د. أحمد فاتح محمد
لماذا يختار الإنسان العاقل أن يخضع رغباته لنصوص صارمة، ويقبل طواعية بأن تقيد حريته بمنظومة من المحاذير والعقوبات؟ حين نتأمل فكرة التشريع من زاوية فلسفية واجتماعية، ندرك أن القوانين لم تخترع لقمع الوجود الإنساني، بل وجدت لحمايته من أخطر عدو يتربص به: نزواته الأنانية حين تنفلت من عقال العقل. لقد أدرك الفكر الفلسفي منذ توماس هوبز، أن النفس البشرية إذا ترِكت لشهوة التملك والهيمنة دون ضابط نظامي مشترك، فإنها سرعان ما تنزلق إلى صراع عدمي يستبيح فيه القوي حقوق الضعيف، وتتحول فيه حياة الجماعة إلى فوضى مستمرة لا يأمن فيها أحد على ماله أو كرامته.
القانون في حقيقته المجتمعية، ليس قوة خارجية قاهرة تسلبنا الإرادة، بل هو مرآة لوعينا بضعفنا البشري. نحن نلجأ إلى تدوين الأنظمة لأننا نعلم يقيناً أن العواطف متقلبة، وأن المصالح الشخصية قلما تنصف الخصم وأن الضمير الفردي وحده قد يضعف أمام إغراء المنفعة العاجلة. من هنا تنبع ضرورة القواعد المنظمة للمعاملات المدنية والتجارية وعلاقات العمل، فهي تضع سياجاً يمنع رغبة الفرد الآنية من الاعتداء على الاستقرار الاجتماعي بعيد المدى.
إن التزام التاجر ببنود العقد، وخضوع السائق لإشارات المرور، وامتناع الموظف عن استغلال نفوذه، كلها ليست قيوداً تمنع حركتهم، بل هي ضمانات متبادلة تتيح لكل واحد منهم ممارسة حياته بأمان تام. إن المفارقة الكبرى التي كشفتها الفلسفة القانونية هي أن الخضوع للنظام هو ذروة التحرر وليس نقيضه. فالإنسان الذي يتنازل عن حقه في استخدام القوة الفردية، يكسب في المقابل حماية الدولة والمجتمع لحقوقه وممتلكاته. وكلما ارتقت الثقافة القانونية لدى الأفراد، تراجع الشعور بأن القوانين تمثل عبئاً ثقيلاً، ليحل محله إدراك بأن الامتثال هو درع يحمي المجتمع من ارتدادات الغريزة.
إن المجتمعات التي تنجح في بناء نهضتها لا تعتمد على رقابة الأجهزة الأمنية وحدها، بل على قناعة مواطنيها بأن هيبة النظام هي الضمان الوحيد الذي يحفظ السلم والسكينة العامة. لقد علمنا التفكير الفلسفي أن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس في قهر الطبيعة، بل في ترويض نزواته الذاتية وإخضاعها لمنطق العدل والإنصاف. فالنظام القانوني في نهاية المطاف هو التعبير الأسمى عن قدرة البشر على الارتقاء فوق أنانيتهم البدائية، وبناء مجتمع مستقر يدرك فيه الجميع أن صيانة النفس تبدأ أولاً باحترام حدود وحقوق الآخرين.