مهدي العبار العنزي
تُعد قيمة الجار ومكانته عند العرب من أسمى القيم الأخلاقية والإنسانية، فقد بلغ الاهتمام بها مبلغاً عظيماً حتى أصبحت عنواناً للمروءة والشهامة والشرف. ولم يكن الجار في العرف العربي مجرد ساكنٍ في جوار الدار، بل كان عضداً وكتفاً وأخاً يُلجأ إليه في الشدائد والملمات.
فعلى مستوى الأفراد، توارث العرب الوصية بالجار وحفظ حقه حتى أربعين داراً، واشتهروا بـ«إجارته» والدفاع عنه وبذل النفس والمال دونه عاراً لمن خذله، واقترن حقه بالضيافة ومقولة «الجار قبل الدار». كما شملت مكارم الأخلاق مع الجار غض الطرف عن العورات وصون الحرمات في الغياب، والوقوف معه شريكاً حقيقياً في النوائب والمسرات، وهو ما جاء الإسلام فزادَه تعظيماً وتأكيداً في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».
وعلى مستوى الدول، ينتقل مفهوم الجوار من النطاق الأخلاقي الفردي إلى فلسفة سياسية وإستراتيجية تحكم العلاقات الدولية، حيث يمثل «حسن الجوار وعدم التدخل» القاعدة الذهبية لاستقرار الحدود ومنع النزاعات، وتفرض وحدة الجغرافيا والمصير تكاملاً أمنياً واقتصادياً. كما تتطلب حكمة الكبار في تسوية النزاعات سلمياً ودرء المفاسد، وتستوجب التضامن الإقليمي السريع والمبادرة للإغاثة وقت المحن والكوارث. وكما يُقال محلياً «الجار قبل الدار»، يُقال في السياسة الإستراتيجية إن «الاستقرار يبدأ من الحدود المجاورة».