علي حسن حسون
يومياً، نقضي ساعات طويلة في استخدام هواتفنا، نتنقل بسرعة بين مقطع ساخر وخبر عاجل ومحتوى عابر، ونقفز من موضوع إلى آخر دون أن نشعر بمرور الوقت. نغرق بين ما يضحكنا وما يحزننا، وبين ما يثير فضولنا وما لا يعنينا، حتى ينتهي اليوم ونكتشف أننا أمضينا ساعات طويلة أمام الشاشات، دون أن نتذكر فعلياً ماذا شاهدنا أو ماذا استفدنا.
والسؤال الأهم: هل نحن فعلاً نعيش حالة من التعفن الدماغي؟
في الحقيقة، أصبح هذا المصطلح متداولاً بكثرة في الآونة الأخيرة، وبدأت التحذيرات تتزايد بشأن تأثير الاستهلاك المفرط للمحتوى الرقمي السطحي على قدرات الإنسان الذهنية. وهذا ما دفعني إلى البحث عن ماهية هذا المصطلح، وهل نحن أمام حالة تستحق القلق، أم مجرد تعبير جديد أُضيف إلى قاموس المصطلحات التي تفرزها حياتنا الحديثة؟
في الوهلة الأولى، عندما سمعت بهذا المصطلح، اعتبرته نوعاً من السخرية؛ إذ ظننت أنه وصف جديد لبعض الأفكار الفارغة التي يطلقها البعض بلا منطق أو هدف، لمجرد الحديث وإضاعة الوقت فنحن اعتدنا أن نلتقي بأشخاص يوصفون بالثرثرة وكثرة الكلام، سواء في المجالس أو حتى في أوقات الدوام، ولدى أهل المدينة مثل شعبي يُقال في مثل هذه المواقف: «هذا الشخص ما عليك منه، يخرّط وينظّم»، أي أن حديثه لا يحمل فائدة تُذكر، وإنما هو مجرد كلام لا أكثر.
لكن بعد البحث، اكتشفت أن التعفن الدماغي، ليس مجرد وصف ساخر للأشخاص كثيري الكلام، بل مصطلح يُستخدم لوصف حالة من التدهور المفترض في التركيز والقدرات الذهنية، ترتبط بالاستهلاك المفرط للمحتوى الرقمي السطحي، خصوصاً المقاطع القصيرة والمتكررة التي لا تتطلب جهداً ذهنياً أو تركيزاً كبيراً، وتقدم للمتلقي جرعات متلاحقة من التسلية والمعلومات العابرة.
وبطبيعة الحال، لا يعني ذلك أن هناك مرضاً طبياً جديداً اسمه التعفن الدماغي، أو أن مشاهدة المقاطع القصيرة تؤدي بالضرورة إلى تلف الدماغ، وإنما تكمن المشكلة في العادات التي نكتسبها مع الوقت، حين نعتاد على متابعة المقاطع القصيرة، ونفقد تدريجياً صبرنا على القراءة الطويلة أو التفكير المتعمق أو متابعة فكرة واحدة حتى نهايتها.
وهنا سؤال آخر لك عزيزي القارئ: كم شخصاً من حولك تنطبق يعاني من التعفن الدماغي؟ والأهم من ذلك، هل فكرت يوماً أنك قد تكون واحداً منهم؟
الحقيقة أننا جميعاً معرضون للوقوع في هذه الحالة، لكن استعادة التركيز ليست أمراً مستحيلاً، ولا تتطلب قرارات معقدة بقدر ما تحتاج إلى بعض التغييرات البسيطة في عاداتنا اليومية، فالبداية تكون بتقليل الوقت الذي نقضيه في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، والحد من متابعة المقاطع القصيرة، وتخصيص جزء من هذا الوقت لقراءة الكتب والمقالات، وممارسة الرياضة، والتأمل والتفكير بعيداً عن الشاشات، فضلاً عن استعادة شغف التعلم واكتساب مهارات جديدة. فالعقل، كغيره من القدرات، يحتاج إلى التدريب والممارسة حتى يحافظ على نشاطه وحيويته.
كما يمكننا استعادة متعة التعلم من خلال اكتساب لغة جديدة أو مهارة مختلفة، أو ممارسة الألعاب التي تختبر قدراتنا الذهنية، مثل الألغاز الرياضية وألعاب ترتيب الصور، بل وحتى الألعاب الجماعية التي تجمع بين المتعة والتفكير والتفاعل مع الآخرين.
في النهاية، ليس كل من يشاهد المقاطع القصيرة يعاني من التعفن الدماغي، وليس كل من يبتعد عن الهواتف أكثر ذكاءً من غيره فالمسألة لا تتعلق بوجود الهاتف في أيدينا بقدر ما تتعلق بنوعية المحتوى الذي نستهلكه، وقدرتنا على التركيز والتفكير، وما إذا كنا نستخدم عقولنا فعلاً، أم اكتفينا بتمرير الشاشة من مقطع إلى آخر.