م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
1. تتردد أقوال شتى حول من يكتب التاريخ، فهناك من يقول إن التاريخ يكتبه المنتصر، وآخرون يرون أن التاريخ يكتبه المؤرِّخ لا المنتصر، ويرى آخرون أن من يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي أيضاً، فهو الذي يعيد كتابة التاريخ كما فعل الفراعنة مثلاً.. الثابت أن التاريخ كما يقول الفرنسيون هو أخطر محصول تُنْتجه كيمياء الفكر، أو توجيه السُّلْطة، أو أهواء المصلحة، أو غايات الآيديولوجيا.. مما يجعل كثيرين يرون أن التاريخ ما هو سوى أكاذيب لأحداث لم تحدث رواها أشخاص لم يعاصروها!
2. الحقيقة أن الذي يكتب التاريخ هم المفكرون والمثقفون والقادة المنتصرون، أما حطب الوقود في صناعته فهم الناس أفراداً وجماعات.. ولا يعني هذا أن الحركات الاجتماعية تتحرك بمنأىً عن الفكر أو القادة، فالممارسات وسلوكيات أفراد المجتمع هي استجابة لرؤية قد نضجت في عقول مفكريه وقادته، وهدف قد اتضح أمام أعين مثقفيه والنخب من أفراده.
3. لا شك أن الدراسات التاريخية لا تخلو من تحيز وبالذات فيما يتعلَّق بكل ماله صلة بالمناورات السياسة أو الحروب العسكرية مهما كان المؤرخ باحثاً عن الحقيقة.. أما ما يمس حركة المجتمعات العلمية أو الاقتصادية أو الثقافية وخلافه فهي أمور تقع تحت تأثير سعة اطلاع الباحث وموضوعيته ومعرفته بواقع المجال الذي يبحث فيه، مع أنه في واقع الأمر سوف يكون ضحية دارسي التاريخ السابقين له.
4. في الحياة لا توجد حقيقة مطلقة، فكلما تقدمت بنا الحياة تقدمت بنا المعرفة، وكلما تقدم العلم تجاوزنا ما حققناه فيه سابقاً.. لهذا لا يوجد شيء أو موضوع في الحياة قُتِل بحثاً، ومن ذلك التاريخ، فهو الموضوع الذي تم تبريره وتوظيفه وتأويله وتبديله وتوجيهه بما يتماشى مع السياسة أو الآيديولوجيا المتحكمة في حينه.. من هنا يرى دارسو التاريخ أن المنهج العلمي لدراسة التاريخ هو حالة من المقاربات والتجميع للذاكرة وكتابات المؤرِّخين السابقين المحكومين بالاتجاه السائد في وقته في محاولة لفهم ما وقع حقيقة.. وهذا صعب جداً إن لم يكن مستحيلاً.. لذلك يقوم بعض المؤرِّخين بسد الفراغات من خلال التأويل والاستقراء.. وهذا يجعل من ادعاء الموضوعية في التاريخ ادعاءً زائفاً.. فليس في التاريخ موضوعية مطلقة.
5. هنا تبرز أهمية مناهج البحث العلمي للتاريخ، فالتاريخ يقوم على الحركة والتراكم، ومن النتائج تتوالد النتائج التي بدورها تلد نتائج أخرى وهكذا.. وبدراسة التاريخ يتم دراسة حركة المجتمع وتطوره، ومن نتائجه تظهر هوية ذلك المجتمع وكيف تأسست وإلى أين وصلت.. كما أن التاريخ لا يتوقف ولا يتحول فجأة لأنه نتيجة فعل متراكم، وكل حركة ما هي سوى امتداد لحركة سبقتها ونتيجة لها، كما أنها مرتبطة بحركة التاريخ التي ستتلوها، فالمستقبل هو حصاد الماضي، وحركة التاريخ كحركة المجتمع لا تتوقف ولا تنقطع.. لذلك مهما تم تزوير التاريخ أو تأويله والانتقاء منه فلا بد من فحصه وتعريضه لمناهج البحث العلمي لإظهار الحقيقة إذا كنا نريد دراسة حراك المجتمع دراسة صحيحة.