جانبي فروقة
في الأسبوع الماضي كتب مسؤول أكاديمي رفيع في جامعة أمريكية عريقة رسالة إلكترونية ينفي فيها استخدام الذكاء الاصطناعي في كتاباته لكن المفارقة أن إحدى أدوات الكشف عن النصوص الآلية صنّفت الرسالة نفسها على أنها مكتوبة بالذكاء الاصطناعي وقد تبدو الحكاية طريفة للوهلة الأولى لكنها تحمل شيئاً أكبر من مجرد مفارقة محرجة فنحن نعيش زمناً يتحدث فيه العالم عن الذكاء السوبر وكأنه ضيف على وشك الوصول بينما الحقيقة أن الضيف لم يصل بعد لكن فواتيره بدأت تصل بالفعل.
إن الذكاء السوبر بمعناه الدقيق هو نظام يتجاوز أفضل القدرات العقلية البشرية في معظم المجالات المعرفية ونحن لم نصل إلى هذه المرحلة حتى الآن ولا نعرف متى يمكن أن نصل إليها ومع ذلك تتعامل الأسواق والشركات والمستثمرون مع المستقبل وكأنه أصبح قريباً بما يكفي للاقتراض من أجله وبناء الإمبراطوريات حوله وخلال الأيام الماضية لفتت انتباهي أربعة قصص مختلفة: أزمة ثقة داخل جامعة أمريكية واكتتاب ضخم لشركة أنثروبيك وسباق محموم لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ثم سؤال اقتصادي مباشر عن العائد الحقيقي من كل هذا الإنفاق وعندما تضع هذه القصص إلى جانب بعضها تجد أنها تحكي قصة واحدة لكن من أربع زوايا لذلك أرى أن فهم مستقبل الذكاء السوبر (الاصطناعي) لا يبدأ بالسؤال التقليدي: متى ستصبح الآلة أذكى منا؟ بل بسؤال أكثر واقعية: من سيدفع ثمن هذا التحول؟ ويمكننا أن نقرأ المشهد من خلال أربعة فواتير وهي فاتورة الثقة وفاتورة الوعد وفاتورة التمويل وأخيراً فاتورة العائد.
الفاتورة الأولى وهي الثقة وإذا ما عدنا إلى القصة التي بدأنا بها فقد نشر سانتياغو شنيل وهو مسؤول أكاديمي رفيع في جامعة دارتماوث مقالاً في صحيفة واشنطن بوست خلال أغسطس الماضي دعا فيه الجامعات إلى وضع شهادات تميّز بين ما ينجزه الطالب بنفسه وما ينجزه بمساعدة الذكاء الاصطناعي ولكن صحيفة الطلاب قررت فحص بعض أعماله المنشورة خلال العام فوجدت أن تسعة منها حصلت على نسبة وسطية بلغت 96 % من النص المكتوب آلياً (أي باستعمال الذكاء السوبر) وفق إحدى أدوات الكشف وعندما أرسل الرجل رسالة يدافع فيها عن نفسه صنّفت الأداة الرسالة أيضاً على أنها مكتوبة بالكامل بالآلة وانتهت القصة باستقالته ليصبح أبرز أكاديمي معروف يترك منصبه على خلفية هذه المسألة وبالطبع لا ينبغي التعامل مع أدوات كشف النصوص باعتبارها حكماً نهائياً فهي ليست معصومة من الخطأ ولا يمكن بناء اتهام جاد على نتائجها وحدها لكن القضية هنا أعمق من دقة الأداة فقد قال شنيل لاحقاً إنه ينبغي الإفصاح دائماً وبوضوح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة العامة وهنا بيت القصيد فالمشكلة لم تعد في أن يستخدم الإنسان الآلة بل في أن يخفي ذلك ثم يطلب من الآخرين أن يثقوا بكلامه كما لو أنه نتاج جهده وحده هذه هي فاتورة الثقة فكلما أصبح إنتاج النصوص والأفكار أسهل وأسرع وأرخص ازدادت قيمة الإنسان الذي يتحمل مسؤولية ما يقول فقد تتمكن الآلة من كتابة مقال أفضل أو إعداد تقرير أكثر ترتيباً لكن من الذي يقف خلفه؟ ومن يضمن دقته؟ ومن يتحمل تبعاته إذا كان مضللاً؟ ربما في المستقبل لن تكون أهم ميزة في الكاتب أو الباحث قدرته على إنتاج الكلام بل قدرته على أن يضع اسمه تحته بثقة.
أما الفاتورة الثانية فهي الوعد ونحن نرى المستقبل يدخل البورصة فمن الجامعة ننتقل إلى الأسواق حيث لم يعد الذكاء السوبر (الاصطناعي) مجرد تقنية واعدة بل أصبح أصلاً استثمارياً يُباع ويُشترى على أساس ما يُتوقع أن يحققه مستقبلاً وفي 26 أكتوبر تقدمت شركة أنثروبيك بوثائق اكتتابها العام إلى هيئة الأوراق المالية الأمريكية طالبة إدراج أسهمها في بورصة ناسداك تحت الرمز ANT. والأرقام وحدها تكفي لتفسير حجم الاهتمام فقد بلغت إيرادات الشركة خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 16.3 مليار دولار مقارنة بنحو 1.2 مليار دولار قبل عام كما كشفت الوثائق عن أكثر من 11,900 عميل ينفق كل منهم ما لا يقل عن 100 ألف دولار سنوياً لكن هناك تفصيلاً يستحق التوقف عنده فنحو 20 % من الإيرادات جاءت من عميلين فقط وفي المقابل سجلت الشركة خسارة صافية تجاوزت 80 مليار دولار خلال الفترة نفسها مع الإشارة إلى أن أكثر من 72 مليار دولار من هذه الخسارة يرتبط بإعادة تقييم أدوات مالية وليس بأموال نقدية خرجت من خزائن الشركة وهذه الأرقام تكشف جانبين من القصة فأنثروبيك شركة تنمو بسرعة استثنائية لكنها تعمل في سوق تتطلب استثمارات هائلة ولا تزال أمامها أسئلة كبيرة بشأن قدرتها على تحويل النمو إلى أرباح مستدامة وقد لفتتني عبارة داريو أمودي (Dario Amodei) الرئيس التنفيذي لأنثروبيك عندما وصف رؤيته المستقبلية بأنها أشبه بوجود «بلد من العباقرة داخل مركز بيانات» وهي صورة مثيرة للخيال لكنها تفتح سؤالاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن الخيال نفسه وهو كم سيكلف بناء هذا البلد؟ ومتى يبدأ سكانه من الآلات في إنتاج عوائد حقيقية؟ فالشركات لا تستطيع أن تعيش طويلاً على الوعود وحدها مهما كانت كبيرة وكما أن المستثمر لا يشتري الذكاء لمجرد أنه مدهش بل لأنه يتوقع أن يتحول في النهاية إلى أرباح وهذه هي فاتورة الوعد أي بالمختصر تعني أن تقنع العالم اليوم بقيمة مستقبل لم يتحقق بعد وأن تجد من يستعد لدفع ثمنه الآن لكن الوعود مهما كانت جذابة تحتاج إلى أموال ضخمة حتى تتحول إلى واقع وهنا تبدأ واحدة من أكبر الأسئلة الاقتصادية في سباق الذكاء الاصطناعي وهنا نجد أمامنا الفاتورة الثالثة وهي التمويل حيث أن السؤال الكبير هو من أين يأتي كل هذا المال؟ في 27 أكتوبر نشرت واشنطن بوست تقريراً حمل عنواناً لافتاً وهو لا يوجد في العالم مال يكفي لدفع ثمن طفرة الذكاء السوبر (الاصطناع) وقد يبدو العنوان مبالغاً فيه لكن الأرقام تفسر القلق فالشركات الكبرى لم تعد تعتمد فقط على أرباحها لتمويل التوسع بل تتجه إلى الاقتراض وإصدار السندات وبيع أسهم جديدة إلى جانب استخدام أدوات تمويل أكثر تعقيداً ومخاطرة وفي الأسبوع نفسه أطلقت مايكروسوفت عملية بيع سندات بقيمة لا تقل عن 25 مليار دولار وهي أول عملية من نوعها للشركة منذ عام 2017 بهدف تمويل توسعها في البنية التحتية للذكاء السوبر (الاصطناعي) وبحسب تحليل لرويترز أصدرت أمازون وألفابت وميتا وأوراكل نحو 194 مليار دولار من السندات حتى السابع من يوليو بزيادة 79 % عن العام السابق وكما يُتوقع أن يتجاوز إنفاق الشركات الكبرى 730 مليار دولار خلال هذا العام حيث سيذهب معظمه إلى الذكاء السوبر (الاصطناعي) والمسألة لا تتعلق ببناء مراكز بيانات فقط فنحن نتحدث عن منظومة تحتاج إلى رقائق متقدمة وطاقة كهربائية وشبكات وأنظمة تبريد ومساحات ضخمة واستثمارات متواصلة حتى تستطيع تشغيل النماذج وتطويرها وبمعنى آخر لم يعد سباق الذكاء السوبر سباقاً بين شركات التكنولوجيا وحدها بل أصبح سباقاً على الطاقة ورأس المال والبنية التحتية والقدرة على تمويل المستقبل وقد شبّه بنك التسويات الدولية هذه الطفرة بموجات استثمارية تاريخية مثل بناء السكك الحديدية في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر وفقاعة الإنترنت وفي كلتا الحالتين كانت هناك تقنية غيّرت العالم بالفعل لكن ذلك لم يمنع الاستثمارات من تجاوز الحدود التي يستطيع الاقتصاد تحملها أما دراسة بين آند كومباني Bain الجزيرة Company فتطرح سؤالاً أكثر مباشرة وهو هل ستصل التطبيقات والإيرادات الجديدة في الوقت المناسب لتغطية هذه التكاليف؟ وتشير تقديراتها إلى أن الشركات تحتاج إلى أكثر من 4.2 تريليون دولار من الإيرادات الجديدة خلال خمس سنوات حتى تبرر حجم الاستثمارات المطلوبة هذه هي فاتورة التمويل فعندما يصبح الحلم أكبر من قدرة الشركات على تمويله لا بد أن يأتي المال من مكان آخر وغالباً من أسواق الدين والمستثمرين وهنا يتحول السؤال من هل نستطيع بناء الذكاء السوبر؟ إلى سؤال أكثر صعوبة وهو هل يستطيع الاقتصاد تحمل تكلفة بنائه؟
بعد الثقة والوعد والتمويل نواجه الفاتورة الرابعة متمثلة في العائد أي باختصار ماذا حقق كل هذا الإنفاق؟ في 24 أكتوبر نشر تورستن سلوك Torsten Slok كبير الاقتصاديين في أبولو غلوبال مانجمنت (Apollo Global Management) مذكرة اقتصادية استندت إلى خمسة رسوم بيانية وخلصت إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يحقق حتى الآن عائداً مالياً يُذكر للشركات الأمريكية خارج قطاع التكنولوجيا وتقوم فكرته على مقارنة الشركات السبع الكبرى في مؤشر SالجزيرةP 500 ببقية الشركات فبينما ارتفعت الإيرادات لكل موظف وهوامش الربح لدى الشركات السبع الكبرى ظلت هذه المؤشرات مستقرة تقريباً لدى الشركات الـ493 الأخرى كما أظهرت الرسوم أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي لا يزال متركزاً في عدد محدود من الشركات بدلاً من أن ينتشر أثره بصورة واضحة على الاقتصاد كله لكن من المهم ألا نذهب بعيداً في تفسير هذه النتائج فهي لا تعني أن الذكاء السوبر لا يقدم فوائد للشركات وإنما تشير إلى أن هذه الفوائد لم تظهر بعد بوضوح في الأرقام الإجمالية كما أن كثيراً من الشركات لا تفصل في قوائمها المالية بين الإيرادات أو الوفورات التي تحققت بفضل الذكاء الاصطناعي وتلك الناتجة عن عوامل أخرى وهنا تعود إلى أذهاننا مقولة الاقتصادي روبرت سولو عام 1987 عندما لاحظ أننا نستطيع رؤية عصر الحاسوب في كل مكان باستثناء إحصاءات الإنتاجية وربما نعيش اليوم نسخة جديدة من المفارقة نفسها فنحن نرى أدوات الذكاء الاصطناعي في المكاتب والمصانع والشركات ونسمع عن قدراتها يومياً لكن السؤال يبقى: هل تحولت هذه القدرات إلى إنتاجية أعلى وأرباح أكبر؟ وهناك مفارقة أخرى تستحق التأمل وهي أن الإيرادات التي تحققها أنثروبيك هي في الوقت نفسه نفقات تدفعها الشركات التي تستخدم خدماتها فما يبدو نمواً هائلاً في حسابات البائع قد يكون تكلفة إضافية في حسابات المشتري إلى أن يثبت أن هذه التكلفة تخلق قيمة أكبر مما تستهلكه وهذه هي فاتورة العائد وهي الأهم في النهاية لأن المستثمر يستطيع أن ينتظر والشركة تستطيع أن تقترض والسوق يستطيع أن يصدق الوعود لفترة من الزمن لكن لا أحد يستطيع تأجيل سؤال النتائج إلى الأبد.
عندما ننظر إلى الفواتير الأربع معاً نكتشف أنها ليست قصصاً منفصلة بل حلقات في سلسلة واحدة فمن دون الثقة يفقد الوعد قيمته ومن دون الوعد لا يأتي التمويل ومن دون التمويل يتوقف البناء ومن دون عائد حقيقي يصبح كل ما سبق عبئاً مالياً يصعب تبريره ومع ذلك لا أرى أن علينا الاختيار بين التفاؤل المفرط والخوف من الذكاء السوبر (الاصطناعي) فالتقنية قد تفتح أبواباً علمية واقتصادية لم نكن نتخيلها وقد تعيد تشكيل طريقة عمل الشركات وتمنح الإنسان قدرات جديدة لكن ذلك لا يعفينا من السؤال عن التكلفة ولا عن المستفيد ولا عن الطرف الذي سيتحمل الخسارة إذا لم تتحقق الوعود، والأهم أن الذكاء السوبر إذا أصبح واقعاً في المستقبل لن تكون قصته مجرد قصة آلات أكثر ذكاءً من البشر بل ستكون قصة اقتصاد جديد وسوق عمل مختلفة وموازين قوة جديدة وربما تعريف مختلف لما يعنيه أن يكون الإنسان منتجاً ومبدعاً وصاحب قرار وأنا أقترح أن نحتفظ بأربعة أسئلة كلما سمعنا إعلاناً جديداً عن قدرات الذكاء السوبر وهي: من يثق بهذا الادعاء؟ من يمول تطويره؟ من يحقق منه عائداً حقيقياً؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يخطئ؟ وإذا لم نجد إجابات واضحة، فنحن لا نتعامل مع واقع مكتمل بل مع وعد ما زال ينتظر من يدفع ثمنه. فالذكاء السوبر إن جاء لن يطرق أبوابنا بموسيقى سينمائية ولن يعلن عن نفسه بالضرورة في لحظة تاريخية واحدة وقد يصل تدريجياً عبر منتجات وقرارات واستثمارات تتسلل إلى تفاصيل حياتنا لكن هناك أمراً واحداً يمكننا التأكد منه: قبل أن يصبح الذكاء السوبر أذكى منا علينا أن نتأكد أننا أذكى بما يكفي لقراءة فواتيره والتعامل معها فالمستقبل لا يُقاس فقط بما تستطيع الآلة أن تفعله بل بما نستطيع نحن أن نتحمله وما نختار أن ندفعه ولمن ستكون الفائدة في النهاية.