منصور بن صالح العُمري
إذا كان إرشاد إنسان إلى طريقه يعدل في الأجر عتق رقبة، فكيف بمن يفتح للآلاف طريقاً، ويزيل عنهم عائقاً، ويختصر عليهم مسافة، ويرفع عنهم مشقة تتكرر مع كل عبور؟!
عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من منح منيحة لبن أو ورق، أو هدى زقاقاً، كان له مثل عتق رقبة». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب.
تأملوا عظمة هذا الجزاء! إنسان ضل طريقه، فدله آخر على وجهته، فكان له بهذا المعروف اليسير مثل أجر عتق رقبة. فإذا كان هذا فضل الدلالة على الطريق، فما أعظم ما يُرجى من فضل الله لمن أسهم في إنشاء طريق، أو تشييد جسر، أو حفر نفق، أو إزالة عائق يعترض مصالح الناس ويضاعف مشقتهم!
إن النفع العام من أجلّ ميادين الإحسان وأوسعها أثراً؛ لأنه لا يقف عند حاجة فرد، ولا ينتهي بانقضاء يوم، بل تتسع دوائره كلما اتسع الانتفاع به. ورب عمل صغير في عين صاحبه عظيم عند الله بإخلاص النية وعموم المنفعة.
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس». رواه مسلم.
فإذا كان رفع شجرة تؤذي المارة سبباً لهذا الفضل العظيم، أفلا يكون في إزالة الاختناقات المرورية، وتيسير الطرق، وتذليل العقبات، باب واسع من أبواب البر والإحسان، نرجو لأهله عظيم الثواب؟
إن ازدحام الطرق ليس مجرد صفوف من المركبات المتوقفة، بل ساعات من أعمار الناس تُستنزف، ومصالح تتعطل، وأموال تُهدر، ومرضى يتأخر وصولهم إلى العلاج، وأسر تنتظر عودة أبنائها، وعاملون يذهب بعض نشاطهم في عناء الطريق قبل أن يبلغوا أعمالهم.
وما أحوجنا إلى أن ننظر إلى معالجة هذه المشكلات بعين الإحسان، لا بعين الخدمات وحدها؛ فالجسر الذي يختصر ساعة من الانتظار على آلاف العابرين لا يوفر وقتاً فحسب، بل يرد إلى الناس جزءاً من أعمارهم، ويخفف عنهم أعباءهم، ويعينهم على قضاء مصالحهم.
ومن هنا أدعو إلى توسيع آفاق العمل الوقفي ليشمل أوقاف الطرق والجسور والأنفاق، وتوسعة المسارات، وإنشاء المعابر، ومعالجة الاختناقات المرورية، وكل مشروع يحقق نفعاً عاماً مستداماً للناس.
ولنا في سلف هذه الأمة أسوة حسنة؛ فقد روى البخاري عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه قال في شأن بئر رومة: «من يحفر بئر رومة فله الجنة»، فحفرتها. وفي هذا شاهد جليل على عناية الإسلام بالمرافق التي ينتفع بها عموم الناس، وأن البذل في مصالحهم من أبواب القربات العظيمة.
وليس المقصود بهذه الدعوة أن تتحمل الأوقاف مسؤولية هي من اختصاص الدولة؛ فدولتنا، بحمد الله، لا تألو جهداً في إنشاء الطرق والجسور والأنفاق وتطوير شبكات النقل، وتبذل في سبيل ذلك موارد ضخمة، وتسعى إلى تحقيق كل ما من شأنه راحة المواطنين والمقيمين وتيسير شؤون حياتهم.
ولكن المشاركة المجتمعية في النفع العام ليست إعفاءً للدولة من واجب، وإنما هي مشاركة في شرف الإحسان، ومضاعفة لثمرات التنمية، وإحياء لروح التكافل التي قام عليها مجتمعنا المسلم.
وكم هو جميل أن يتنافس أهل اليسار في إقامة المشروعات التي تخدم الناس، وأن تتجه بعض أموال الأوقاف إلى ما يحتاج إليه المجتمع من مرافق، وأن تُنشأ صناديق وقفية متخصصة تُستثمر أصولها، وتُصرف عوائدها على مشروعات الطرق والجسور والأنفاق، بالتنسيق مع الجهات المختصة، وفق دراسات تحدد الأولويات وتضمن جودة التنفيذ واستدامة الصيانة.
ولا ينبغي أن يقتصر هذا الباب على كبار الموسرين؛ فكم من مشروع عظيم قام على مساهمات صغيرة اجتمعت حتى صنعت أثراً كبيراً! ومن لم يستطع أن يوقف جسراً كاملاً، فليكن له سهم في إنشائه، ومن لم يقدر على تمويل نفق، فليشارك بما يستطيع في صندوق وقفي يحقق هذا الغرض.
ولأن الوقف عبادة لها أحكامها وضوابطها، فإن الاستئناس برأي أهل العلم المختصين في صوره التنفيذية أمر محمود، حتى تطمئن نفوس الواقفين إلى سلامة أوقافهم، ويُراعى الفرق بين وقف الأصول وصرف ريعها، وبين التبرع المباشر لإنشاء المرافق العامة، مع مراعاة الأنظمة وحقوق الملكية والمصلحة العامة.
إننا بحاجة إلى أن نعيد للنفع العام مكانته في ثقافة البذل، وأن نوسع ميادين الصدقة الجارية، وأن ندرك أن خدمة الإنسان ليست مقصورة على إطعام جائع أو سقاية ظمآن، بل تشمل كذلك رفع المشقة عنه، وتيسير حاجته، وحفظ وقته، وإعانته على مصالح دينه ودنياه.
فما أجمل أن يترك المحسن وراءه طريقاً لا يعرف سالكوه اسمه، وجسراً لا تحمل أعمدته صورته، ونفقاً لا تزين جدرانه عبارات الثناء عليه، ولكن الله يعلم من بذل، ولماذا بذل، وكم من الناس انتفعوا ببذله!
قد يموت الواقف، وتغيب صورته، ويُنسى اسمه بين الناس، ويبقى أثر إحسانه حاضراً في حياتهم، يرجو أن يجري عليه ثوابه ما دام نفعه قائماً.
فيا أهل الخير، لا تحصروا صدقاتكم في أبواب اعتدتموها، فإن حاجات الناس أبواب إلى مرضاة الله، وما أكثرها!
وإذا كانت الدلالة على طريق ضائع باباً من أبواب الأجر العظيم، فإن تيسير الطريق لملايين العابرين باب نرجو أن يكون أوسع نفعاً وأعظم ثواباً.
فطوبى لمن جعل من ماله طريقاً إلى راحة الناس، ورجا أن يجعل الله من إحسانه طريقاً إلى جنته.