عبود بن علي ال زاحم
تخيّل مؤسسة تبحث منذ أشهر عن موظف يمتلك مهارات متقدمة في تحليل البيانات. تنشر إعلانًا وظيفيًا، وتستقبل عشرات السير الذاتية، وتعقد المقابلات، بينما يجلس في أحد مكاتبها موظف يمتلك هذه المهارة بالفعل، لكنه يعمل تحت مسمى وظيفي مختلف. لا أحد يعرف قدراته؛ لأن ملفه الوظيفي لم يُحدّث منذ سنوات، ولأن المؤسسة اعتادت أن تنظر إلى موظفيها من خلال وظائفهم لا من خلال ما يستطيعون فعله.
هذه الصورة الافتراضية تثير سؤالًا يستحق أن تطرحه كل قيادة: هل نعرف فعلًا المهارات الموجودة داخل مؤسساتنا، أم نكتفي بمعرفة عدد الموظفين ومسمياتهم ومؤهلاتهم؟
المسمى الوظيفي مهم لتنظيم العمل وتحديد المسؤوليات، لكنه لا يروي القصة كاملة. فقد يكون بين موظفي الشؤون الإدارية من يجيد تصميم الحلول الرقمية، وبين العاملين في الاتصال من يمتلك قدرة على تحليل البيانات، وبين المختصين في العمليات من يستطيع قيادة مشروع تطويري. وقد اكتسب هؤلاء مهاراتهم بالدراسة أو الممارسة أو المبادرات الشخصية، دون أن تجد طريقها إلى سجلات الموارد البشرية.
وفي المملكة، يلفت الاهتمام المتزايد بالمهارات النظر إلى أهمية هذه القضية. ففي التاسع عشر من أكتوبر 2026، أعلنت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية تنفيذ أكثر من 590 برنامجًا عبر «مسرّعة المهارات» في أكثر من عشرة قطاعات، وأشارت إلى تطوير المنصة الوطنية للمهارات وتفعيل السجل المهاري لتوثيق المهارات والشهادات والخبرات المهنية. وهي خطوة تبرز أهمية معرفة القدرات وتحديث بياناتها، لا الاكتفاء بالأوصاف التقليدية للوظائف. لكن توثيق المهارة ليس غاية في ذاته. فالسجل الذي لا ينعكس على فرص المشاركة في المشاريع أو التطوير أو الانتقال الداخلي قد يتحول إلى قاعدة بيانات أخرى. القيمة الحقيقية تظهر عندما تعرف المؤسسة من يمتلك المهارة، ومدى إتقانه لها، وأين يمكن أن يستفيد منها العمل دون الإخلال بمهامه الأساسية.
ومن هنا تتغير أسئلة إدارة المواهب. بدلًا من أن تسأل فقط: من يشغل هذه الوظيفة؟ تسأل: من يستطيع تنفيذ هذه المهمة؟ ومن يحتاج إلى فرصة ليُثبت قدرته؟ ومن يمكن تأهيله لدور جديد قبل البحث عن بديل من خارج المؤسسة؟
ولا يعني ذلك أن كل مهارة يذكرها الموظف تكفي لإسناد مسؤولية جديدة إليه. فالمهارات تحتاج إلى تحقق وتقييم وتجربة، كما أن العدالة تقتضي إتاحة الفرص بمعايير واضحة، لا وفق المعرفة الشخصية أو قرب الموظف من مديره.
إن الاستثمار في الإنسان لا يبدأ دائمًا بدورة تدريبية جديدة أو تعيين جديد؛ فقد يبدأ بسؤال بسيط لم نطرحه من قبل: ماذا يعرف موظفونا أن يفعلوا، ولا نعرف نحن عنهم؟
ربما لا تكون بعض الكفاءات التي نبحث عنها بعيدة عنا، بل قريبة جدًا، تنتظر فقط أن نراها خارج حدود المسمى الوظيفي.