صالح الشادي
في مقال سابق تحدثتُ عن المنجمين والعرافين، وأعدتُ التأكيد على أصلٍ لا ينبغي أن يغيب: الغيب عند الله وحده. وليس هذا شعاراً وعظياً، بل حدٌّ معرفي دقيق. قال الله تعالى: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)، وقال: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ). فإذا كان الأمر كذلك، فكل من يبيعك «يقيناً» عن موعد حرب، أو اسم من سيخرج، أو تفصيل انقراض أمة، أو تاريخ نهاية شيء بعينه، فهو إما يخبرك بظنٍّ أُلبس ثوب اليقين، أو بجهلٍ أُلبس ثوب العلم. والفرق بين الاثنين ليس هيناً.
لكن هناك لبساً ينبغي رفعه. أن نقول: «لا يعلم الغيب إلا الله» لا يعني أن نعطّل العقل، ولا أن نغلق التاريخ، ولا أن نمتنع عن قراءة السنن والاتجاهات. إنما يعني أن نفرّق بين علم الغيب وقراءة الواقع. بين أن تقول: «سيقع كذا في يوم كذا باسم كذا»، فهذا ادعاء غيب، وبين أن تقول: «هذه المؤشرات تُرجّح صراعاً أو انهياراً أو تحولاً»، فهذه قراءة احتمالية، ليست نبوءة، ولا يجوز أن تُباع للناس على أنها يقين.
وهنا المفارقة المنطقية: أكثر ما يسمّيه الناس «تكهناً» هو في الحقيقة خلط بين ثلاثة أشياء: النمط، والتوقيت، والتطبيق. فالتاريخ له أنماط: الظلم المستمر يولد انفجاراً، والفساد المتراكم يهدم الدول، والصراع على المصالح قد يؤول إلى حرب. هذا كلام عن سنن وأسباب، لا عن غيب. أما أن نحدد الموعد والمكان والأسماء والتفاصيل، فهذا هو الحمى الغيبية التي لا يملكها إلا الله. وقد يصدق الظن، لكن صدقه بعد الوقوع لا يحوّله إلى علم سابق؛ فالتطابق بين توقعٍ ونتيجة لا يعني أن صاحبه كان يعلم الغيب، بل يعني أن الاحتمال وقع.
ومن هنا أيضاً يتجلى الوقف من بعض الروايات والتفاسير البشرية المنسوبة إلى الدين، التي تُروى عن آخر الزمان. باعتقادي أنه لا يجوز أن ننكر كل نص، ولا يجوز أن نحوّل كل رواية إلى جدول زمني. فبين النص وبين الواقع طبقتان: ثبوت النقل، ودلالة التطبيق. وكثير من التفاصيل إما ظنية الثبوت أو ظنية الدلالة، وأكثر من ذلك ظنية في تنزيلها على حادثة بعينها. فمن قال: «هذه الحرب هي المذكورة في الرواية الفلانية» فقد أضاف إلى النص يقيناً من عنده، واليقين الغيبي ليس ملكه. والاستثناء هو ما أطلع الله عليه رسله، وبقدر ما صح ثبوته ودلالته، لا بما يرويه كل راوٍ، ولا بما يؤوّله كل مؤوّل. وحتى حين يصح النص، فإن الإنسان يبقى أسير فهمه وسياقه؛ واليقين الكامل لله.
هنا يمكن فهم فكرة «القراءة السننية التفاعلية» للتاريخ، أو ما يسميه بعضهم «القراءة الديالكتيكية»، بمعناها المنضبط: التاريخ ليس خطاً مستقيماً، بل ساحة تناقضات وأسباب ونتائج؛ قوى تصعد وأخرى تنهار، ومصالح تتصادم فتولد أزمات، وأزمات تولد تحولات. هذه القراءة لا تدّعي معرفة الغيب، بل تحاول فهم حركة الواقع. وهي أشبه بالطبيب الذي يقول: «هذه المؤشرات تنذر بمضاعفات»، لا بالعراف الذي يقول: «ستموت يوم كذا». الطبيب يقرأ الجسد، والمؤرخ يقرأ المجتمع، والمؤمن يقرأ السنن؛ لكن أحداً منهم لا يملك مفاتح الغيب.
والفرق بين القراءة والتكهن ليس لفظياً. التكهن يبيع اليقين، والقراءة تعلن الاحتمال. التكهن يستدرج الخوف، والقراءة تدعو إلى الاستعداد. التكهن يعطّل العمل لأنه يقول: «وقع الأمر وانتهى»، والقراءة تفتح العمل لأنها تقول: «هذه اتجاهات، فاصنع ما ينبغي». ولهذا فإن أخطر ما في ثقافة التوقعات الجزمية ليس خطأها العلمي فقط، بل أثرها الأخلاقي: أن يعيش الناس على أعصابهم، ينتظرون ما لا يعلمونه، ويتركون ما يستطيعون فعله.
واعتقد هنا انه ينبغي التمييز بين الظن المحمود والظن المذموم. فالظن أداة معرفية لا تُذمّ لذاتها؛ إنما يُذمّ إذا تُوّج كيقين غيبي، أو بيع للناس على أنه علم نافذ. أما الظن الذي يُبنى على القرائن والتجربة والسنن، ويُعلن صاحبه أنه ظن، فهو من باب الاجتهاد البشري الذي يصيب ويخطئ.
فالخلاصة المنطقية ثلاثة أسطر:
1- ما استأثر الله بعلمه لا يجوز لأحد أن يدّعي فيه اليقين.
2- ما يُدرك بالسنن والتجربة والاستدلال هو ظنّ قابل للخطأ والصواب، لا غيب مكشوف.
3- ما صح من الوحي لا يُحوّل إلى جدول توقعات بشرية؛ لأن التطبيق والتأويل من عمل البشر، واليقين لله.
اطمئنوا إذن. ليس كل ما يُقال لك إنه آتٍ هو آتٍ، وليس كل جدول زمني يُنشر عن الحروب والانهيارات هو علم. هناك فرق بين من يقرأ التاريخ ليفهم، ومن يتاجر بالغيب ليُخيف. والله علام الغيوب يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. أما نحن، فما علينا إلا أن نُحسن القراءة، ونُعلن حدود المعرفة، ونتوكل على الله، ونعمل. البوصلة نعم، أما الخريطة الكاملة للغيب فليست لنا.