ناصر بن فريوان الشراري
حين تُصان صحة الإنسان، ويُؤمَّن غذاؤه ودواؤه وفق أرفع درجات السلامة وأدقّها، فإننا نكون حينها أمام منظومة وطنية متكاملة تعمل برؤية ثاقبة وإستراتيجية صلبة، لا تعرف الارتجال ولا ترضى بالحلول الوسط، وفي قلب هذه المنظومة تبرز الهيئة العامة للغذاء والدواء حصنًا غذائيًا ودوائيًا منيعًا، يجسّد بجلاء حرص القيادة الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله-، على جعل سلامة المواطن والمقيم أولوية قصوى، ومستهدفًا رئيسًا من مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ولا يقف دور الهيئة عند حدود الرقابة الميدانية داخل السوق المحلي، بل امتد أثرها لترسيخ موقع المملكة في صدارة الأجهزة التنظيمية على مستوى العالم، عبر استباق الأحداث، واعتماد المستحضرات والتقنيات الطبية الحديثة بالتوازي مع كبرى المنظمات الدولية، حتى غدت نموذجًا يُحتذى في اليقظة التنظيمية والجاهزية العلمية.
وتترجم الإنجازات المتتالية للهيئة قدرتها التنفيذية العالية في حماية المجتمع وتمكين الابتكار، ومن أبرز هذه الشواهد اعتماد تسجيل مستحضر «زينبكسوس» (إيبردوميد) لعلاج حالات الورم النقوي المتعدد الناكس أو المقاوم للعلاج، وإصدار إذن التسويق لأجهزة طبية مبتكرة تتيح الرصد المستمر لمستويات الجلوكوز والكيتون، لتكون الهيئة بذلك في طليعة الجهات الرقابية العالمية التي أتاحت هذه العلاجات والتقنيات لمرضاها.
ويكتمل هذا التوجه بإطلاق برنامج «نادر» للأمراض النادرة، الذي يستهدف تسريع وصول المرضى إلى العلاجات الواعدة، وتمكين الباحثين والمبتكرين من تطوير حلول علاجية موجّهة لخدمة مرضى الأمراض النادرة، ورسم مسارات تنظيمية أكثر مرونة وكفاءة، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام هذه الفئة، ويعزز فرص الاستفادة من التقدم العلمي في تطوير علاجات تلبي احتياجاتها.
ومن أحدث الشواهد على دعم الهيئة للبحث والابتكار، تدشينها بالشراكة مع المعهد الوطني لأبحاث الصحة خمس مبادرات نوعية في مجال الدراسات السريرية، لتعزيز البيئة التنظيمية والبحثية، ودعم الابتكار، وتسريع تطوير الأدوية والعلاجات الحديثة، وتشمل المبادرات النموذج الاسترشادي لاتفاقية التجارب السريرية، والدليل الاسترشادي لإنشاء وتطوير وحدات التجارب السريرية، والملف التعريفي للمستشفيات ومراكز الأبحاث المتخصصة بالتجارب السريرية، ومسار الاعتمادية التنظيمية في الدراسات السريرية، ومسارًا رائدًا لدعم تسجيل الأدوية البحثية المبتكرة، وهي مبادرات تعزز كفاءة التجارب السريرية، وتهيئ بيئة بحثية وتنظيمية جاذبة، وتدعم وصول أثر البحث من المختبر ومركز الدراسة إلى المريض.
ويتسع أفق التعاون البحثي بين الهيئة العامة للغذاء والدواء والجامعات السعودية، بما يعزز التكامل بين الخبرة التنظيمية والإمكانات الأكاديمية، ويدعم البحث العلمي وتنمية الكفاءات الوطنية، ومن الشواهد على هذا التوجه مذكرة التعاون التي وقعتها الهيئة مع جامعة الجوف، لدعم العمل المشترك وتبادل البيانات والإحصاءات والخبرات العلمية والمهنية، وإجراء البحوث والدراسات المشتركة، وتنفيذ برامج التدريب التعاوني، بما يسهم في توظيف المعرفة والبحث لخدمة الوطن والمجتمع.
وفي مجال الرقابة، تبرز أداة التحقق الذكي من المنتجات «ProVerifier»، التي طُورت بسواعد وطنية داخل معمل الذكاء الاصطناعي التابع للهيئة «SAIL»، لتكون مساعدًا للمفتش في الميدان، إذ تمكّنه من التحقق من نظامية المنتج من صورة واحدة لعبوته أو ملصقه التعريفي، فتستخرج بياناته آليًا وتطابقها مع الأنظمة واللوائح المعتمدة، وتعرض نتيجة استرشادية خلال ثوانٍ، وتستهدف الأداة خفض زمن التحقق من المنتج بنسبة تصل إلى 98%، بزمن استجابة يتراوح بين 6 و20 ثانية، وتنطلق عبر مساري الأدوية والمستحضرات الصحية ومستحضرات التجميل كمرحلة أولية، على أن تشمل لاحقًا المنتجات الغذائية والأجهزة الطبية، بما يرفع كفاءة الرقابة ويعزز سلامة المنتجات الواردة والمتداولة.
ومن شواهد الريادة كذلك إطلاق أول قاعدة بيانات وطنية من نوعها في المملكة لتراكيب الأغذية عبر اللجنة الوطنية للتغذية، ضمن مبادرات برنامج التحول الصحي أحد برامج رؤية السعودية 2030، لتوفير بيانات دقيقة وموثوقة ومحدّثة حول تراكيب الأغذية والأطباق المتداولة والمستهلكة في المملكة، تشمل الطاقة والكربوهيدرات والبروتينات والدهون والفيتامينات والمعادن والألياف، وفق منهجيات علمية ومعايير جودة معتمدة، لتكون مرجعًا وطنيًا يدعم السياسات الغذائية المبنية على الأدلة، ويمكّن البحث العلمي، ويعزز الوعي الغذائي والصحي لدى المجتمع، ويساند قطاع صناعة الأغذية في تطوير منتجاته ورفع قيمتها التغذوية، ويدعم التحول الرقمي بأدوات ومؤشرات لتقييم الأنماط الغذائية والحالة التغذوية.
وتشمل مسؤولية الهيئة حماية المستهلك من المنتجات المغشوشة أو المحتوية على مواد غير معلنة، ومن ذلك رصد مادة «Nortadalafil» في بعض منتجات القهوة والشوكولاتة، والتحذير من مخاطرها، إلى جانب التصدي للإرساليات الغذائية والدوائية والتجميلية والمستلزمات الطبية غير المطابقة للمواصفات قبل ورودها إلى السوق المحلي، بما يجعل الرقابة وقايةً تسبق وصول المنتج إلى المستهلك، وتحميه من مخاطر قد لا يستطيع اكتشافها بنفسه.
ويمثل الامتثال والشفافية التنفيذية ركيزة أساسية في عمل الهيئة، ويتجلى ذلك في تفعيل نظام التتبع الإلكتروني «رصد» بحزم ودون تهاون، إذ أوقعت الهيئة عقوبات مالية تجاوزت 1.5 مليون ريال بحق 17 منشأة دوائية مخالفة خلال أشهر مايو ويونيو ويوليو 2026م، ضمانًا لمأمونية سلاسل الإمداد الدوائية وسلامتها، وتأكيدًا على أن الالتزام بالأنظمة مسؤولية لا تنفصل عن سلامة الدواء الذي يصل إلى المريض.
وتؤكد التحذيرات التي تصدرها الهيئة أن الرقابة تستمر في متابعة المستجدات، ومن ذلك تحذيرها من منتجات «بروتين البودينغ» التابعة للعلامة التجارية الدنماركية «آرلا»، لاحتمالية احتواء بعض المنتجات المتداولة عالميًا على قطع زجاج صغيرة، موضحةً أن التحذير جاء في سياق سحب طوعي احترازي، دون تسجيل أي حالات تضرر حتى الآن، ومتابعة الإجراءات اللازمة لحماية المستهلك.
كما تتجلى مسؤولية الهيئة في حماية المجتمع من تداول العلاجات غير المعتمدة، إذ أكدت أن علاج «ريتاتروتايد» لا يزال قيد التجارب السريرية، ولم يحصل على الموافقات اللازمة لتداوله، مشددة على أهمية التحقق من تسجيل الأدوية وشرائها من مصادر موثوقة، وهي رسالة توعوية مهمة في زمن تتسع فيه الإعلانات الصحية وتتعدد فيه مصادر المعلومات.
وتواكب هذه الجهود توعية صحية تصل إلى احتياجات الناس مباشرة، ومن ذلك التذكير بأهمية فحص الماموجرام للكشف المبكر عن سرطان الثدي، وزيادة فرص نجاح العلاج، والتأكيد على إجراء الفحوصات الدورية، فالتوعية هنا ليست إضافة إلى عمل الهيئة، بل جزء من رسالتها في الوقاية وتعزيز الوعي الصحي لدى الفرد والمجتمع.
وعلى المستوى الدولي، تواصل الهيئة تعزيز حضورها وبناء شراكات تدعم تبادل الخبرات وتحقيق المستهدفات الوطنية، وقد شهد شهر سبتمبر عشرين لقاءً دوليًا تناولت آفاق التعاون، وتعزيز انسيابية الحركة التجارية وسلاسل الإمداد وتوفر المنتجات، وتوسيع الشراكات الإستراتيجية التي تدعم تطوير القطاعات ذات العلاقة، وترسخ حضور المملكة التنظيمي، وتعزز تنافسية منتجاتها ونفاذها إلى الأسواق العالمية.
ولا تنفصل هذه المبادرات عن جسور المعرفة التي تمدها الهيئة مع المجتمع، عبر قنواتها الرقمية وورش العمل المتخصصة، ومنها «يوم الأبحاث التنظيمية»، واستطلاعات قياس الوعي باستخدام المبيدات، تأكيدًا على أن التوعية تمثل خط الدفاع الأول عن صحة الفرد والمجتمع، وأن المعلومة الدقيقة تساعد المستهلك على اتخاذ قراره بوعي وثقة.
ويقف خلف هذا الأداء المتصاعد توجيه دؤوب وإدارة واعية يقودها الرئيس التنفيذي للهيئة الأستاذ الدكتور هشام بن سعد الجضعي، الذي عمل على ترسيخ الحوكمة الرقمية، وتعزيز كفاءة الكوادر الوطنية، وتحويل الهيئة إلى مرجع إقليمي ودولي يُشار إليه بالبنان في مجالات الرقابة والأبحاث التنظيمية، مستندًا في ذلك إلى دعم القيادة الرشيدة، وإلى جهود منسوبي الهيئة في مختلف مواقع المسؤولية.
إن ما تحققه الهيئة العامة للغذاء والدواء اليوم هو ثمرة دعم غير محدود من القيادة الرشيدة، ورسالة تأكيد بليغة على أن السلامة الصحية في المملكة خط أحمر لا يُقبل المساس به، يُبنى بمعايير عالمية ورؤية حكيمة، تحفظ للوطن أمنه الدوائي والغذائي، وتصون لإنسانه صحته وعافيته، وتؤكد أن الريادة لا تتحقق بالشعارات، بل بمنظومة تراقب وتبحث وتبتكر وتحذر، وتضع الإنسان في قلب كل قرار.