إبراهيم أبوهيف
تختبر الأزمات الإقليمية قدرة الدول على إدارة إعلامها بالقدر نفسه الذي تختبر فيه جاهزية مؤسساتها السياسية والأمنية والاقتصادية، فالمعلومة التي تصل إلى الجمهور خلال الصراعات العسكرية قد تؤثر في تقدير المخاطر وحركة الأسواق ومواقف الحكومات وقرارات المستثمرين، وقد أصبحت المنافسة على تفسير الأحداث جزءًا أصيلًا من المشهد الدولي، وفي ظل هذه التحولات تبرز التجربة السعودية في تطوير منظومتها الإعلامية بوصفها تجربة تستحق الدراسة من زاوية كفاءة المؤسسات وقدرتها على العمل في الظروف الاستثنائية، فقد جمعت وزارة الإعلام بقيادة معالي الأستاذ سلمان بن يوسف الدوسري بين تطوير الاتصال الحكومي، وتعزيز الحضور الإعلامي الدولي، ورفع جاهزية المؤسسات للتعامل مع الأزمات، بالتوازي مع الجهود التنظيمية التي تقودها الهيئة العامة لتنظيم الإعلام لضبط الممارسة المهنية وصناعة المحتوى الرقمي، ويكشف الترابط بين هذه المسؤوليات عن إدراك لطبيعة الإعلام المعاصر، حيث تتحدد قيمة الخبر بدقته وتوقيته ومصدره، وتتحدد قوة المؤسسة بقدرتها على إدارة هذه العناصر حين تتسارع الأحداث وتتعدد الروايات وتتداخل المصالح
وقد مثل التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي، اختبارًا عمليًا لأهمية هذا النهج، إذ امتدت تداعيات الحرب إلى أمن دول الخليج وإمدادات الطاقة والملاحة الدولية، ورافقتها روايات متضاربة بشأن طبيعة المواقف الإقليمية وحدود المشاركة في العمليات العسكرية، وفي مثل هذه الظروف تتجاوز خطورة المعلومات غير الدقيقة آثارها الإعلامية المعتادة، فقد تؤدي رواية واحدة بشأن استخدام أراضي دولة أو مجالها الجوي إلى تفسير سياسي وعسكري مختلف لموقفها، وهنا برزت أهمية الدقة التي اتسم بها الموقف السعودي الرسمي، حين أكدت المملكة أنها سبق أن أبلغت الجانب الإيراني بعدم السماح باستخدام أراضيها وأجوائها لاستهدافه، ثم أوضحت في التاسع من مارس عدم صحة المزاعم المتعلقة بانطلاق طائرات مقاتلة وطائرات للتزود بالوقود من المملكة للمشاركة في الحرب، وأن الطائرات المعنية كانت تؤدي مهام مراقبة وحماية الأجواء، وتكشف هذه الواقعة عن أهمية الصياغة الدقيقة للموقف الرسمي وإتاحته للمؤسسات الإعلامية الدولية، إذ تؤدي المعلومة الموثقة وظيفة تتصل بحماية سلامة تفسير الموقف السعودي، وتحديد طبيعة الإجراءات الدفاعية، والمحافظة على وضوح الخيارات السياسية والدبلوماسية للمملكة.
وفي هذا السياق تحديدًا تتضح أهمية الدور الذي اضطلعت به وزارة الإعلام في توسيع نطاق التنسيق الخليجي خلال الأزمة، فقد دعا معالي الوزير سلمان الدوسري في الثامن من مارس إلى خطاب إعلامي خليجي مسؤول يعزز وحدة الموقف في مواجهة التهديدات، وجاء الاجتماع الاستثنائي لوزراء الإعلام بدول مجلس التعاون في اليوم التالي ليضع التنسيق الإعلامي ومواجهة المعلومات المضللة ضمن أولويات التعامل المشترك مع التطورات الإقليمية، وتحمل هذه الخطوة أهمية استراتيجية تتصل بطبيعة التحدي الذي واجه دول المجلس، فالأزمة العسكرية التي تشمل عددًا من الدول تتيح للروايات المتعارضة والادعاءات غير الموثقة التأثير في إدراك الجمهور لطبيعة المواقف والعلاقات المشتركة، بينما يساعد التنسيق بين المؤسسات الإعلامية على إيضاح الحقائق الأساسية وتوفير مرجعية مهنية للمتابعة، ومن ثم فإن وحدة الخطاب في القضايا المتعلقة بالأمن والاستقرار تمثل قدرة على عرض المواقف المتفق عليها بوضوح، مع المحافظة على اختصاص كل دولة في إدارة معلوماتها وقراراتها، ويكتسب هذا التوجه دلالته من ارتباطه بواقع سياسي وأمني بالغ الحساسية، يحتاج إلى خطاب مسؤول يساند الجهد الدبلوماسي ويحافظ على ثقة المجتمعات الخليجية.
ولم يتوقف هذا المسار عند الاستجابة الأولى للتصعيد، فقد أعاد الاجتماع التاسع والعشرون لوزراء الإعلام بدول مجلس التعاون الخليجي في الثامن والعشرين من أكتوبر، التأكيد على مسؤولية المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية في حماية وحدة الصف الخليجي، وتوثيق المخالفات والتعامل مع المعلومات المضللة وفق الأنظمة المعتمدة، ويكشف الامتداد الزمني بين اجتماعي مارس وأكتوبر عن إدراك مؤسسي لطبيعة المخاطر الإعلامية المصاحبة للأزمات الممتدة، إذ تتغير وسائل التأثير ومضامين الحملات بتغير التطورات السياسية والعسكرية، وتصبح الحاجة إلى التنسيق المستمر أكثر أهمية من المعالجة المرتبطة بواقعة منفردة، وهنا يمكن قراءة الدور السعودي من زاوية تطوير العمل الإعلامي الخليجي المشترك وإسناده إلى مؤسسات واجتماعات وآليات متابعة، بما يعزز قدرة دول المجلس على حماية مصالحها المشتركة والتعبير عن مواقفها أمام الرأي العام الإقليمي والدولي، ويمنح الجهد الإعلامي امتدادًا يتناسب مع طبيعة التحديات التي تواجه المنطقة.
وتبرز في التجربة السعودية مسألة جوهرية تتعلق بإعداد المؤسسة قبل وقوع الأزمة، فقد أسست وزارة الإعلام في عام 2024 «مركز ذكاء الإعلام» وجمعت تحت مظلته مهام الرصد والتحليل والطوارئ والأزمات، مع اختصاصات تشمل دراسة المخاطر والتنبؤ بها ودعم متخذي القرار بالمعلومات وإعداد الأطر المنظمة للتعامل مع الأزمات الإعلامية، وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ضوء التحول الذي شهدته وسائل الاتصال، إذ أصبح الرصد التقليدي للأخبار عاجزًا بمفرده عن تقديم التقدير اللازم في البيئات شديدة التقلب، بينما يحتاج القرار الإعلامي إلى تحليل مصادر الروايات وسرعة انتشارها وتطورها والعلاقات بين الأطراف التي تتداولها، وكذلك تقدير احتمالات تأثيرها في المصالح الوطنية، ومن هنا تظهر القيمة المؤسسية لمثل هذه المراكز في بناء القدرة على الإنذار المبكر وتقديم قراءة متجددة للمشهد، وتظل فاعليتها مرتبطة بجودة البيانات وسرعة وصول نتائج التحليل إلى الجهات المختصة وقدرتها على توظيفها في قرارات عملية
وتتصل هذه الجاهزية بإدراك أهمية وكالة الأنباء السعودية «واس» باعتبارها إحدى المؤسسات المرجعية في نقل المواقف الرسمية والأحداث الوطنية إلى المؤسسات الإعلامية، خصوصًا في أوقات الأزمات التي يرتفع فيها الطلب الدولي على المعلومات المتعلقة بالأمن والطاقة والسياسة الخارجية، فالوكالات العالمية والمؤسسات الاقتصادية والصحفية تحتاج إلى تصريحات محددة يمكن نسبتها إلى جهات معلومة، وتزداد قيمة المصدر الوطني عندما يقدم المعلومة الدقيقة في وقت يسمح بإدراجها ضمن التغطية الدولية، وقد اتجهت وزارة الإعلام إلى تطوير شبكة عمل وكالة الأنباء السعودية ومكاتبها ومراسليها وعلاقاتها المهنية الخارجية، بما يدعم قدرتها على الوصول إلى جمهور أوسع، وتكمن أهمية هذا التوجه في أن العلاقات المستقرة مع المؤسسات الصحفية العالمية تمنح المعلومة السعودية مسارًا مهنيًا للوصول، بينما يؤدي استمرار التواصل وإتاحة التوضيحات إلى تحسين فرص فهم المواقف الوطنية ضمن سياقاتها الصحيحة، وتزداد الحاجة إلى ذلك في القضايا التي ترتبط بتوازنات دولية معقدة وتتطلب تمييز الوقائع المؤكدة من التحليلات والتقديرات المتداولة.
و تتضح أهمية الدور الذي تؤديه الهيئة العامة لتنظيم الإعلام في بناء بيئة إعلامية تتناسب مع متطلبات هذه المرحلة، فقد أدى انتشار صُناع المحتوى والمؤثرين إلى اتساع المجال الإعلامي بصورة جعلت الفرد قادرًا على الوصول إلى جمهور يضاهي جمهور مؤسسات كبيرة، وأصبح تأثير الحسابات الرقمية يمتد إلى الاقتصاد والسلوك الاستهلاكي والنقاشات الاجتماعية، وفي هذا السياق قدمت رخصة «موثوق» معالجة تنظيمية للنشاط الإعلاني الذي يمارسه الأفراد عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال وضع قواعد واضحة للممارسة وإتاحة التحقق من التراخيص وتحديد المسؤوليات المهنية والتجارية، وتتمثل القيمة الأعمق لهذا التنظيم في إدراك الفرق بين امتلاك القدرة على الوصول إلى الجمهور وامتلاك الأهلية لممارسة نشاط إعلاني تجاري، فالمتابعون يمنحون صاحب الحساب فرصة اقتصادية، بينما يوفر التنظيم أساسًا لضمان الالتزام وحماية المستهلك وتعزيز الثقة بين المعلن وصانع المحتوى والجمهور، ومع تطور السوق الرقمية تصبح وضوح القواعد واستقرارها عاملين أساسيين في تنمية الصناعة واستقطاب الاستثمارات وحماية الممارسة المهنية
وتزداد أهمية تنظيم صناعة المحتوى عند النظر إلى ما شهدته التوترات الإقليمية الأخيرة من انتشار للمقاطع المقتطعة من سياقها والصور المصطنعة والادعاءات المتعلقة بالعمليات الأمنية والعلاقات الدولية، فقد أصبحت التقنيات الحديثة قادرة على إنتاج مشاهد تبدو حقيقية وتنتشر عبر المنصات قبل اكتمال التحقق منها، وهو تطور يفرض مسؤوليات إضافية على المؤسسات الإعلامية وصُناع المحتوى والجمهور، وقد عالجت المنظومة السعودية جانبًا من هذه التحديات من خلال تطوير مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في الإعلام، بالشراكة مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، مع التركيز على موثوقية المحتوى والمسؤولية البشرية في عمليات إنتاجه ونشره، وقد حصل مشروع الوثيقة في يوليو 2026 على تقدير دولي ضمن جوائز القمة العالمية لمجتمع المعلومات، وتكمن أهمية هذه المبادرة في التعامل مع الموثوقية باعتبارها مسؤولية تبدأ من إعداد المادة الإعلامية وتمتد إلى نشرها وتوزيعها، وهي مسؤولية تزداد حساسيتها خلال الأزمات التي يمكن أن تؤثر فيها المواد المصطنعة على سلامة المعلومات المتاحة للجمهور
كما قدم موسم حج 1447هـ نموذجًا عمليًا مختلفًا لقدرة وزارة الإعلام على تنظيم مشهد دولي واسع تتداخل فيه المسؤوليات والاهتمامات الإعلامية، فقد تولى مركز العمليات الإعلامي الموحد للحج تنسيق الإيجازات الصحفية بمشاركة المتحدثين الرسميين للجهات الحكومية المختصة، مع توفير بيئة مهنية للتغطيات المحلية والدولية، وشهد ملتقى إعلام الحج مشاركة أكثر من ثلاثين جهة حكومية وخاصة وغير ربحية، وحضور مئة وخمسين وسيلة إعلامية محلية وإقليمية ودولية، وتمثل أهمية هذه التجربة في تنظيم تدفق المعلومات المتعلقة بالأمن والصحة والنقل والخدمات من خلال مصادرها المختصة، حيث يستطيع الصحفي الحصول على صورة متكاملة عن جوانب الحدث عبر منظومة اتصال واضحة، وتبرز قيمة هذا النموذج في إدارة المناسبات الكبرى التي تحمل أبعادًا دولية وإنسانية ودينية، وتتطلب قدرًا مرتفعًا من التنسيق وسرعة الاستجابة ودقة البيانات، خصوصًا عندما تتعلق المعلومات بسلامة الأفراد وحركة الحشود والخدمات المقدمة لهم
ويكشف الربط بين تجربة الحج والتعامل الإعلامي مع التصعيد الإقليمي عن ملامح نهج مؤسسي واحد، رغم اختلاف طبيعة الحدثين، فالأزمات العسكرية تحتاج إلى إدارة دقيقة للمعلومات الحساسة وتحديد المواقف الرسمية والتعامل مع الروايات المتعارضة، بينما تتطلب المناسبات الدولية الكبرى تنسيقًا واسعًا بين الجهات وتوفيرًا مستمرًا للمعلومات والخدمات الإعلامية، وفي الحالتين تبرز أهمية جاهزية المتحدثين الرسميين، ووضوح الاختصاصات، وسرعة وصول البيانات، وكفاءة التواصل مع المؤسسات الدولية، وقد عملت وزارة الإعلام السعودية على تطوير هذه الجوانب ضمن منظومة أوسع تشمل الاتصال الحكومي والتأهيل المهني والجاهزية المؤسسية، وتزداد قيمة هذا التكامل عندما تصبح المعلومة جزءًا من المسؤولية الوطنية المرتبطة بأمن المجتمع ومصالحه ومكانة المملكة الدولية.
وتحمل هذه التجربة أيضًا دلالة تتصل بطبيعة القيادة الإعلامية وإدارة المؤسسات، فقد استفادت وزارة الإعلام من الخبرة المهنية لمعالي الوزير سلمان الدوسري في التعامل مع التحولات التي تشهدها صناعة الإعلام، وظهر ذلك في توجهات تطوير القطاع وتعزيز التنسيق المؤسسي وإسناد المهام التنظيمية إلى جهاتها المختصة، مع الاهتمام بالتأهيل والابتكار والعلاقات الدولية، وتكمن قيمة هذا التوجه في قدرة المؤسسة على تحويل الرؤية إلى اختصاصات وبرامج عمل وآليات متابعة، حيث ترتبط جودة الأداء بما تقدمه المنظومة من خدمات ونتائج، وتتراكم الخبرات داخل المؤسسات بصورة تساعدها على الاستجابة للأحداث المقبلة، وهو جانب بالغ الأهمية في العمل الإعلامي الذي تتغير أدواته بسرعة وتزداد فيه الحاجة إلى الجمع بين المعرفة المهنية والإدارة الاستراتيجية
ومن منظور أوسع، فإن قوة الحضور الإعلامي للمملكة ترتبط بما تمتلكه من مكانة سياسية واقتصادية ودينية، وبثقلها في أسواق الطاقة والتجارة الدولية، وبالدور الذي تضطلع به في قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي، وقد منحت هذه المكانة المؤسسات الإعلامية السعودية مسؤولية متنامية في تقديم المعلومات الدقيقة وشرح المواقف الوطنية ومواكبة التحولات التنموية، ومن هنا تتضح أهمية ما تبذله وزارة الإعلام والهيئة العامة لتنظيم الإعلام من جهود لتطوير الصناعة وتنظيم الممارسة ورفع الكفاءة المؤسسية، فالحضور الدولي الفاعل يحتاج إلى مؤسسات مهنية تمتلك المعرفة والقدرة على التواصل، كما تحتاج السوق الإعلامية المحلية إلى تنظيم واضح يعزز المسؤولية ويحفظ حقوق أطرافها، ويكتمل أثر المسارين عندما تصبح الثقة في المعلومة جزءًا من ثقافة العمل الإعلامي، وتصبح قدرة المؤسسات على الاستجابة في الظروف الاستثنائية امتدادًا طبيعيًا لجاهزيتها في الظروف المعتادة.
وتقدم التجربة السعودية في هذا الإطار قراءة مهمة لمفهوم القوة الإعلامية في الدولة الحديثة، إذ تتشكل هذه القوة من تماسك الموقف الوطني ووضوح الرسالة وكفاءة المؤسسات وقدرتها على العمل المتكامل، وتتجلى قيمتها بصورة أكبر في أوقات الأزمات حين يتزايد الطلب على المعلومات وتتسارع محاولات التأثير في اتجاهات الرأي العام، وقد أظهرت تطورات عام 2026 أهمية ما تحقق في بناء منظومة إعلامية تجمع بين التنسيق الخليجي والتواصل الدولي وتنظيم صناعة المحتوى وتطوير قدرات الرصد والتحليل، وهي مسارات تتصل مباشرة بمصالح المملكة وأمنها واستقرارها وطموحاتها التنموية، وتؤكد أن الاستثمار في الإعلام أصبح جزءًا من الاستثمار في قدرة الدولة على حماية مصالحها والتعبير عن مواقفها وتعزيز حضورها، وأن قوة الرسالة السعودية تستند في المقام الأول إلى قوة الدولة ومؤسساتها والحقائق التي تحملها إلى العالم.