د. أحمد محمد القزعل
كان يجلس وحيداً يحدِّق في نافذة غرفته وكأن العالم كله قد اجتمع على أن يغلق أبوابه في وجهه، كان يستعيد في ذاكرته كل ما حدث له: كلمة جارحة من إنسان، موقف ظالم، فرصة ضاعت، صديق تخلى، قريب خذل، وحلم تأخر، وكلما أراد أن ينهض عاد إلى الحكاية نفسها يرويها لنفسه من جديد ويقول: «لو أن الظروف كانت أفضل، لو أن الناس كانوا أرحم، لو أن الحياة أعطتني فرصة...»، ثم يعود إلى مكانه...
لم يكن ألمه وهماً ولم تكن جراحه من نسج الخيال، وربما كان قد تعرض فعلاً لظلم لا يستحقه، لكن المشكلة لم تكن في الجرح وحده، كانت في أن يتحول الجرح إلى هوية، وأن يصبح الإنسان أسيراً للقصة التي حدثت له، حتى ينسى أن له قصة أخرى يستطيع أن يكتبها...
هنا تبدأ الحاجة إلى تربية مختلفة: تربية لا تنكر الألم ولا تبرر الظلم ولا تطلب من الإنسان أن يبتسم فوق جراحه، وإنما تعلّمه شيئاً أكثر عمقاً هو أن يكون ما حدث له جزءاً من حياته لا كل حياته، ليس ذنبك أن تتألم، لكن مسؤوليتك ألا تسكن في الألم...
ثمة فرق كبير بين الإنسان الذي يقول: «لقد ظُلِمت»، والإنسان الذي يقول: «أنا إنسان مظلوم»، الأولى تصف حادثة وقعت، أما الثانية فقد تحول الحادثة إلى تعريف دائم للذات.
وقد يمر الإنسان بمواقف لا يملك دفعها أثناء حياته، فيولد في أسرة فقيرة أو يفقد عزيزاً أو يتعرض للخيانة أو يفشل في عمل أو تضيع منه فرصة كان يعقد عليها آمالاً كبيرة، وليس من العدل أن نطالبه بأن يتعامل مع هذه الأشياء وكأنها لم تؤلمه، لكن التربية الناضجة تقول له بلطف: احزن وتحدث عن وجعك، ثم انهض، فالحزن محطة وليس وطناً.
والإنسان لا يختار دائماً الجرح الذي يصيبه، لكنه يستطيع أن يختار الطريقة التي يعيش بها بعد الجرح، قد لا يستطيع أن يمحو الماضي، لكنه يستطيع ألا يسمح للماضي بأن يمحو المستقبل؛ ولذلك فإن أول خطوة للخروج من دور الضحية هي أن نعترف بالألم دون أن نمنحه مفاتيح حياتنا كلها.
بعض الناس يعيشون في الماضي أكثر مما يعيشون في الحاضر، يستيقظون وفي داخلهم حديث قديم ويذهبون إلى أعمالهم وهم يحملون خصومة قديمة ويجلسون مع أسرهم بينما عقولهم لا تزال عند موقف حدث قبل سنوات، إنهم لا يعيشون الحدث مرتين فحسب، بل يعيشون آثاره كل يوم.
ومن أجمل ما يمكن أن نربي أبناءنا عليه أن نقول لهم: ليس مطلوباً منك أن تنسى، ولكن مطلوب منك ألا تجعل ذاكرتك سجناً، سامح إن استطعت لا من أجل من أخطأ في حقك وإنما من أجل قلبك الذي يستحق أن يستريح، وإن لم تستطع أن تسامح سريعاً فتعلم على الأقل ألا تجعل الإساءة مركز حياتك.
فبعض الناس يخرجون من حياتنا، لكننا نبقيهم في عقولنا سنوات طويلة نعطيهم من أعمارنا بعد رحيلهم ونسمح لهم بأن يفسدوا علينا أياماً لم يعيشوها معنا، حقيقة إن النضج النفسي ليس أن تقول: «لم يحدث شيء»، وإنما أن تقول: «حدث شيء مؤلم، لكنه لن يقرر ما سأكون عليه غداً».
ومن الأخطاء التربوية الشائعة أن نبالغ في حماية الطفل من كل إحباط، فإذا فشل قلنا: «المعلم ظلمه»، وإذا أخطأ قلنا: «أصدقاؤه السبب»، وإذا خسر قلنا: «الظروف لم تساعده»، نحن نظن أننا نواسيه، لكننا أحياناً نعلّمه دون قصد أن يبحث دائماً عن مذنب خارج نفسه، وليس معنى ذلك أن نحمّل الطفل مسؤولية ما لا ذنب له فيه، وإنما أن نساعده على اكتشاف المساحة التي يستطيع أن يتحرك فيها، فمثلاً: إذا رسب نسأله: ماذا نستطيع أن نتعلم من التجربة؟ إذا أخطأ نسأله: كيف نصحح الخطأ؟ إذا خسر نسأله: ماذا ستفعل في المرة القادمة؟ وإذا تعرض لظلم نقف إلى جانبه ونحميه، ثم نعلّمه كيف يستعيد قوته، فالطفل الذي نربيه على المسؤولية لا يكبر وهو يسأل دائماً: «من السبب؟»، بل يتعلم أن يسأل أيضاً: «وماذا أستطيع أن أفعل الآن؟»، وهذا السؤال الصغير قد يغيّر حياة الإنسان بكاملها.
ربما لم تحصل على طفولة كما تمنيت، لكن يمكنك أن تصنع لأطفالك طفولة أكثر دفئاً، وربما خسرت فرصة عظيمة، لكن يمكنك أن تبحث عن فرصة جديدة، وربما خانك أحدهم، لكن ذلك لا يعني أن كل الناس خائنون، وربما سقطت مرة، لكن السقوط لا يمنعك من أن تتعلم كيف تمشي بثبات، الحياة لا تعيد لنا دائماً ما فقدناه، لكنها تمنحنا في كثير من الأحيان فرصة لأن نصنع شيئاً جديداً، وهنا تكمن التربية الحقيقية: أن نعلّم الإنسان ألا يقيس مستقبله بحجم جرحه، بل بحجم قدرته على النهوض.
لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يربي أصحابه على الفاعلية والأمل والعمل، حتى في أصعب الظروف، وجاء في الحديث الشريف: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»؛ وهي كلمات تختصر فلسفة عظيمة في بناء الإنسان: ابذل ما تستطيع واستمد قوتك من الله ولا تستسلم للعجز.
وفي نهاية الطريق قد يكتشف الإنسان أن أكثر ما كان يحتاج إليه لم يكن أن يعود إلى الماضي ليغيّره، وإنما أن يعود إلى نفسه ليحررها منه، وقد يبقى الجرح ندبة وقد تبقى بعض الذكريات موجعة وقد تأتي لحظات يحن فيها القلب إلى حياة لم يعشها كما أراد، لكن هذا كله لا يمنع الإنسان من أن يفتح نافذة جديدة في جدار الأيام، فربما كان أجمل ما ينتظرك في الحياة ليس أن تعود إلى الشخص الذي كنت تتمنى أن تكونه، لا تلُم الحياة إلى الأبد، بل اسألها ذات صباح: ماذا بقي لي من الطريق؟ ثم انهض ولو بخطوة واحدة، فأحياناً تبدأ الحرية كلها من خطوة صغيرة يقرر فيها الإنسان أنه لن يكون ضحية لبقية عمره.