منال الحصيني
دائماً ما نربط الحكمة بالعمر وأن من عاش أكثر لدية المزيد من المعرفة.
ولكن أبناءنا اليوم يفاجئوننا بوعي لم نصل إليه إلا بعد سنوات من التجربة.
فهل من الممكن أن يكونوا أكثر نضجاً منا في بعض جوانب الحياة رغم قلة خبرتهم؟
بالتأكيد أبناؤنا يعيشون عالما مختلفا عنا، متسارعا وشكله الانفتاح وسرعة التحول فهم لا يقبلون إجابات موروثة فكثيراً ما يرون أن النجاح غير مشروط بوظيفة مستقرة أو مكانة اجتماعية مرموقة كما كنا نراها من قبل، وكأنهم يعيدون تعريف أشياء كنا نتعامل معها كبديهيات، وربما كحقائق مسلّمة، وكأن لهم طريقتهم المستحدثة التي يرونها تلائم حياتهم.
وهنا نكون بين نوعين من المعرفة، معرفة صنعتها التجربة وأخرى يصنعها التسارع والانفتاح
ففي علاقاتهم الإنسانية نجدهم أكثر قدرة على التعبير عن مشاعرهم ووضع الحدود لما يستنزفها والاعتراف بما يُتعبها وكل تلك الأمور استنزفت أجيال سبقتهم من السنوات لتعلُمها فالتضحية والصمت كانت شعاراً لتلك الأجيال الماضية.
ومع تسارع التحولات نشأ جيل يرى إنجازاتنا الاستثنائية أمراً طبيعياً لا لعدم تقديرهم بما حققناه ولكنه بدأ حياته حيث وصلنا.
ومع ذلك فسرعة المعرفة لا تعني اكتمال الحكمة، وامتلاك المعرفة وسرعة الوصول إليها لا تعني دائماً القدرة على اتخاذ القرارات الصائبة فالتجربة مازالت تعلم الإنسان ما لا تمنحه له وفرة المعلومات.
ولكن ثمّة مشكلة تكمن حينما نعتقد أن التقدم في العمر معيار لصواب الرأي وأن تعاملنا مع اختلاف تفكير أبنائنا نقص في الخبرة دون اعتبارنا لها بأنها فرصة للحوار وتبادل الآراء بين الأجيال فكل جيل حتما سيضيف من وعي الآخر.
فالنضج الحقيقي لا يقاس بالسنوات فقط بل بالقدرة على مراجعة الأفكار وتقبل ما يضيفه الآخرون لمعرفته مهما اختلفت الأعمار..
فالخبرات ليست وحدها التي تتوارثها الأجيال بل تبادل الوعي أيضاً.
لعل أعظم ما نتعلمه من أبنائنا أن التربية علاقة لا تسير في اتجاه واحد.