ماذا استفاد العرب من الأذرع الإيرانية المنتشرة في المنطقة؟ سؤال يستحق أن يُطرح بعيدًا عن ضجيج الشعارات، وصخب الخطب، والمهرجانات المزايدة بالقضية الفلسطينية، وبعيدًا عن كل خطاب يحاول إقناع الشعوب بأن كثرة السلاح تعني بالضرورة كثرة الانتصارات، وأن إطلاق الصواريخ يكفي وحده لصناعة المجد، وأن رفع شعار المقاومة دليلٌ كافٍ على تحقيق أهدافها، انظروا إلى العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن، ثم اسألوا أنفسكم بصدق ماذا بقي لهذه الشعوب من سنوات الصراع؟ كم أرضًا تحررت؟ وكم دولة استقرت؟ وكم عائلة عادت إلى منزلها؟ وكم طفلًا نام آمنًا بعيدًا عن أصوات القصف؟ وكم مدينة استعادت عافيتها؟ وهل تراجعت أطماع إسرائيل، أم اتسعت رقعة الدمار، وتضاعفت مآسي المدنيين، وأصبحت المنطقة كلها تعيش على وقع الحروب والتهديدات؟ في العراق كان العراق قبل أن يتسلط عليه محور إيران قبلةً للدراسات العليا ومنارةً للعلم؛ تتخرج فيه الأفواج تلو الأفواج من حملة الدكتوراه والماجستير، من أساتذةٍ وبروفيسوراتٍ ملؤوا الجامعات العربية والأوروبية، وكانوا هم المعلمون والمدرسون في شتى العلوم والمجالات، كان مهد التدوين، ومنبع التعليم، ومصدر العلوم ومراجعها، أما اليوم، وبعد أن دخل محور إيران إليه، فقد أمسى في خبر كان، يتربع على قمة الجهل والتخلف والخرافة، حتى جعلوا من العراقيين خُدّامًا يُقبّلون أيادي الإيرانيين.
وقد دفعت العراق والدولة والمجتمع فيه أثمانًا باهظة من الاستقطاب والصراع المسلح، وفي سوريا تحولت البلاد إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية بعد سنوات من الحرب والدمار، وفي لبنان وجد اللبنانيون أنفسهم أمام معادلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها سلطة الدولة مع قوة السلاح وحسابات المواجهة، وفي فلسطين كانت الكارثة الإنسانية في غزة أكبر من أن تختصرها الخطب والشعارات، أما في اليمن، فقد أصبح الشعب الذي أنهكته الحرب والانقلاب والأزمات الاقتصادية أمام مزيد من المخاطر، فيما أدخلت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر واليمن البلاد في دائرة إضافية من المواجهات والضربات العسكرية هذه وقائع لا يمكن تجاهلها، وإن اختلف الناس في تفسير أسبابها وتوزيع المسؤوليات عنها لقد جعلت مليشيات الحوثي اليمن في أسوأ مراحلة تحت خطر الفقر والعوز والمجاعة تضاعفه معاناة اليمنيين في ظل حكمهم بالخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
وبعد هذا كله هل انتصرت هذه الأذرع للقضايا التي رفعت أسماءها، أم أن بعض نتائج تحركاتها جاءت على نحو منح إسرائيل مبررات لتوسيع عملياتها العسكرية، وفتح جبهات جديدة، واستهداف خصومها، وتقديم نفسها أمام حلفائها باعتبارها تواجه تهديدات متعددة؟ لا يعني هذا أن إسرائيل بريئة من مسؤولية قراراتها أو أن جرائمها وانتهاكاتها يمكن تبريرها بأفعال الآخرين، فلكل طرف مسؤولية عن أفعاله، ولا تتحول مهاجمة المدنيين أو تدمير المدن أو انتهاك القانون إلى أعمال مشروعة لمجرد وجود تهديد أمني، لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا المعلنة وحدها، بل بالنتائج التي تتحقق على الأرض ومن حق الشعوب أن تسأل عن كل من يتحدث باسمها إذا كانت هذه المعارك تهدف إلى ردع إسرائيل، فلماذا لم تمنع كل هذا الدمار؟ وإذا كان السلاح لحماية الأوطان، فلماذا أصبحت الأوطان نفسها ساحات مفتوحة للحروب؟ وإذا كان الهدف تحرير فلسطين، فما الإستراتيجية التي تضمن حماية الفلسطينيين، وتحفظ حياتهم، وتمنع تحويل قضيتهم إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟ فالقضية العادلة لا يكفي أن تكون عادلة في خطاب أصحابها، بل تحتاج إلى قيادة مسؤولة، ورؤية سياسية واضحة، وحساب دقيق لموازين القوة، ونتائج ملموسة تخدم أصحاب القضية لا أن تزيد معاناتهم.
أما المفارقة الأكثر إثارة للتساؤل، فهي أن إيران استطاعت توسيع نفوذها الإقليمي عبر شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة، بينما تحملت المجتمعات التي تدور فيها هذه الصراعات جانبًا كبيرًا من تكاليفها البشرية والاقتصادية، فحين تتعرض هذه القوى للضربات، تتضرر المدن والسكان، وحين تتسع المواجهات، تتراجع فرص الاستقرار والتنمية، وحين تُستنزف الدول في صراعات طويلة، تصبح أكثر هشاشة أمام التدخلات الخارجية، وقد أظهرت التطورات العسكرية والسياسية في المنطقة أن شبكة حلفاء إيران ليست بمنأى عن الخسائر، وأن قدرتها على إيلام إسرائيل لم تتحول تلقائيًا إلى قدرة على حماية المجتمعات التي تعمل فيها أو تحقيق تسويات سياسية مستقرة من خلال ذلك من يحصد المكاسب الإستراتيجية، ومن يدفع الفاتورة الفعلية ، وهنا نصل إلى جوهر الإشكالية، هل نحن أمام عداوة حقيقية بين إيران وإسرائيل، أم أمام صراع تتشابك فيه المواجهة العسكرية مع الحسابات السياسية ومصالح النفوذ؟ لا يمكن الجزم بأن الطرفين يتخادمان سرًا لمجرد أن بعض نتائج المواجهة قد تخدم حسابات أحدهما فالتعارض العسكري بينهما حقيقي، وقد تبادلا الضربات المباشرة، كما تكبدت أطراف مرتبطة بإيران خسائر كبيرة جراء العمليات الإسرائيلية، لكن من حق المراقب أن يتأمل مفارقة أخرى، قد يتواجه طرفان بشراسة، بينما تفضي بعض نتائج صراعهما إلى إضعاف دول المنطقة، وتدمير مقدرات شعوبها، وتوسيع دائرة الخوف وعدم الاستقرار وقد يعلن كل طرف أنه يحارب من أجل قضية كبرى، فيما يجد المواطن العربي نفسه محاصرًا بين صواريخ هذا الطرف وغارات الطرف الآخر، وبين خطاب يعده بالنصر وواقع يطالبه كل يوم بدفع ثمن جديد فليس كل صراع بين عدوين انتصارًا لشعوب المنطقة، وليس كل عدو لخصمك صديقًا لك، وليس كل من رفع راية قضيتك قد أحسن خدمتها.
وفي اليمن تحديدًا، تبدو المفارقة أكثر إيلامًا، فالشعب الذي يحتاج إلى السلام، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنقاذ اقتصاده، وتوحيد قراره الوطني، لا يحتاج إلى مزيد من المغامرات التي تجعل أرضه ساحة لتبادل الرسائل العسكرية، إن نصرة فلسطين لا تكون بتعريض اليمنيين لمخاطر إضافية، كما أن الدفاع عن السيادة لا يكون بإضعاف الدولة، ولا تُقاس المواقف الوطنية بعدد الصواريخ التي تُطلق، بل بقدرتها على حماية الإنسان وصيانة كرامته واستعادة قراره المستقل، وإذا كان الهدف المعلن هو نصرة المظلومين، فإن أول اختبار لهذا الشعار هو احترام حياة المظلومين في الداخل، وعدم استخدام معاناتهم وقودًا لمعارك لا يملكون قرارها ولا يتحكمون في نهاياتها، ومن حق اليمني أن يسأل، ماذا جنت بلادي من هذه السياسة؟ وهل اقتربنا من استعادة الدولة، أم ازدادت الأعباء على شعب أنهكته سنوات الحرب؟ وهل أصبح اليمن أكثر أمنًا واستقرارًا، أم صار معرضًا لمخاطر جديدة بسبب حسابات تتجاوز حاجاته الوطنية المباشرة؟
إن أخطر ما في هذه المعادلة أن تتحول الشعارات إلى حصانة تمنع النقد، وأن يُتهم كل من يسأل عن النتائج بأنه ضد المقاومة، أو متعاطف مع إسرائيل، أو متخلٍّ عن فلسطين وهذا منطق لا يخدم قضية عادلة ولا يبني وعيًا وطنيًا سليمًا ففلسطين أكبر من أن يحتكرها تنظيم، وأكرم من أن تتحول إلى وسيلة لتصفية الحسابات، ودماء الفلسطينيين ليست مادة للدعاية السياسية.
ما أجمل هذه العداوة في عيون تجار الشعارات، وما أشد مرارتها في بيوت الذين يفقدون أبناءهم وأمنهم وأرزاقهم عداوة يتبادل أطرافها التهديد والوعيد، وتتنافس فيها الخطب على ادعاء القوة، بينما تبحث الشعوب عن سقف يحميها، ودواء يعالج مرضاها، وطريق يصل مدنها، ومدرسة تستقبل أبناءها، ودولة تحكم بالقانون لا بمنطق السلاح، وما أقسى أن يُطلب من المواطن أن يصفق لكل معركة باسم الكرامة، ثم يُترك وحيدًا أمام الخراب، وكأن السؤال عن حصيلة الحرب خيانة، وكأن المطالبة بالحياة تنازل، وكأن بناء الأوطان أقل قيمة من إطلاق التهديدات.
إن المعيار الحقيقي لأي مشروع سياسي أو عسكري ليس جمال شعاراته، ولا حجم ضجيجه الإعلامي، ولا عدد راياته في الشوارع، بل ما يحققه للإنسان من أمن وحرية وكرامة، وما يحفظه للدولة من سيادة، وما يمنعه من قتل ودمار، وما يتركه للأجيال القادمة من فرص للحياة، ومن أراد أن يقنع العرب بجدوى مشروعه، فليقدم لهم نتائج واضحة، لا خطبًا جديدة؛ وليشرح لهم كيف ستُحمى أوطانهم، وكيف ستُصان أرواح أبنائهم، وكيف ستُستعاد حقوق الفلسطينيين، وكيف ستتوقف الحروب، لا كيف ستتسع جبهاتها ، فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من المزايدات، واليمن لا يحتمل مغامرات جديدة، والعراق وسوريا ولبنان ليست ساحات مباحة لحسابات الآخرين.
** **
- نصيب محمد الحارثي