السفير متلم ميرزاييف
في تاريخ كل أمة أيام فارقة غيّرت مسارها، وتركت بصمات لا تُمحى في ذاكرتها الوطنية، ورسمت ملامح مستقبلها. وبالنسبة للشعب الأذربيجاني، يمثّل الثامن من نوفمبر أحد أبرز هذه الأيام الخالدة؛ فهو ليس مجرد ذكرى لانتصار عسكري، بل رمز للإرادة الوطنية والوحدة الراسخة واستعادة العدالة.
وفي الثامن من نوفمبر 2026، تحتفل أذربيجان بالذكرى السادسة للنصر التاريخي الذي حققته في حرب الوطن التي استمرت 44 يوماً. وقد دشّن هذا الانتصار مرحلة جديدة في تاريخ البلاد الحديث، إذ لم يقتصر أثره على استعادة وحدة أراضي أذربيجان، بل أسهم أيضاً في إرساء واقع سياسي واقتصادي جديد في منطقة جنوب القوقاز.
ففي عام 2020، وتحت قيادة فخامة الرئيس إلهام علييف، رئيس جمهورية أذربيجان والقائد الأعلى للقوات المسلحة، تمكّن الجيش الأذربيجاني من وضع حد لاحتلال استمر قرابة ثلاثة عقود. وشكّل تحرير مدينة شوشا، العاصمة الثقافية لأذربيجان ودرة إقليم قراباغ، في الثامن من نوفمبر 2020، نقطة تحوّل حاسمة في مسار حرب الوطن، أسهمت في تحديد نتيجتها. وفي سبتمبر 2023، استعادت أذربيجان سيادتها الكاملة على جميع أراضيها.
وقد استند هذا الانتصار التاريخي إلى ركائز أساسية تمثّلت في الوحدة الوطنية للشعب الأذربيجاني، والسياسات المتواصلة للدولة، وقوة إمكاناتها الاقتصادية، وبطولات قواتها المسلحة. وفي خطاب ألقاه بمناسبة ذكرى يوم النصر، أكد الرئيس إلهام علييف أن الاقتصاد القوي، والسياسة المستقلة، وبناء جيش حديث، والتلاحم بين الشعب والقيادة، كانت من أبرز العوامل التي مهّدت لتحقيق النصر. كما شدّد على أن أذربيجان لم تقبل يوماً بالاحتلال، وأنها عملت على مدى سنوات طويلة على تعزيز قدراتها السياسية والاقتصادية والعسكرية بصورة منهجية ومتواصلة، تمهيداً لاستعادة وحدة أراضيها.
ويبقى الشهداء الذين ضحّوا بأرواحهم في سبيل الوطن، والمحاربون الذين أظهروا شجاعة استثنائية في ميادين القتال، الأبطال الحقيقيين لهذا النصر العظيم. وستظل تضحياتهم وبطولاتهم خالدة في الذاكرة التاريخية للشعب الأذربيجاني.
وعقب تحقيق هذا الانتصار التاريخي، وجّهت أذربيجان جهودها نحو إعادة إعمار المناطق المحررة على نطاق واسع، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة النازحين داخلياً إلى ديارهم الأصلية. وخلال السنوات الست الماضية، دخل إقليما قراباغ وزنغزور الشرقية مرحلة واسعة من البناء والإعمار واستعادة الحياة.
وقد بدأ برنامج «العودة الكبرى»، الذي يُنفّذ تحت قيادة الرئيس إلهام علييف، يحقق نتائج ملموسة ومهمة؛ إذ عاد أكثر من 40 ألف شخص إلى 47 تجمعاً سكنياً في المناطق المحررة. كما اقترب إجمالي عدد الأشخاص الذين يقيمون ويعملون ويدرسون في تلك المناطق من 100 ألف شخص.
ومن أبرز التحديات الإنسانية التي تواجهها أذربيجان إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة من الأراضي المحررة. فوفقاً للتقديرات الأولية، يوجد في هذه المناطق ما لا يقل عن 1.5 مليون لغم. ولا يقتصر خطر هذه الألغام على تهديد حياة السكان وسلامتهم، بل يمتد إلى عرقلة مشاريع إعادة الإعمار والتنمية واسعة النطاق، وتعقيد جهود ضمان العودة الآمنة للنازحين إلى مناطقهم الأصلية. وفي مواجهة هذا التحدي، تواصل الدولة الأذربيجانية اتخاذ إجراءات منهجية ومتواصلة، وتنفيذ عمليات إزالة الألغام باستخدام التقنيات الحديثة.
وقد خصصت الدولة من ميزانيتها 25.5 مليار مانات أذربيجاني (ما يعادل 15 مليار دولار أمريكي) لعمليات إعادة الإعمار والبناء، فيما جرى تطهير أكثر من 300 ألف هكتار من الأراضي من الألغام والذخائر المتفجرة، بهدف تهيئة الظروف اللازمة لعودة السكان بصورة آمنة.
وفي قراباغ وزنغزور الشرقية، شُيّدت طرق برية يبلغ إجمالي طولها نحو 1500 كيلومتر، ودخلت مطارات فضولي وزنغيلان ولاشين الدولية حيّز التشغيل. كما بدأت 40 مؤسسة تعليمية و20 منشأة صحية تقديم خدماتها في المنطقة، إلى جانب افتتاح جامعة قراباغ في مدينة خانكندي.
وفي قطاع الطاقة، دخلت الخدمة 38 محطة كهرومائية بقدرة إنتاجية إجمالية تبلغ 307 ميغاواط. وتزامن ذلك مع التوسع في مشاريع الطاقة الخضراء والبنية التحتية الحديثة، وتطبيق مفاهيم «المدن الذكية» و»القرى الذكية»، بما يعكس التوجه نحو بناء نموذج تنموي حديث ومستدام في المناطق المحررة.
غير أن البعد الإنساني يظل في صميم مشروع «العودة الكبرى»، ويتمثّل في تمكين عشرات الآلاف ممن حُرموا من ديارهم لسنوات طويلة من العودة إلى منازلهم وأرض آبائهم وأجدادهم. فعودة الحياة إلى المدن والقرى التي أُعيد إعمارها تؤكد أن النصر التاريخي لأذربيجان لم يكن غايته إنهاء مظالم الماضي فحسب، بل يتطلع أيضاً إلى توفير بيئة آمنة ومزدهرة للأجيال القادمة.
وعلى امتداد السنوات الطويلة التي ظلت خلالها أراضٍ أذربيجانية تحت الاحتلال، وقفت المملكة العربية السعودية إلى جانب أذربيجان، ودعمت سيادتها ووحدة أراضيها ضمن حدودها المعترف بها دولياً. وقد شكّل هذا الموقف، سواء على صعيد العلاقات الثنائية أو في إطار منظمة التعاون الإسلامي وغيرها من المحافل الدولية، تجسيداً حقيقياً لعمق الصداقة الأذربيجانية السعودية وروح التضامن الإسلامي. وسيظل الشعب الأذربيجاني يستذكر هذا الدعم بكل امتنان وتقدير.
كما خصص مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية تمويلاً بقيمة ثلاثة ملايين دولار أمريكي للمساهمة في إزالة مخاطر الألغام من الأراضي الأذربيجانية المحررة. وتمثّل هذه المبادرة تجسيداً مهماً لعلاقات الصداقة بين أذربيجان والمملكة العربية السعودية، ونموذجاً للتعاون المثمر بين البلدين في المجال الإنساني.
وسيظل الثامن من نوفمبر رمزاً خالداً للفخر الوطني والإرادة الراسخة والوحدة التي لا تتزعزع للشعب الأذربيجاني، ونموذجاً ملهماً للأجيال القادمة في حب الوطن والإخلاص له والتضحية في سبيله.