عبدالرحمن العطوي
في عالم تتزاحم فيه الأزمات وتتسع فيه دوائر القلق وتواجه فيه الشعوب ضغوطاً اقتصادية ومعيشية قاسية تتجلَّى حقيقة الأوطان وتنكشف معادن القيادات فليس أصعب على الإنسان من أن يطحنه غلاء المعيشة وتثقل كاهله الالتزامات اليومية بينما تتسع أمامه المخاوف من مستقبل لا يعرف ما الذي تخبئه أيامه القادمة
لقد أصبحت الأزمات الاقتصادية حديث الشارع في دول عديدة ولم تعد تداعياتها أرقاماً تتداولها التقارير الاقتصادية، بل تحولت إلى معاناة حقيقية تعيشها الأسر في تفاصيل حياتها اليومية وشهدت دول أوروبية احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضغوط على المواطنين في مشهد يكشف أن الاستقرار الاقتصادي ليس ترفاً، بل ركيزة أساسية لأمن المجتمعات وطمأنينة الشعوب.
وفي الشرق الأوسط تزداد المشهدية تعقيداً مع استمرار التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران وما يرتبط بها من مخاطر تهدد أمن المنطقة والملاحة الدولية عبر مضيق هرمز ذلك الشريان البحري الحيوي الذي تتجاوز أهميته حدود المنطقة لتطال أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وتكاليف النقل والسلع في دول العالم
وحين تضطرب الممرات البحرية وتتراجع الثقة في استقرار الأسواق فإن آثار الأزمة لا تقف عند حدود المواجهة العسكرية، بل تمتد إلى موائد الأسر وميزانياتها وقدرة الناس على الوفاء بالتزاماتهم وفي مثل هذه الظروف يدرك العالم أن الحروب لا تكتفي بإشعال الجبهات، بل قد تمتد نيرانها الاقتصادية إلى حياة ملايين البشر ممن لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب تبرز المملكة العربية السعودية بما تمثِّله من ثقل سياسي واقتصادي وبما تنتهجه قيادتها من عناية بالمواطن وحرص على استقرار حياته المعيشية لتؤكد أن قوة الدولة لا تُقاس بما تملكه من إمكانات فحسب، بل بما تقدمه لأبنائها من رعاية وما تتخذه من قرارات تستشعر احتياجاتهم وتتعامل بمسؤولية مع المتغيّرات من حولهم.
ولعل الأوامر الملكية التي صدرت في الخامس والعشرين من أكتوبر عام 2026م بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -أيده الله- بناءً على ما عرضه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- بتقديم إجراءات داعمة للمواطنين تمثِّل صورة واضحة لهذا النهج الذي يجعل الإنسان في صميم الاهتمام ويضع التخفيف من الأعباء المعيشية ضمن أولويات القرار.
فقد تضمنت الإجراءات زيادة بدل شهري بمبلغ خمسمائة ريال للموظفين المدنيين والعسكريين المشمولين بالقرار والمتقاعدين وأفراد عائلة المشترك أو المتقاعد المتوفى الخاضعين لنظام التأمينات الاجتماعية إلى جانب دعم شهري بمبلغ خمسمائة ريال للأسر المستفيدة من الضمان الاجتماعي وفقاً للآليات والضوابط المنظمة لذلك وذلك للإسهام في تخفيف الأثر المترتب على تعديل تعرفتي الكهرباء والمياه المقرر بدء تطبيقهما في الأول من يناير عام 2027م كما شملت الإجراءات رفع الحد الأدنى للأجر المحتسب للعامل السعودي كاملاً في نسب التوطين ضمن برنامج نطاقات إلى خمسة آلاف ريال ثم إلى ستة آلاف ريال وفق المدد المحددة للتطبيق.
وهنا تكمن أهمية القرار في دلالته قبل أرقامه وفي رسالته قبل تفاصيله فهو يؤكد أن معالجة المتغيرات الاقتصادية لا تنفصل عن حماية الفئات المستحقة ومساندة الأسر ومراعاة أوضاع المتقاعدين والموظفين ومن يعتمدون على دخل ثابت في مواجهة متطلبات الحياة المتزايدة.
إن خمسمائة ريال قد تبدو رقماً في حسابات البعض لكنها في حياة أسرة قد تكون عوناً على فاتورة أو احتياج ضروري أو جزءاً من مصروفات الأبناء وهي في حياة متقاعد أفنى سنوات عمره في خدمة وطنه رسالة تقدير ووفاء وفي حياة أسرة مستفيدة من الضمان الاجتماعي مساندة تعينها على مواجهة أعباء المعيشة
وليس من الإنصاف أن ننظر إلى مثل هذه القرارات بمعزل عن توقيتها وظروفها فحين تتصاعد المخاطر الاقتصادية عالمياً وتضطرب أسواق الطاقة والنقل وتواجه الدول تحديات متشابكة تصبح القرارات التي تخفف الأعباء عن المواطنين تعبيراً عن مسؤولية الدولة تجاه مجتمعها ودليلاً على أهمية الاستعداد للمتغيرات وعدم ترك الفئات الأكثر احتياجاً تواجه آثارها وحدها.
كما أن رفع الحد الأدنى للأجر المحتسب في نطاقات يعكس بعداً يتجاوز الدعم المباشر إلى تعزيز قيمة العمل وتحسين مستويات الأجور ودعم استدامة توظيف المواطنين في القطاع الخاص بما يرسخ أن بناء الاستقرار المعيشي لا يتحقق بإجراء واحد، بل بمنظومة متكاملة تساند الأسرة وتدعم العامل وتفتح أمام المواطن فرصا أوسع للمشاركة في التنمية.
وفي وطننا الغالي تتجسد العلاقة بين القيادة والشعب في معان تتجاوز الشعارات إلى المواقف والقرارات حين يشعر المواطن بأن احتياجاته حاضرة في حسابات الدولة وأن ما يواجهه من تحديات يجد من يتعامل معه بمسؤولية وأن استقرار الأسرة السعودية ليس شأناً هامشياً، بل جزء أصيل من استقرار الوطن وقوته
وهذا لا يعني أن المملكة بمنأى عن التأثيرات الاقتصادية العالمية أو أن التحديات لا يمكن أن تطال الأسواق والتكاليف وإنما يعني أن قوة الاقتصاد وحسن إدارة الموارد والسياسات المساندة للمواطن تمثّل عناصر مهمة في تعزيز القدرة على مواجهة المتغيرات وتخفيف آثارها وبناء المرونة التي تحتاجها الدول في زمن الأزمات
إن الأوطان لا تختبر في أوقات الرخاء وحدها، بل تختبر حين تتعقد الظروف وتشتد الضغوط وتصبح القرارات الصعبة ضرورة وتظهر قيمة القيادة التي توازن بين متطلبات التنمية ومسؤوليات الحماية الاجتماعية وتضع مصلحة المواطن ضمن حساباتها
والمملكة العربية السعودية التي تمضي في مسيرة تحولها وتنميتها تدرك أن بناء المستقبل لا يكتمل بالمشروعات الكبرى وحدها، بل يحتاج كذلك إلى أسرة مطمئنة ومواطن يشعر بالأمان المعيشي وعامل يحظى بفرصة عادلة ومتقاعد يجد التقدير بعد سنوات العطاء ومستفيد من الضمان يجد من يسانده في مواجهة احتياجات الحياة.
إن أعظم ما يحتاجه العالم اليوم ليس فقط احتواء الصراعات وتهدئة التوترات وحماية الممرات البحرية، بل استحضار الإنسان في قلب كل قرار لأن الخاسر الأكبر في الأزمات يبقى المواطن الذي يدفع من استقراره واحتياجات أسرته ثمن صراعات لم يخترها،
ومن هنا فإن الرسالة السعودية في دعم المواطن تحمل بعداً اجتماعياً ووطنياً واضحاً مفاده أن قوة الوطن لا تنفصل عن قوة مجتمعه وأن التنمية الحقيقية لا تُقاس بما تشيده الدول من منجزات فحسب، بل بما تصونه من كرامة الإنسان وما تمنحه لأبنائها من فرص وما تبذله لتخفيف أعبائهم وتعزيز استقرارهم.
وحين تضيق الأحوال في دول العالم وتعلو أصوات القلق في الشوارع وتخيم المخاوف على الأسواق تبقى قيمة الوطن في قدرته على حماية تماسك مجتمعه واستشعار احتياجات أبنائه ومواجهة المتغيّرات بعقل الدولة ومسؤولية القيادة.
تلك هي السعودية التي نعتز بها وطناً وقيادةً وشعباً وطن يدرك أن المواطن هو أساس التنمية وغايتها وأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأبقى وأن الالتفات إلى احتياجات الناس في أوقات التحديات ليس منة، بل مسؤولية تتجدد مع كل مرحلة
حفظ الله المملكة العربية السعودية وأدام عليها أمنها واستقرارها وحفظ خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين ووفق قيادتها لكل ما فيه خير الوطن والمواطن وجعل هذه البلاد واحة أمن وطمأنينة ونموذجاً في التلاحم بين القيادة والشعب مهما تبدلت الظروف وتعاظمت التحديات.