليًّا عن مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها، وتغدو المدرسة والمستشفى والطريق ومشروعات المياه والكهرباء شواهد على انتقال المبادئ المعلنة إلى منجزات ملموسة.
أما خدمة الحرمين الشريفين فهي من أشد الموضوعات اتصالًا بهوية المملكة ورسالتها. فقد ظلت العناية بمكة المكرمة والمدينة المنورة وخدمة الحجاج والمعتمرين والزائرين مسؤولية دينية ووطنية متوارثة، تجسدت في التوسعات الكبرى وتطوير المشاعر المقدسة وما يتصل بها من خدمات صحية وأمنية وتنظيمية، وهو ما يدل على مكانة الحرمين الاستثنائية في أولويات الدولة.
وعلى الصعيد الخارجي، تتبين من هذه الخطب ملامح سياسة سعودية تجاه القضايا العربية والإسلامية والدولية، تقوم على التضامن والتعاون، وتسعى إلى ترسيخ الاستقرار والسلم والأمن، وتبادر إلى مد يد الإغاثة للعالم أجمع.
وهكذا تبقى الخطب الملكية ذاكرةً وطنية حية، لا توثق ما قاله الملوك فحسب، بل تعين على فهم ما أرادت الدولة تحقيقه في كل مرحلة. وهي تذكّرنا بأن بناء الأوطان لا يقوم على القرارات الآنية وحدها، بل على تراكم الخبرات واستمرار المؤسسات والقدرة على تحويل المبادئ إلى سياسات والتطلعات إلى منجزات. وبين التأسيس والبناء والتطوير، وتتجلى فيها قيمة منهجٍ يربط التوحيد بالعدل، والأمن بالتنمية، والسيادة بالمسؤولية، وخدمة الحرمين الشريفين بخدمة الإنسان؛ منهجٍ تتجدد أدواته بتجدد الزمن، وتبقى دراسة وثائقه سبيلًا لفهم الماضي واستيعاب الحاضر واستشراف المستقبل.
وتتجاوز القيمة العلمية لهذا الإصدار مجرد جمع الخطب والكلمات؛ فهو يتيح للباحثين دراسة تطور المفاهيم السياسية والإدارية، ورصد التحولات في أولويات الدولة، وفهم لغة القيادة في مخاطبة المجتمع والعالم.
كما تبرز أهمية التوثيق الذي تضطلع به دارة الملك عبدالعزيز في حفظ المصادر الوطنية وإتاحتها للأجيال، لتقوم دراسة التاريخ على الوثائق والشواهد لا على الانطباعات والروايات المجردة.
ولعل في هذا السياق فرصةً مثلى لشكر الدارة على هذا الإصدار القيّم، وسؤال المولى -عز وجل- لها التوفيق والسداد في مواصلة جهودها التوثيقية لتاريخ هذا الوطن المعطاء بمآثره ومفاخره.
أدام الله على المملكة العربية السعودية عزها وشموخها، وأمنها وأمانها، وازدهارها ورخاءَها، في ظل القيادة الحكيمة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظهما الله ووفقهما لما فيه خير البلاد والعباد. والله الموفق
** **
- عبدالرحمن الشريف