د. مروج العشري
بعد خميس مفعم بالنشاط والحيوية، أتهيأ لمكافأة نفسي، للحظات هادئة ونوم مريح، والقيام لصلاة الفجر على أذان يوم الجمعة وذكر الله والعودة للنوم بدون منبه والراحة على المخدة بلا تفكير في حضوري، ولا المنصة، والتمتع بالاسترخاء ساعات على السرير.
وبعد أن تتكامل الحواس تأتي لحظة الاستيقاظ، والجسد يتمدد قبل خروجه من السرير ويقول لعقلي: - يا ليت صباح الجمعة سبعة أيام في الأسبوع.
ضحكت لنفسي ونظرت في المرآة وقلت لها: - صباح السعادة والورد والفل والياسمين، ورششت على وجهي ماء الورد، وشربت الماء المنكه بالكادي في المغراف النحاس المبخر بالمستكه، ثم ذهبت لأكمل طقوس يومي من استحمام في يوم الجمعة وتطييب لشعري بالظفر والشذاب والورد والمسك والعنبر، إلى التطيب بالمسك الأسود والعود، والتزين والتكحل بالإثمد، ولبس الجميل من ثيابي وخزينتي، فهذا هو عيدي كل أسبوع، أصلي فيه الجمعة، وأقرأ سورة الكهف وأدعو ربي وأنا في أبهى حلة.
ها هو البيت يستقبل معي يومي، فنشعل الجمر ورائحة المستكة تفوح في بيتنا، نشرب قهوة الصباح ونأكل الكاكاو ونحن نرى دخانها، وتسمع ذلك الصوت الذي يقول : - (إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية). كل هذا وكل واحد يجلس لوحده، فقط نجلس في صمت، هذا يقرأ من المصحف وذاك في زاوية الأريكة يضع القرآن على الطاولة ويقرأ، وآخر يقرأ من الجوال، وأنا أضع السماعة في أذني وأرددها بعد القارئ، وصوت الصالة يصدح بآيات الله.
بعد أن انتهت خطبة الجمعة والصلاة وكل واحد متعطر وأنيق وكأنه في يوم فرحته وأنا أتغزل بهم هذا هو الجمال، ولم يمضِ وقت طويل واحد حتى جاء أطفالهم مرتدين أحلى الملابس.
كل طفل من أطفال عائلتي أستقبله بالتقبيل والأحضان والشوق إليه، وأنظر إليه بحب وإعجاب واهتمام وأقول: - اللهم بارك، ملابسك جميلة جداً، لم أر أحداً يلبس مثلك، وأمدح حذاءه، وشعره، إن كانت بنت أو ولد، وأحياناً أمدح رائحة العطر، وفي كل مرة أمدح شيئاً، فيهتمون بيوم الجمعة ويجعلون ذلك اليوم يوم عيد في أسبوعهم.
وتبدأ هنا فعاليات هذا اليوم الجميل، فيتم كل شيء باتصال هاتفي، أو برسالة واتساب في قروب المنزل، فالكل مشارك في هذا اليوم من الرجال، أما النساء فهن مدللات يطلبن فقط وأمرهن مجاب، فهذا يحضر معه الفاكهة، وذاك يحضر العصير، والآخر يحضر كريم كراميل، وإن طلبت الأخت أي نوع من الحلوى فهو ملبى، فما أجمل دلال الأخوات على الإخوة.
يبقى الطبخ فإن رغبوا طبخ أحد الإخوان أكلة لذيذة، واهتم بكل المطبخ حتى تنظيفه، وإن أرادوا طلبوا من إحدى التطبيقات بعد مشاورة مع بعضهم، وتكون في النهاية طلبية رز مع دجاج أو لحم.
وخلال هذا الوقت يلعب الأطفال مع آبائهم وعماتهم وخالاتهم بالألعاب ويضحكون ويركضون ويقفزون ويتسلقون ويتسابقون في الصالة الصغيرة.
وفي وقت قياسي لا يتجاوز الخمس دقائق يرتب الأطفال الألعاب ويتم تهيئة صالة الجلوس لتكون صالة الطعام، وتوضع سفرة الطعام والكل يجلس ليأكل ونقاشات الطعام لها لذة أخرى، ويصبح وقت الطعام ساعة ما بين حكاية وقصة واستمتاع، وأفراد يأكلون ببطء. كل هذا وعند الانتهاء من الطعام تعود صالة الطعام إلى صالة جلوس، وهنا يشم الجميع البخور، ويجلس ليشرب الشاي الأخضر بالنعناع المغربي أو العصير، ويأكل الكريم الكراميل بالملعقة الصغيرة، أو الفاكهة إذا أحب، ويردد ما حفظه من القرآن، أو يحكي قصة من السنه أو شيء تعلمه في تحفيظ القرآن، وكل واحد منا نحن الكبار يحكي قصة كل أسبوع.
في بيتنا فقط صالة هي مجلسنا وملحقنا وصالوننا.