إن ظاهرة الدخيل من الألفاظ ظاهرة لغوية عامة في مختلف اللغات؛ إذ تمثل إحدى وسائل التوسع اللغوي وقرينة على التلاقي الثقافي والحضاري بين البشر واستعمالاتهم اللغوية، وشاهدا على حالة التواصل المستمر بينهم، وذكر الفيروزآبادي (ت817هـ) أن اللفظ الدخيل هو: «ما دخل في كلام العرب من غير لغتهم» (القاموس المحيط – بيروت 2005 – مادة (د.خ.ل)) وعرفه المعجم الوسيط بأنه: «اللفظ الأجنبي الذي دخل اللغة العربية دون تغيير» (المعجم الوسيط، القاهرة 2005، (د.خ.ل)).
وقد تبنى اللغويون المحدثون معايير متعددة في تصنيف اللفظ الدخيل؛ فمنهم من صنفه بحسب اللغة المصدر، ومنهم من صنفه بحسب درجة التكيف الصوتي والصرفي، وقد جاءت مصطلحات الرتب العسكرية الدخيلة على النحو الآتي:
- أميرال:
ضابط عام مكلف في الأسطول (القائد الأعلى للأسطول)، والكلمة مأخوذة من الفرنسية Amiral Commander المأخوذة من اللاتينية Admirallus، وقد أخذتها اللاتينية من العربية: أمير البحر (The lexicon Webster dictionary, vol.1, p14)، وحذفت منه كلمة (بحر)، والجدير بالذكر أن هذه الكلمة أثناء رحلة تطورها اللغوي مرت بتحريف فونيمي؛ فقد أدرج الصامت (D) في بنيتها؛ إيهاما بأنها مشتقة من الفعل اللاتيني (Admirare) بمعنى: جدير بالإعجاب ،وهذه ظاهرة تنشأ، غالبا، حين يحاول متحدثو لغة ما تفسير لفظ دخيل بصرفه إلى أصل معروف في لغتهم(فانيا مبادي، الدخيل في اللغة العربية،ص17) كما تعرضت الكلمة إلى ضرب من التكثيف الدلالي بانتقالها هيئتها من التركيب الإضافي (أمير البحر) الدال على الوظيفة والاختصاص، إلى وحدة مفردة دالة على الرتبة العسكرية.
- چنرال:
ضابط عام مكلف بالجيش بالقوة الجوية أو الفيلق البحري تكون رتبته أعلى من ملازمٍ أول، وإشارته أربع نجومٍ، يكشف هذا المصطلح عن مسار اشتقاقي متعدد المراحل ؛فجذره اللاتيني genus يفيد معنى(النوع) أو (الجنس) والكلمة مأخوذة من الفرنسية القديمة generalis بمعنى عام أو شامل، ثم انتقلت إلى الاستعمال العسكري general. الذي قصرها على قائد الجيش الأعلى The lexicon Webster dictionary, vol.1, p404) (فقد انتقلت اللفظة من الدلالة العامة إلى دلالة اصطلاحية محدودة،وهذا يعد من مظاهر التطور الدلالي الشائعة في المصطلحات العسكرية.
وتجدر الإشارة إلى أن العربية بوصفها اللغة المضيفة قد احتفظت بالشكل الفرنسي القديم للكلمة مع مواءمات فونولوجية جعلت الكلمة منسجمة مع القوانين الصوتية للعربية.
- الكولونيل:
يمثل هذا المصطلح نموذجا للاقتراض الذي يسير عبر مراحل أوربية متتابعة قبل أن يستقر في العربية بمعنى الطابور أو العمود العسكري.
فهو رتبة في الجيش أعلى من ملازمٍ أول وأدنى من عميدٍ، والكلمة، مأخوذة من الفرنسية القديمة: (Colonnel وفى الفرنسية الحديثة (Colonel، وفي الإيطالية القديمة(Colonello)، التي تعني طابور. (The lexicon Webster dictionary, vol.1, p198) فالعلاقة بين الصيغة الأصلية والدلالة الراهنة علاقة مجازية؛ فالكولونيل بدأ قائدا للطابور بمفهومه الحركي المادي، ثم تجردت الكلمة من هذا الارتباط المادي وصارت تحيل إلى الرتبة العسكرية الرسمية.
- المارشال:
يعكس هذا المصطلح مظهرا من مظاهر التطور الدلالي يعرف بـ(الرقي الدلالي)؛ ويطلق على الضابط العام، وهو أعلى رتبةٍ عسكريةٍ وعربيه (المشير) المشتق من الفعل (أشار) والكلمة من الفرنسية القديمة (Mareschal وهي في الفرنسية (Marechal). وهي مأخوذة من لاتينية العصور الوسطى (Marescalcus. وهي في الأصل من أصلٍ ألمانيٍ قديمٍ (Marahscalh)، وتعني خادم الإسطبل. وهي مكونة من مقطعين (marah)، وتعنى (horse (حصان) و(scalh)، وتعني (servant) (خادم) The Lexicon Webster Dictionary, vol.1, p. 597. وهذا التطور الدلالي دليل على العلاقة بين اللغة والتاريخ الاجتماعي؛ فالحصان في الحضارات القديمة كان رمز الثروة والقوة، وكان القائم عليه، وإن كان خادما، يحمل مكانة رفيعة؛ إذ كان مسؤولا عن تجهيز الخيول الحربية؛ فارتقت دلالة الكلمة وتعالت تدريجيا؛ حتى باتت اللفظة تحيل إلى أعلى الرتب في الجيش.
- الميچور:
اقتصر التطور اللغوي لهذا المصطلح على مستوى الدلالة التي تحولت من الوصف المطلق إلى الاصطلاح العسكري المقيد؛ فالدلالة الراهنة للكلمة تعني: ضابطا مكلفا في الجيش، في القوات الجوية، أو الفيالق البحرية، وهو رتبة أقل من الكولونيل. والكلمة لاتينية الأصل (Major) ومعناها: الأعظم أو الأوسع أو الأقدم The lexicon Webster dictionary, vol.1 , p575(فقد احتفظت الكلمة بالشكل اللاتيني، نفسه دون تغيير يذكر). ويكشف هذا المصطلح عن ظاهرة التخصيص الدلالي بصورتها الجلية؛ إذ انتقلت الصفة التفضيلية (الأعظم أو الأوسع أو الأقدم) الدالة على صفة عامة إلى دلالة عسكرية محددة؛ فقد انتزعت اللفظة من الاستعمال العام إلى الاستعمال الاصطلاحي المختص.
نخلص مما سبق إلى أن تحليل مصطلحات الرتب العسكرية؛ قد كشف عن جملة من الظواهر اللسانية المشتركة التي تميزها، من أبرزها:
- التعددية المصدرية؛ فقد تعددت اللغات الوسيطة بين اللغة الأصلية ولغتنا العربية؛ فكثير من هذه المصطلحات مرت بلغتين أو ثلاث قبل أن تستقر في العربية؛ مما يعني أن التأصيل المصطلحي لا يكفي معه النظر إلى اللغة الوسيطة فحسب دون تتبع سلسلة الانتقال كاملة.
- المواءمة الصوتية: تخضع المصطلحات الدخيلة لعمليات تكييف صوتية حين دخولها لغتنا العربية؛ فتُستبدل بعض الأصوات الأجنبية بأقرب ما يقابلها من النظام الصوتي العربي.
- التطور الدلالي الاتجاهي: تتباين مسارات التطور الدلالي بين مصطلحات الرتب العسكرية؛ فنجد التخصيص الدلالي في (الأدميرال، الجنرال)، والرقي الدلالي في(المارشال)، وما يشبه العودة إلى الأصل في (الميجور). وهذا التنوع يبرهن على أن التطور الدلالي ظاهرة غير خطية وأن مساراتها تتشكل وفق الظروف الاجتماعية والثقافية المحيطة.
- التوازي بين الدخيل والمكافئ العربي: لم تحل المصطلحات الدخيلة محل مكافئاتها العربية الأصيلة حلولا كليا؛ بل كثيرا ما تسير اللفظتان جنبا إلى جنب؛ مما يفضي أحيانا إلى ما يسمى(الازدواجية المصطلحية).
كما كشف هذا التحليل عن أن هذه المصطلحات لم تكن ألفاظا وافدة فحسب؛ بل هي وثيقة حضارية تثبت تاريخ التلاقي بين الثقافات وقدرة لغتنا على التكيف مع الواقع الاجتماعي المتغير؛ فلغتنا ليست بالضرورة لغة متلقية للمصطلحات الوافدة؛ بل هي، في أحيان كثيرة، المصدر الأول الذي أخذت منه هذه اللغات وردته إليها مرة أخرى، كما رأينا مع مصطلح (الأميرال)، وغيره كثير.
** **
د. صباح صابر أبو شحاتة - أستاذ العلوم اللغوية بجامعة عين شمس، مصر
Sabah.saber@women.asu.edu.eg