حسن اليمني
من يدعم «الحوثي» في بقاء واستمرار اشتعال جنوب الجزيرة العربية ومضيق باب المندب والقرن الأفريقي؟
والسؤال الأصح أو الأجدر بالطرح هو في من يستفيد من هذا الوضع وما هي أهدافه؟ لا شك أن إيران داعم ظاهر وواضح وله منطقه ومبرراته -قبلنا ذلك أو رفضناه- لكن إيران ليست قوة عظمى لتواجه أمريكا والكيان المحتل وبذات الوقت تدعم وتصدر السلاح والمال لأفرع متفرقة بين العراق ولبنان واليمن، بما يعني أن هناك من هم في خلف المشهد الظاهر في العمل المتخفي للدعم والإسناد، لكن أيضاً، وتحت تقسيم «مباشر وغير مباشر» يتلقى «الحوثيون» دعماً وإسناداً تتقاطع نتائجه مع مصالحهم، وإن لم يكن -حبا في علي ولكن كرها في معاوية- وهذا ما يزيد الغشاوة والتعتيم في المشهد المكتظ بالتعقيدات والتقاطعات.
تظهر تسريبات عبر أخبار إعلامية وتقارير بحثية استخبارية تشير إلى جهات إقليمية ودولية تدخل في نهج الدعم والإسناد للحوثيين في اليمن، بعضها مباشر ومقصود وآخر غير مباشر، وربما غير مقصود، لكنه في النهاية يبقى دعما وإسنادا يطيل أمد الحرب بين الشرعية في اليمن ومغتصبي السلطة في صنعاء، إما بدافع المنافسة مع قوى أخرى إقليمية ودولية وكل بحسب تقييمه للمنافع التي يطمح إليها، وإما غاية وأهدافا لقوى إقليمية ودولية بحسب مطامع وانتهاز فرص تنسجم وطموحات هذه القوة أو تلك، على سبيل المثال، هناك من يسعى لتقسيم اليمن وثم تقسيم المقسم لوضع اليد على بعض أجزاء اليمن مثل جزيرة سقطرى باعتبارها مجالا ذا أهمية استثمارية وسياسية وعسكرية، وهناك من يرى أن الوصول للتحكم أو حتى المشاركة في التحكم بمضيق باب المندب مكسب يدعم خططه الإستراتيجية.
المملكة العربية السعودية ليست في عداء مع اليمن لا حكومة ولا شعبا وليست في حرب مع اليمن، وإن بدت الصورة الظاهرة خلاف ذلك – بحكم الاعتداءات الحوثية على الأراضي السعودية والرد الحاسم على هذه الاعتداءات – لأن حقيقة الأمر أن الحرب اليمنية هي بين اليمنيين ذاتهم، سلطة شرعية تأزم وضعها في دورة «الربيع العربي» فانتهزت فرقة الحوثي في ثنايا هذا الخلل فوضى الوضع ودخلت طرفا يناور مع الأطراف الأخرى حتى وصلت صنعاء واستولت على مؤسسات الدولة اليمنية مما جعل ظهور تحالف عربي تحت مسمى عاصفة الحزم والحسم ضرورة قصوى للحد من اتساع هذا الخلل والفوضى وحصرها داخل الحدود اليمنية، وهو ما تم فعلاً، لكن في هذه الأثناء ظهر تباين في الرؤية وتدخل مصالح وأطماع حرفت المسار ليصبح اليمن ميدان أطماع وطموحات لدول إقليمية ومصالح دولية جعلت العربية السعودية المتمسكة بالمسار الصحيح تبدو وكأنها في حرب مع اليمن، وهذا غير صحيح.
الصحيح أن أطرافا كانت ضمن التحالف العربي لمعالجة الوضع في اليمن، انتقلت من منطق معالجة الأزمة اليمنية إلى التعامل معها بوصفها فرصة لإعادة تشكيل موازين النفوذ، بما يشبه الانتقال من التطبيب إلى التشريح، حيث لم يعد الهدف محصوراً في استعادة مؤسسات الدولة، بل امتد إلى توظيف الجغرافيا اليمنية لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية، ثم عملت واجتهدت في ذلك بما شتت جهود التحالف وخلق انقسامات داخل الفرق اليمنية المتنازعة فتأجج الصراع الداخلي وأصبح تهديدا متزايدا للأمن الحدودي السعودي، بل وطال إلى بعض دول الخليج العربية حين طالت المقذوفات الحوثية مطار أبو ظبي، لكن ذلك انتهى بشكل سريع نتيجة إعادة تموضع للتحالفات الداخلية في اليمن بين الفرق المتصارعة وبما ساعد الجماعة الحوثية في توسيع مساحة صراعها على الحدود السعودية باعتبارها داعما للشرعية اليمنية لا دولة معتدية أو في حرب معهم.
وتعززت القدرات العسكرية للحوثيين تدريجياً من خلال حصولهم على تقنيات ومكونات وخبرات عسكرية خارجية، الأمر الذي نقل التهديد من نطاق الصراع الداخلي إلى مستوى إقليمي أوسع، امتدت آثاره إلى الأراضي السعودية والممرات البحرية الدولية، وجعل المشهد وكأن الحرب سعودية يمنية وهو ليس كذلك، وكل ذلك لم يكن إلا نتيجة انتهازية وتطفلا على البعد القومي العربي من بعض الأطراف تلك التي استغلت الفوضى اليمنية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية على حساب أمن وسلامة اليمن الواحد.
وبحكم المنطق الطبيعي للأشياء الذي يفهم منه أن كل شيء متحرك لابد أن يتقدم للأمام أو الخلف بحكم أن المتحرك لا يبقى ثابتا، وبحكم أن الفوضى كلما بقيت واستمرت زاد اتساعها بخلق بؤر أخرى من الفوضى، فإذن تصبح الأطراف الداعمة والمساندة سواء مباشرا أو غير مباشر داخلة في الصراع ويتحتم مواجهتها، وهذا أشير إليه في سردية المتحدث العسكري باسم التحالف العربي حين أشار وعطف «أطراف أخرى» إلى إيران كداعم رئيسي واضح وظاهر، والأمر كذلك، فإن استمرار الوضع سيؤدي إلى مواجهة ظاهرة ومكشوفة مع تلك الأطراف الأخرى ما لم تدرك خطورة الانزلاق في التماهي مع مصالح قوى تسعى للعبث بالأمن القومي العربي واستمرت تحت طموحات انتهازية ضيّقة. من التاريخ نستذكر حرب الطوائف في الأندلس، والتي لم تكن أبداً السبب الجوهري الوحيد في سقوطها، لكن تحالف أطراف من هذه الطوائف مع عدو الجميع هو أساس أيضاً لسقوط الأندلس، ومن لا يقرأ التاريخ أو يقرأ ولا يفهم عليه أن ينظر إلى مشهد حاضر وماثل أمامنا اليوم في فلسطين حين اختلفت الأحزاب بين موال للكيان المحتل ومناوئ له ويقيس مساحة الضفة الغربية وقطاع غزّة قبل الاختلاف وبعده، هذا بالنسبة للأطراف الإقليمية، أما الدولية فإن هذا داخل صراع بين تهاوي النظام الدولي الغربي وبين إعادة تصحيحه أو استبداله، والمنافع والأضرار على الأمن القومي العربي شامل وعام وقوة هذا الأمن القومي أو ضعفه يكمن في وحدته أو فرقته.
وخلاصة الأمر أن الجزيرة العربية وبضفتها الخليجية كانت تنعم بالأمن والاستقرار «الطبيعي» والذي مكن أوطانها من البناء والتنمية حتى صارت في مصاف الدول المتقدمة، كل ذلك كان قبل أن يصل الكيان المحتل لها بأي علاقة في أي مستوى، وأما اليوم وبعد أن أصبح للكيان المحتل تمثيل رسمي في بعض دوله فقد أصبح في مرمى المطامع والمطامح الإقليمية والدولية، وسيشهد التاريخ أن المملكة العربية السعودية واجهت من الضغوط ما يكفي لإقامة علاقة وتطبيع مع الكيان البغيض وبقيت عصية صامدة في وجه كل هذه التحديات حماية للأمن القومي العربي والإسلامي، وسيشهد التاريخ أن ما يجري في اليمن والقرن الإفريقي وظهور كيان «صومالاند» ليس إلا أدلة ناصعة الوضوح لمن يعي التاريخ ومسارب تحولاته.
** **
- الرياض