صبحي شبانة
لم يعد الشرق الأوسط يقف أمام تصعيد عابر يمكن احتواؤه ببيان سياسي أو مكالمة هاتفية، ولا أمام جولة جديدة من تبادل التهديدات التي اعتادت المنطقة أن تستيقظ عليها ثم تنام على ما يناقضها، فالمشهد الراهن أكثر تعقيدًا وخطورة، لأن الصراع الأميركي الإيراني دخل مرحلة تتداخل فيها حسابات القوة مع ضغوط السياسة، وتتشابك فيها المواجهة العسكرية مع أمن الممرات البحرية وأسواق الطاقة ومستقبل الاستقرار الاستراتيجي في المنطقة، فيما تتراجع المسافة الفاصلة بين التلويح باستخدام القوة والاستعداد لاحتمال استخدامها بالفعل.
إن ما يجري لا يمكن قراءته من خلال التصريحات وحدها، ولا عبر تحركات القطع العسكرية أو الجهود الدبلوماسية المكثفة بمعزل عن سياقها الاستراتيجي الأوسع ، وإنما من خلال اجتماع هذه العناصر في لحظة واحدة، حيث تحاول واشنطن انتزاع تنازلات استراتيجية من طهران، بينما تسعى الأخيرة إلى الحفاظ على ما تبقى من أوراق قوتها، وإثبات أن الضغط العسكري لن يحولها إلى طرف يقبل الشروط المفروضة عليه من دون مقابل، وبين الإرادتين تقف منطقة بأكملها أمام احتمالات لا تتوقف آثارها عند حدود إيران أو الولايات المتحدة، بل تمتد إلى الخليج العربي، والممرات البحرية، والاقتصاد العالمي، وموازين الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
لقد تجاوزت المواجهة مرحلة اختبار النيات، لكنها لم تبلغ بالضرورة نقطة اللاعودة، وهذه هي المفارقة التي ينبغي إدراكها جيدًا، فكلما ارتفعت كلفة التراجع السياسي أمام الطرفين، ازدادت أهمية البحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه ويمنع الانزلاق إلى حرب أوسع، وكلما تعقدت المفاوضات، بدا الخيار العسكري أكثر حضورًا في الحسابات، لا بوصفه غاية مستقلة بالضرورة، وإنما باعتباره أداة ضغط يراد منها تغيير شروط التفاوض وفرض معادلة جديدة على الأرض. واشنطن، في عهد الرئيس دونالد ترامب، لا تبدو مستعدة للعودة إلى سياسة الاحتواء التقليدي التي تسمح بإدارة الخلاف مع طهران من دون حسم القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها البرنامج النووي، والقدرات الصاروخية، والتهديدات التي تطال الملاحة الدولية، ودور القوى المسلحة المرتبطة بإيران في الإقليم، وهي تريد في المقابل أن تثبت أن امتلاك أدوات الردع لا يمنح أي دولة حق فرض إرادتها على الممرات الدولية أو تحويل أمن التجارة العالمية إلى ورقة مساومة سياسية.
غير أن الرغبة الأميركية في فرض معادلة جديدة لا تعني أن الحرب ستكون بالضرورة الخيار الأول أو الأخير، فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع بمفردها إنتاج تسوية سياسية مستقرة، ولا يمكن للقصف أن يحسم جميع الأسئلة المتعلقة بمستقبل البرنامج النووي الإيراني أو طبيعة النظام السياسي في طهران أو حدود نفوذها الإقليمي، وقد تستطيع الضربات إضعاف قدرات عسكرية محددة، لكنها لا تضمن أن تتحول نتائجها تلقائيًا إلى اتفاق دائم، ولا أن تتوقف إيران عن البحث عن وسائل جديدة لاستعادة ما فقدته.
إن السؤال الأكثر أهمية لم يعد متعلقًا فقط بإمكان تجدد الضربات الأميركية، وإنما بطبيعة الهدف الذي تسعى واشنطن إلى تحقيقه، وبالحد الذي تعتبر عنده أن الضغط قد حقق غايته، وبالكلفة التي ستكون مستعدة لتحملها إذا لم تستجب طهران للمطالب المطروحة، فهناك فارق جوهري بين عملية عسكرية محدودة تستهدف ردع الهجمات على الملاحة وإضعاف قدرات عسكرية بعينها، وبين حملة واسعة تسعى إلى تدمير البنية التحتية الاستراتيجية وإعادة تشكيل ميزان القوة الإقليمي، ولكل من المسارين حساباته ومخاطره وعواقبه التي يصعب التحكم فيها بالكامل.
وفي المقابل، تواجه إيران معادلة لا تقل صعوبة، فالمواجهة الممتدة تستنزف الموارد والقدرات، وتفرض ضغوطًا على الاقتصاد، وتضع القيادة الإيرانية أمام اختبار القدرة على المحافظة على الردع من دون استدعاء ضربات أشد، كما أن تكرار الاشتباكات لا يمنح طهران بالضرورة مكاسب استراتيجية، بل قد يؤدي إلى تضييق خياراتها وتوسيع دائرة خصومها، خصوصًا إذا انتقلت المواجهة من استهداف المواقع العسكرية إلى تهديد السفن التجارية أو البنية التحتية للطاقة أو مصالح الدول المجاورة، لكن الاستنزاف لا يعني بالضرورة الانهيار، كما أن تراجع بعض القدرات لا يعني فقدان القدرة على الرد، فالدول التي تخوض صراعات طويلة قد تعيد توزيع أدواتها، وتغير أساليبها، وتنتقل من المواجهة المباشرة إلى أنماط أخرى من الضغط، وهو ما يجعل الرهان على حسم سريع ونهائي رهانًا محفوفًا بالمخاطر، ويؤكد أن أي تقدير جاد للموقف ينبغي أن يضع في حساباته قدرة الطرف المقابل على التكيف، لا حجم الضربات التي تلقاها فحسب.
وتبرز في هذا السياق معضلة مضيق هرمز، الذي تحول من ممر بحري بالغ الأهمية إلى إحدى أكثر نقاط الاشتباك حساسية في الصراع، فالمضيق ليس مجرد مساحة جغرافية ضيقة تفصل بين ضفتين، وإنما شريان رئيسي للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة، وأي اضطراب واسع في حركة الملاحة عبره لا يبقى شأنًا إقليميًا، بل ينتقل أثره سريعًا إلى أسعار النفط والغاز، وتكاليف النقل والتأمين، وسلاسل الإمداد، وارتفاع معدلات التضخم، والاقتصادات التي تعتمد على استقرار تدفق الطاقة، لقد أثبتت التطورات أن استخدام الملاحة الدولية أداة للضغط قد يمنح صاحبه تأثيرًا آنيًا، لكنه قد يتحول مع استمرار الأزمة إلى عبء استراتيجي عليه، لأن تعطيل الممرات لا يثير قلق المستهلكين والأسواق وحدهم، بل يدفع القوى الدولية إلى تعزيز حضورها البحري، وتكثيف جهودها لحماية السفن، والبحث عن ترتيبات تقلل قدرتها على التعرض للابتزاز، وهكذا قد تنقلب الورقة التي يراد استخدامها لرفع كلفة المواجهة على صاحبها، وتفتح الباب أمام إجراءات تزيد من عزلته وتضيق خياراته.
إن تأمين مضيق هرمز لا يمكن اختزاله في فكرة السيطرة العسكرية أو فرض الأمر الواقع، فالممرات البحرية الدولية لا تحميها القوة وحدها، وإنما تحميها أيضًا القواعد القانونية والتفاهمات السياسية والتنسيق بين الدول المعنية، وأي محاولة لتحويلها إلى ساحة مواجهة مفتوحة قد تجعل تأمينها أكثر صعوبة، وتزيد احتمالات وقوع أخطاء أو حوادث تتسع آثارها إلى ما يتجاوز النيات الأصلية للأطراف المتصارعة، ولهذا فإن حماية حرية الملاحة تظل مصلحة دولية مشتركة لا ينبغي أن تخضع لحسابات طرف واحد، وتزداد حساسية هذه المعادلة بالنسبة إلى دول الخليج العربي، التي لا تنظر إلى الأزمة من زاوية التنافس بين واشنطن وطهران وحده، بل من زاوية ما يمكن أن تتركه من آثار مباشرة على أمنها الوطني، واستقرار مجتمعاتها، ومنشآتها الحيوية، ومصالحها الاقتصادية، ومكانتها في النظام الإقليمي والدولي، فهذه الدول ليست بعيدة عن خطوط النار، ولا تستطيع أن تتعامل مع احتمالات اتساع المواجهة باعتبارها تطورات خارجية لا تعنيها، لكنها في الوقت ذاته لا تملك مصلحة في حرب طويلة تستنزف المنطقة وتبدد ما تحقق من فرص للتنمية والتعاون.
لذلك تأتي الأولوية الخليجية في منع انتقال الصراع إلى أراضي دول المنطقة، والحيلولة دون استهداف المنشآت المدنية أو البنية التحتية للطاقة، والحفاظ على حرية الملاحة، ومنع استخدام أراضي الدول أو أجوائها أو مياهها في عمليات توسع دائرة الحرب، مع الاحتفاظ بحقها المشروع في حماية أمنها ومصالحها، وهذه معادلة دقيقة تتطلب يقظة دفاعية، وتنسيقًا سياسيًا، واتصالات مستمرة مع القوى الدولية والإقليمية، من دون أن تتحول الحيطة إلى مشاركة في التصعيد، أو يتحول الحرص على التهدئة إلى تنازل عن مقتضيات الأمن الوطني ، وفي قلب هذه المعادلة تبرز المملكة بوصفها دولة تدرك أن أمن الخليج لا ينفصل عن أمن المنطقة العربية، وأن حماية الاستقرار ليست شعارًا دبلوماسيًا، وإنما ضرورة استراتيجية ترتبط بالتنمية والاقتصاد ومصالح الشعوب، فالمملكة بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي ومكانة إقليمية ودولية، معنية بمنع اتساع المواجهة، والحفاظ على أمن الطاقة والممرات البحرية، وتغليب الحلول السياسية التي تحول دون دفع المنطقة إلى صراع جديد لا يمكن التنبؤ بنهاياته.
ولا تنبع أهمية الدور السعودي من الرغبة في تخفيف حدة التوتر فحسب، بل من إدراك طبيعة الترابط بين أزمات المنطقة، فالحرب إذا اتسعت لن تبقى محصورة في جبهة واحدة، واضطراب الملاحة لن يقتصر أثره على دولة بعينها، وارتفاع كلفة الطاقة والنقل والتأمين لن يتوقف عند حدود الخليج، بل سيمتد إلى الاقتصادات العالمية، بما فيها الاقتصادات العربية التي تحتاج إلى بيئة مستقرة لمواصلة برامج التنمية وتنويع مصادر الدخل وجذب الاستثمارات، لذلك فإن التحرك الدبلوماسي السعودي يكتسب أهميته من قدرته على الجمع بين حماية المصالح الوطنية، وتعزيز التنسيق مع الحلفاء، ودعم المساعي الرامية إلى خفض التصعيد، والتأكيد أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يقوم على إخضاع طرف أو إطلاق يد طرف آخر، بل على ترتيبات أمنية وسياسية أكثر توازنًا، تحترم سيادة الدول، وتمنع التدخل في شؤونها، وتضع أمن الممرات البحرية والمنشآت المدنية خارج دائرة الابتزاز والمغامرة.
أما إسرائيل، فإنها تتابع تطورات المواجهة من منظور مختلف، يرتبط بإضعاف القدرات الإيرانية وتقليص ما تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها، وقد ترى في أي تراجع للقدرات العسكرية الإيرانية فرصة لتحسين موقعها الاستراتيجي، غير أن حسابات المكسب العسكري المباشر لا تكفي وحدها لتقدير النتائج النهائية، لأن اتساع الحرب قد يفتح جبهات متعددة، ويضع المنطقة أمام احتمالات ردود متبادلة يصعب ضبطها، كما أن إضعاف خصم لا يعني بالضرورة إنهاء التهديد الذي يمثله، ولا يضمن نشوء بيئة إقليمية أكثر استقرارًا، إن أخطر ما في هذه المرحلة هو الاعتقاد بأن الضربة العسكرية، إذا وقعت، ستكون عملية محدودة يمكن التحكم في بدايتها ونهايتها، فالحروب لا تسير دائمًا وفق الخطط التي وضعت لها، وقد يبدأ الاشتباك بهدف معلن ومحدد، ثم تتوالى الردود فتتغير الأهداف وتتسع الجبهات، وتدخل أطراف أخرى على خط المواجهة، وتصبح كلفة وقف القتال أكبر من كلفة اتخاذ القرار الأول بإشعاله، ولهذا فإن الحديث عن حملة جوية قصيرة أو أهداف عسكرية منتقاة ينبغي أن يظل في إطار السيناريوهات المحتملة، لا التنبؤات القطعية التي تتعامل مع المستقبل وكأنه جدول عمليات معلن.
وتزداد أهمية هذا التحفظ في ظل الانتخابات النصفية الأميركية، المقررة في الثالث من نوفمبر، وما تفرضه من اعتبارات داخلية على الإدارة الأميركية، فالحروب لا تُدار بمعزل عن السياسة الداخلية، والرؤساء يوازنون بين حسابات الردع ومخاطر التورط العسكري، وبين ما قد يحققونه في الخارج وما قد يترتب عليه في الداخل من ارتفاع تكاليف الطاقة، أو تراجع الثقة الشعبية، أو خسارة الدعم السياسي، لكن هذه الاعتبارات لا تقود بالضرورة إلى نتيجة واحدة، إذ قد تدفع نحو تأجيل العمل العسكري، وقد تُستخدم لتبرير موقف أكثر تشددًا، بحسب تقدير الإدارة لميزان المكاسب والخسائر.
ومع ذلك، فإن ربط توقيت أي مواجهة محتملة بموعد انتخابي وحده يظل تبسيطًا لمشهد بالغ التعقيد، فهناك اعتبارات عسكرية تتصل بالجاهزية والقدرات والانتشار، وأخرى استخباراتية تتعلق بتقدير التهديدات، وثالثة دبلوماسية ترتبط بمواقف الحلفاء والوسطاء، فضلًا عن حسابات رد الفعل الإيراني وما قد يترتب عليه من استهداف للمصالح الأميركية أو تهديد للملاحة والمنشآت الحيوية، وكلها عوامل تجعل توقيت القرار العسكري، إن اتُخذ، نتيجة تفاعل متشابك لا يمكن اختزاله في موعد محدد أو قراءة سياسية واحدة.
تكتسب المفاوضات الجارية عبر الوسطاء أهمية لا تقل عن أهمية التحركات العسكرية، لأن وجود قناة تفاوضية مفتوحة يعني أن الأطراف، رغم حدة خطابها واستعداداتها، لم تغلق بالضرورة باب التسوية، وقد تكون المفاوضات وسيلة لاختبار النيات وتبادل الرسائل، أو محاولة للوصول إلى تفاهم مؤقت يوقف الهجمات ويعيد فتح الممرات البحرية، لكنها قد تمثل أيضًا فرصة أوسع لمعالجة الملفات التي تغذي الصراع، إذا توافرت الإرادة السياسية والضمانات المتبادلة، ولا ينبغي التقليل من صعوبة الوصول إلى اتفاق، فالفجوة بين واشنطن وطهران لا تتعلق بتفصيل فني واحد، وإنما بمجموعة من القضايا المتشابكة، من مستقبل البرنامج النووي ومستويات التخصيب والرقابة الدولية، إلى العقوبات وضمانات رفعها، وحرية الملاحة، والقدرات العسكرية، وحدود النفوذ الإقليمي، كما أن كل طرف يخشى أن يؤدي تقديم تنازلات واسعة إلى إضعاف موقفه الداخلي أو إظهار تراجعه أمام خصومه، ولذلك فإن التسوية، إذا تحققت، لن تكون ثمرة الثقة وحدها، بل نتيجة حسابات دقيقة تجعل كلفة استمرار المواجهة أعلى من كلفة التوصل إلى تفاهم، لكن المفاوضات لا تكتسب قيمتها من استمرارها الشكلي، وإنما من قدرتها على تحويل وقف التصعيد إلى مسار قابل للاستمرار، فالهدنة التي لا تعالج أسباب الصراع قد تمنح الأطراف وقتًا لإعادة ترتيب صفوفها قبل جولة أخرى، والاتفاق الذي يكتفي بتجميد أزمة من دون وضع آليات للتحقق والتنفيذ سيظل عرضة للانهيار عند أول اختبار، أما التسوية الأكثر جدية فهي التي تجمع بين الالتزامات الواضحة، والرقابة الفاعلة، وضمانات عدم الاعتداء، وترتيبات تحمي الملاحة الدولية، وتفتح المجال أمام معالجة أوسع لمصادر التوتر في المنطقة.
و يتعين على المجتمع الدولي ألا يكتفي بمراقبة حركة الصواريخ والطائرات والسفن، بل أن يتعامل مع الأزمة باعتبارها اختبارًا لقدرة النظام الدولي على حماية القواعد التي تمنع تحويل الممرات البحرية إلى أدوات صراع، وتمنع استهداف المدنيين والبنية التحتية الحيوية، وتؤكد أن أمن الدول لا يمكن أن يتحقق من خلال تعريض أمن الآخرين للخطر، كما أن المسؤولية لا تقع على طرف واحد دون غيره، بل تتطلب من جميع الأطراف ضبط النفس، والابتعاد عن الخطوات التي تجعل التراجع مستحيلًا، والقبول بأن الحل المستدام لا يصنعه التفوق العسكري وحده، إن المنطقة لا تحتاج إلى انتصار تكتيكي يترك خلفه أسباب حرب أكبر، ولا إلى تسوية مؤقتة تسمح بتجدد الأزمة بعد أسابيع أو أشهر، بل تحتاج إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الأمن المشترك، وإلى إدراك أن استقرار الخليج لا يمكن فصله عن استقرار الشرق الأوسط، وأن أمن الطاقة والملاحة ليس امتيازًا تمنحه دولة لأخرى، وإنما مصلحة تتعلق بحياة الاقتصاد العالمي واستقرار المجتمعات، وأن منع الحرب، حين يكون ممكنًا، ليس علامة ضعف، بل دليل على النضج الاستراتيجي والقدرة على قراءة العواقب قبل أن تتحول إلى واقع، وقد تكون الأيام المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه الأزمة، لكنها لن تمنح بالضرورة إجابات نهائية عن مستقبل الصراع، فاحتمال تجدد الضربات يظل قائمًا، كما تظل نافذة التفاوض مفتوحة ما دامت الاتصالات مستمرة، وبين هذين المسارين تتحدد مسؤولية العواصم المعنية في منع الحسابات الخاطئة من إشعال مواجهة تتجاوز حدودها، وفي حماية المصالح الحيوية من أن تصبح رهينة لقرارات متسرعة أو رهانات على أن الطرف الآخر لن يرد.
إن التاريخ لا يكتب فصوله وفق رغبات السياسيين وحدهم، ولا يستجيب دائمًا لتقديرات العسكريين، بل كثيرًا ما يصنع مفاجآته من المسافة الصغيرة بين قرار محسوب ونتيجة غير محسوبة، ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه المنطقة هو الاطمئنان إلى أن الحرب، إن بدأت، ستظل محدودة، أو الاعتقاد بأن الردع يعني القدرة على التحكم الكامل في مسار التصعيد، فالقوة قد تفرض الصمت لبعض الوقت، لكنها لا تنتج السلام تلقائيًا، والضغط قد يدفع إلى التفاوض، لكنه قد يدفع أيضًا إلى رد فعل أشد إذا أُسيء تقدير حدوده، وبين واشنطن التي تريد فرض شروطها، وطهران التي تسعى إلى الحفاظ على أوراقها، تقف المنطقة أمام اختبار يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، اختبار لقدرة دولها على حماية أمنها، وصيانة مصالح شعوبها، ومنع الصراع من التحول إلى حرب مفتوحة تستنزف الجميع، وفي مقدمة ذلك تبرز أهمية التحرك الدبلوماسي المسؤول، والتنسيق الإقليمي، والتمسك بحرية الملاحة وسيادة الدول، والعمل على إبقاء باب التسوية مفتوحًا مهما ارتفعت نبرة التهديد.
اللحظة الراهنة ليست لحظة انتظار سلبي، كما أنها ليست دعوة إلى الاستسلام لمنطق الحرب، وإنما لحظة استعداد واعٍ لكل الاحتمالات، واستثمار كل فرصة لتجنب الأسوأ، فالدول الحكيمة لا تقرأ إشارات الخطر لكي تتنبأ بالحرب فقط، بل لكي تمنع وقوعها، ولا تقيس قوتها بقدرتها على الدخول في المواجهة فحسب، بل بقدرتها على حماية مصالحها وتجنب كلفتها حين يكون ذلك ممكنًا، وفي هذا الفارق تحديدًا يتحدد مستقبل المنطقة، إما أن تتحول الأزمة إلى بوابة لتسوية أكثر استقرارًا، وإما أن تفتح الطريق أمام جولة جديدة من الصراع يدفع الجميع ثمنها.
إن الإشارة الأوضح في المشهد ليست أن الحرب أصبحت حتمية، بل أن كلفة الخطأ ارتفعت إلى مستوى لا يسمح بالمغامرة، وأن كل يوم يمر من دون تسوية لا يعني بالضرورة اقتراب الضربة العسكرية، لكنه يزيد الحاجة إلى الدبلوماسية واليقظة والاستعداد، فالشرق الأوسط لا يحتمل حربًا أخرى مفتوحة النهايات، والخليج لا يحتاج إلى اختبار جديد لأمنه واستقراره، والعالم ليس في حاجة إلى أزمة طاقة وملاحة جديدة، ولذلك فإن الرهان الأجدى ليس على من يوجه الضربة أولًا، بل على من يمتلك الحكمة والشجاعة السياسية لمنع الضربة من أن تتحول إلى بداية حرب لا يعرف أحد أين تنتهي.