د. يحيى جابر
استكمالاً للموضوع نفسه فإن أخطر ما تفعله الدعاية عندما تستهدف الإنسان البسيط أنها لا تقدم له الكذبة باعتبارها كذبة، وإنما تقدمها في صورة شبه حقيقة مكتملة، مستخدمة لغة سهلة وشعارات عاطفية وصورًا مؤثرة وتكرارًا متواصلًا، لأن المتلقي الذي لا يملك الوقت أو الأدوات للتحقق قد يتعامل مع الرسالة المتكررة باعتبارها واقعًا، خصوصًا عندما تأتيه من أكثر من منصة وفي التوقيت نفسه، وهنا يتحول التكرار إلى بديل عن الدليل، ويتحول الشعار إلى بديل عن المعلومة، هنا يصبح تكرار الكذب وتعدد المنصات الكاذبة مع مرور الوقت منصات ترسخ مفهوم ومعلومات وأفكار في أصلها كاذبة مضللة، ومع تكرارها أصبحت بالنسبة للمتلقي واقعاً حقيقياً، إنها البروباغندا الإيرانية المستمدة من الدعاية النازية، اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس.
أخطر الوظائف
وهذه إحدى أخطر وظائف إعلام المليشيا الحوثية، إذ لا يخاطب المتخصص فقط، وإنما يستهدف الإنسان العادي في بيته ومجتمعه ومدرسته ومسجده ومحيطه الاجتماعي، ويقدم له الأحداث في إطار واحد: «نحن في مواجهة مؤامرة»، والآخر عدو، والقتال واجب، والقتيل بطل، والخسارة انتصار مؤجل، وكل سؤال عن النتائج يمكن إسقاطه بشعار جديد، وكل شك يمكن مواجهته باتهام صاحبه بأنه يخدم الخصم، وقد وثق فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أن أيديولوجية الحوثيين تُنشر من خلال دعاية منهجية، وأن سيطرة الجماعة على الإعلام والوصول إلى الإنترنت تحد من حصول السكان على معلومات محايدة، كما أشار إلى استخدام دورات إلزامية في الثقافة والأيديولوجيا والجهاد ضمن منظومة أوسع للتعبئة والتجنيد، «المصدر - الأمم المتحدة، مجلس الأمن، تقرير فريق الخبراء المعني باليمن، 2025»، ومن الخطأ الإعلامي والأخلاقي تحميل الإنسان البسيط وحده مسؤولية تصديق الدعاية، فالمتلقي قد يصدق الرسالة لأنه لا يمتلك المعلومات الكافية، أو القدرة على التحليل، أو لأنه يعيش في بيئة تسيطر فيها جهة واحدة على مصادر الأخبار، أو لأنه يتعرض للرسالة بصورة متكررة، أو لأن الخوف والضغط الاجتماعي يجعلان الشك في الرواية الرسمية مكلفًا، وهنا تظهر خطورة البيئة الإعلامية المغلقة، فكلما تقلصت مصادر المعلومات المستقلة، زادت قدرة الدعاية على احتكار تفسير الحدث، وكلما غابت المقارنة بين الروايات، أصبح من السهل تقديم رواية واحدة باعتبارها الحقيقة الوحيدة، وهذا ما يجعل السيطرة على الإعلام جزءًا من السيطرة على الوعي، وليس مجرد سيطرة على وسيلة نشر، لأن من يتحكم في المعلومة يستطيع، بدرجات مختلفة، التأثير في ترتيب الأولويات، وتحديد العدو، وتفسير الخسارة، وتقديم القتلى، وإخفاء النتائج التي لا تخدم الرواية.
مادة دعائية للتجنيد
من أكثر الأساليب خطورة تحويل الموت نفسه إلى أداة لإنتاج مقاتلين جدد، فالقتيل في الخطاب الدعائي لا يظهر بوصفه إنسانًا فقد حياته، وأسرة فقدت ابنها، وأمًا فقدت ولدها، وأطفالًا فقدوا والدهم، وإنما يتحول إلى صورة وشعار وقصة بطولية ورسالة تعبئة، وقد وثقت الأمم المتحدة في تقاريرها السابقة استخدام صور واحتفالات ومواد إعلامية مرتبطة بقتلى الأطفال الذين جرى تجنيدهم، وأشارت إلى أن تمجيد موتهم استُخدم لتشجيع أطفال آخرين على الانضمام، وهذه نقطة شديدة الخطورة لأنها تكشف انتقال الدعاية من وصف الموت إلى استخدام الموت وسيلة لاستمرار التجنيد، «المصدر - الأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان، تقرير فريق الخبراء البارزين بشأن اليمن، 2020»، وفي تقرير عام 2025، وثق فريق الخبراء الأممي منظومة تجنيد للأطفال، تبدأ بالتلقين والدورات الأيديولوجية وتمتد إلى التدريب العسكري، وأشار إلى استخدام الأناشيد والفعاليات الثقافية والدعاية البصرية في تمجيد الجهاد والشهادة، «المصدر - الأمم المتحدة، مجلس الأمن، تقرير فريق الخبراء المعني باليمن، 2025»، وهنا ينبغي أن نسأل: ماذا يحدث عندما يُطلب من شاب أن يرى الموت بطولة قبل أن يُسمح له بأن يرى تكلفته؟ ماذا يحدث عندما تظهر صورة القتيل ولا تظهر صورة أمه؟ عندما يظهر الشعار ولا تظهر الجنازة؟ عندما يُقال للشاب إن الموت مجد ولا يُقال له ماذا يعني أن تترك أسرة كاملة خلفك؟، هذه الأسئلة تكشف الجزء الذي تحاول الدعاية إخفاءه، فالخداع لا يكون دائمًا في معلومة مختلقة، وإنما قد يكون في الحقيقة الناقصة، وهي أحيانًا أكثر تأثيرًا من الكذبة الصريحة.
صناعة الوهم
تعمل الدعاية على إعادة ترتيب المشهد، فتأخذ واقعة صغيرة وتمنحها حجمًا ضخمًا، وتأخذ خسارة وتقدمها باعتبارها إنجازًا، وتُبرز صورة مقاتل أو صاروخ أو طائرة مسيرة، لكنها لا تعرض بالقدر نفسه ما ترتب على ذلك من خسائر بشرية واقتصادية واجتماعية، وهذه الطريقة ليست حكرًا على الإعلام الحوثي، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تستخدمها جماعة مسلحة لتعبئة جمهورها وإدامة الحرب، ولذلك فإن التشابه مع النموذج الدعائي الإيراني يظهر في الوظيفة أكثر من ظهوره في التفاصيل: «تضخيم القوة، صناعة الخصم، تقديم الصراع باعتباره معركة كبرى، تكرار خطاب المقاومة، وربط الأحداث المحلية بصراع إقليمي واسع»، وقد وثقت دراسات وتقارير إعلامية دولية أن المنظومة الإعلامية الإيرانية تعمل في بيئة شديدة التحكم، وأن وسائل الإعلام الحكومية تخضع لرقابة واسعة وصارمة، فيما تستخدم جهات مرتبطة بالدولة أدوات رقمية لنشر روايات مؤيدة للنظام ومعلومات مضللة، «المصدر - فريدوم هاوس، إيران، تقرير الحرية في الإنترنت، 2024»، وفي تقرير أحدث، وصفت فريدوم هاوس البيئة الإعلامية الإيرانية بأنها شديدة التقييد، وأشارت إلى خضوع البث الحكومي لسيطرة متشددة وتأثير الأجهزة الأمنية، مع رقابة واسعة على الأخبار والتحليلات، «المصدر - فريدوم هاوس، إيران، تقرير الحرية في العالم، 2026».
المصداقية.. الضحية الأولى
لكن للدعاية ثمنًا لا تستطيع أي منظومة إعلامية الهروب منه إلى الأبد، وهو انهيار المصداقية تماماً، فقد يصدق المتلقي رواية غير دقيقة مرة، وربما مرتين، لكنه عندما يكتشف أن الصورة قديمة، أو أن الفيديو من حادث مختلف، أو أن الحدث الذي قيل إنه انتصار لم يكن كذلك، يبدأ في مراجعة بقية الرسائل، وعندها لا تسقط المعلومة الكاذبة وحدها، وإنما تبدأ الثقة في المصدر نفسه بالتآكل، وهنا تكمن المفارقة الكبرى:» الدعاية التي تريد السيطرة على الجمهور قد تنتهي بفقدان قدرتها على إقناعه»، وقد شهدت السنوات الأخيرة أمثلة عديدة على تداول مواد مرئية نُسبت إلى هجمات حوثية ثم تبين أنها قديمة أو مأخوذة من سياقات مختلفة، كما ظهرت مقاطع من «ألعاب إلكترونية»، أو صور مولدة بالذكاء الاصطناعي جرى تقديمها على أنها أحداث حقيقية، وهو ما يجعل التحقق من المصدر والسياق والتاريخ جزءًا أساسيًا من مقاومة التضليل.
تحول الدعاية لنكتة
هنا نصل إلى مرحلة أكثر خطورة على الدعاية نفسها، وهي المرحلة التي تتحول فيها من أداة تأثير إلى مادة للسخرية، فالمتلقي الذي كان يخاف من الرواية الدعائية قد يبدأ بالسخرية منها عندما تتكرر التناقضات، وعندما تصبح صور الانتصارات أكثر من الانتصارات نفسها، وعندما يُعلن حدث باعتباره تحولًا تاريخيًا ثم لا ينعكس على الواقع، وعندما تتكرر العبارات نفسها حتى يفقدها التكرار معناها، وتتحول الدعاية عندها إلى ما يشبه النكتة السياسية؛ ليس لأن الحدث مضحك، وإنما لأن الفارق بين الخطاب والواقع يصبح واضحًا إلى درجة تجعل الرسالة تفقد هيبتها، وهذه مشكلة واجهتها أيضًا الدعاية الإيرانية في البيئة الرقمية، خصوصاً عند تعريتها وكشفها وهو ما تقوم به منصات سعودية متزنة ومحترفة تكشف مباشرة الدعاية والكذب والمادة الصحيحة والحقيقية، وقد وثقت فريدوم هاوس استخدام منظومة واسعة من الحسابات والشبكات غير الأصيلة للترويج للروايات المؤيدة للحكومة، إلى جانب نشر معلومات مضللة، كما أشارت إلى أن السلطات الإيرانية تستخدم أدوات رقمية للتأثير في الرأي العام، «المصدر - فريدوم هاوس، تقرير الحرية في الإنترنت، إيران، 2024»، والأضحوكة هنا ليست هدفًا صحفيًا بحد ذاتها، وإنما نتيجة طبيعية عندما يفقد الخطاب الدعائي أهم عناصره:» الثقة، فالإعلام يستطيع أن يطلب من الجمهور أن يختلف مع خصمه»، لكنه لا يستطيع أن يطلب منه أن يصدق كل شيء إلى الأبد، وإذا تكررت المبالغات، وانكشفت المواد المفبركة، وتناقضت التصريحات مع الوقائع، فإن الجمهور يبدأ في التعامل مع الرسالة باعتبارها جزءًا من لعبة سياسية لا مصدرًا للمعلومة.
التزييف البصري.. السلاح الجديد
تزداد المشكلة تعقيدًا مع الذكاء الاصطناعي، لأن الصورة التي كانت تحتاج في الماضي إلى معدات ومونتاج ووقت أصبحت قابلة للإنتاج خلال دقائق، وأصبحت المقاطع المصطنعة أكثر واقعية، وتؤكد أبحاث حديثة في عام 2026 أن مقاطع الفيديو المصطنعة التي تصور حروبًا وأزمات وأحداثًا حقيقية أصبحت تشكل تحديًا متزايدًا، وأن أدوات الكشف الحالية لا تعمل بصورة موثوقة في جميع الحالات، كما أن إعادة تداول المقطع عبر المنصات الاجتماعية تجعل اكتشاف مصدره وسياقه أكثر صعوبة، «المصدر - دراسة علمية: الدفاع ضد هجمات الفيديو المولدة بالذكاء الاصطناعي في أزمات الواقع، 2026»، ولهذا فإن أخطر رسالة يمكن أن تصل إلى البسيط ليست فقط: «صدق هذه الصورة أو الفيديو»، وإنما: «لا تسأل عن مصدر الصورة»، لأن إلغاء السؤال هو البداية الحقيقية للتضليل.
التشابه في الوظيفة
عند المقارنة بين النموذجين، لا ينبغي أن نقول إن كل رسالة حوثية نسخة حرفية من رسالة إيرانية، فذلك تبسيط غير علمي، لكن يمكن ملاحظة تشابه واضح في عدد من الوظائف الدعائية: «صناعة العدو، التعبئة، تمجيد القوة، تبرير الخسائر، استخدام اللغة العاطفية، السيطرة على مصادر المعلومات، وتكرار الرواية حتى تصبح جزءًا من البيئة اليومية للمتلقي»، وهذا التشابه هو الذي يجعل دراسة إعلام المليشيا الحوثية مهمة، لأنه يكشف كيف يمكن لجماعة مسلحة أن تتعامل مع الإعلام باعتباره جزءًا من المعركة، لا باعتباره وسيلة مستقلة لنقل المعلومات، والفارق بين الإعلام المهني والدعاية هنا واضح، فالإعلام يسأل: «ماذا حدث؟ ومن قال؟ وما الدليل؟ وما السياق؟ وما الرواية الأخرى؟ «، أما الدعاية فتبدأ غالبًا من النتيجة التي تريد الوصول إليها، ثم تبحث عن الصورة والكلمة التي تخدمها، فهو يعمل على الأفكار والمنهج والإيديولوجية، وبدعاية رمادية أو سوداء أو بيضاء، جميعها مضلل يخدم المنهج.
البسطاء ليسوا جمهورًا ساذجًا
من الضروري التوقف أمام فكرة شائعة وخاطئة، وهي أن البسطاء يصدقون الدعاية لأنهم أقل وعيًا، فهذه نظرة متعالية لا تساعد على فهم الظاهرة، الإنسان قد يصدق الرسالة عندما تكون المعلومات المتاحة أمامه محدودة، أو عندما يعيش تحت ضغط سياسي واجتماعي، أو عندما تكون الرسالة مدعومة من المحيط الذي يعيش فيه، أو عندما تتكرر أمامه عشرات المرات، ولهذا فإن مواجهة الدعاية لا تكون بالسخرية من الجمهور، وإنما بتقديم البديل: «معلومة دقيقة، ومصدر واضح، وصورة موثقة، وتفسير هادئ، ومساحة للرأي الآخر، تعدد الأحداث والواقع الملموس»، فالإنسان عندما يجد أمامه مصدرًا موثوقًا يستطيع أن يقارن، وعندما يستطيع المقارنة يصبح أقل اعتمادًا على الرواية الواحدة.
كيف تُستعاد الحقيقة؟
استعادة المصداقية تبدأ من قاعدة صحفية بسيطة، لا تنشر ما لا تستطيع إثباته، ولا تستخدم صورة بلا مصدر، ولا تقدم مقطعًا بلا سياق، ولا تحول الادعاء إلى حقيقة لمجرد تكراره، ولا تجعل العاطفة بديلًا عن التحقق، وفي زمن الذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال عن أصل الصورة والفيديو والتاريخ والمكان أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن الجمهور لم يعد يواجه الكذبة النصية وحدها، وإنما يواجه صورة قد تبدو حقيقية، وفيديو قد يبدو مقنعًا، وحسابًا قد يبدو إنسانيًا وهو جزء من شبكة منظمة، وتقدم الأبحاث الحديثة في كشف الدعاية أدوات علمية لتحليل اللغة المستخدمة في الرسائل الدعائية، وقد طورت دراسة منشورة عام 2026 موردًا بحثيًا عربيًا وإنجليزيًا لتحديد 23 أسلوبًا دعائيًا، بما يعكس انتقال دراسة التضليل من الانطباع إلى التحليل المنهجي، «المصدر - دراسة: كشف الدعاية باستخدام التقنيات والمقاطع والتفسيرات، 2026».
أخيراً:
لا تخشى البروباغندا شيئًا مثل خوفها من الحقيقة القابلة للتحقق، لأنها تستطيع مواجهة رأي برأي، وشعار بشعار، لكنها تجد صعوبة أمام صورة موثقة بتاريخها ومكانها، ووثيقة أصلية، وشهادة مستقلة، وبيانات قابلة للمقارنة، ولهذا فإن كشف الدعاية الحوثية والإيرانية لا يحتاج إلى دعاية مضادة، وإنما يحتاج إلى إعلام أكثر مهنية منها، لأن أفضل طريقة لهزيمة الرواية المضللة ليست اختراع رواية مضللة أخرى، وإنما وضع الوقائع أمام الجمهور وتركه يرى الفارق بنفسه، وأرى أن المشكلة الأكبر التي تواجه إعلام المليشيا الحوثية والإعلام الدعائي الإيراني ليست فقط في اكتشاف بعض المواد المفبركة، وإنما في فقدان الثقة المتراكم، فحين يصبح الجمهور متأكدًا من أن الخطاب الإعلامي مصمم لإقناعه قبل أن يكون مصممًا لإخباره، فإن الرسالة تبدأ بفقدان تأثيرها، وهنا تتحول البروباغندا من أداة قوة إلى نقطة ضعف، ومن وسيلة لتخويف الجمهور إلى مادة للسخرية، ومن خطاب يدعي امتلاك الحقيقة إلى خطاب يبحث عن من يصدقه، أما الإنسان البسيط، الذي كان الهدف الأسهل للدعاية، فهو في الحقيقة قادر على اكتشاف الحقيقة متى وجد المعلومة الموثوقة، وكلما حاولت الدعاية تحويل الموت إلى بطولة، أصبح واجب الإعلام المهني أن يعيد إلى الصورة الإنسان الذي اختفى خلف الشعار.