ضمن سلسلة المقالات التي بدأناها بالحديث عن مشروع وزارة التعليم ترسيخ منظومة القيم وتعزيز الهوية الوطنية لدى الطلبة والذي يأتي منسجماً مع توجهات رؤية المملكة 2030 وخاصة برنامج تنمية القدرات البشرية الذي يسعى إلى تمكين المواطن السعودي ليكون منافساً عالمياً من خلال رفع مستوى الوعي بالقيم وتوضيح مدلولاتها ومعاييرها السلوكية إضافة إلى تعزيز الاتجاهات الإيجابية تجاه القيم مما يسهم في تشكيل صورة ذهنية إيجابية عن المواطن السعودي كما يهدف إلى تعزيز الهوية الوطنية لدى الطلاب ومقدمي الرعاية لهم مما يعزِّز الانتماء الوطني ويشجع على المشاركة الفاعلة في بناء المجتمع.
في هذا المقال سيكون التركيز على واحد من أهم المجالات في مشروع تعزيز القيم وهو الاحترام والمسؤولية الرقمية وحقيقة الأمر بأن الدور في تعزيز هذا المفهوم من المسؤولية لا يقتصر على المدرسة وحدها وإنما هناك أدوار تكاملية بدءاً من الأسرة والإعلام والمجتمع وكافة المؤسسات للعمل معاً على بناء منهجية وعي ناضجة في كيفية استخدام المنصات الرقمية وكيف يتم التعامل معها بمسؤولية واحترام وكيف تكون وسيلة داعمة لهم في الحياة وليست وسيلة هدم للمبادئ والقيم.
من هنا أدركت وزارة التعليم في مشروعها قيمنا حياة أهمية المسؤولية التقنية وجعلته أحد المجالات المحورية في مشروعها الرقمي معتبرة أن التفاعل الرقمي هو القدرة على التواصل والمشاركة والتفاعل مع الأنظمة والمنصات الرقمية المختلفة بفعالية ويشمل استخدام التكنولوجيا في الحياة اليومية سواء في التواصل الاجتماعي أو التعلم الإلكتروني والتجارة الرقمية أو العمل عن بعد، حيث إن هذا المجال الحيوي يتناول كل ما له صلة بالمعارف والخبرات والمهارات التي تمكن الطالب من استخدام الأجهزة والتقنيات الرقمية استخداماً فعَّالاً ومبدعاً مما يؤدي إلى زيادة الدقة والكفاءة والجودة والإنتاجية في جميع أنشطة الحياة العامة والعلمية.
وقد ارتكز هذا المجال على ثلاثة موضوعات رئيسة يأتي في مقدمتها الاحترام والمسؤولية الرقمية بحيث يتضمن التوعية بالمعارف والمهارات التي تجعل الفرد قادراً على التعامل مع العالم الرقمي بمسؤولية واحترام من خلال التعريف بالبصمة، والسمعة الرقمية ومعرفة آداب السلوك في التواصل الرقمي وحدود التواصل في العلاقات الرقمية والعنف الإلكتروني والمقصود به التنمّر الإلكتروني أو الدراما الرقمية وطرق الوقاية والحماية منها والإدمان الرقمي ومعرفة أعراضه وأسبابه والحلول المناسبة لمواجهته كذلك من الموضوعات الهامة الأمن السيبراني وأهمية حماية البيانات والمعلومات الرقمية والتصدي للقرصنة الإلكترونية والتعريف بماهية الأمن السيبراني وبيان أهميته وأنواع التهديدات في ذلك وطرق الحماية منها مع التثقيف بالأنظمة والقوانين الأمنية والسلوكية التي تستهدف هذا الجانب مثل أنظمة حماية البيانات الشخصية ونظام مكافحة الجرائم المعلوماتية إلى جانب موضوع الذكاء الاصطناعي والتعريف بأهميته وأنواعه وأهم تطبيقاته في حياتنا اليومية.
ومن المشروعات الرقمية التي تعزِّز جانب المسؤولية الرقمية لدى الطلبة وتنمي لديهم مبدأ الاحترام منحهم مساحة لبناء وتصميم كتيب إلكتروني يتضمن الآداب الرقمية يشمل أبرز السلوكيات المعزِّزة لقيمة المسؤولية الرقمية والاحترام وحدود التواصل في العلاقات الرقمية والتنمّر الإلكتروني وطرق تجنبه ونصائح حول كيفية مواجهته والحماية منه، كما يتاح للطلبة تنفيذ حملة توعوية تستهدف التوعية بالقواعد السلوكية والأخلاقية للتعامل مع العالم الرقمي سواء في جانب بناء السمعة الرقمية وطرق حمايتها والإدمان الرقمي وطرق معالجته واستثمار الإذاعة المدرسية لبث رسائل توعوية في ذلك وتكثيف الأنشطة الطلابية كتنظيم ندوة طلابية تناقش أبرز موضوعات المواطنة الرقمية المتعلقة بسلوكيات الاحترام والمسؤولية الرقمية وآداب السلوك في التواصل وحدوده مع إتاحة الاستفادة من الخبراء قي هذا المجال أو زيارة المعارض المعززة لقيم المسؤولية.
ومن المشروعات المقترحة إنتاج أفلام توعوية من إعدادهم وإخراجهم يناقشون عبرها خطورة الجرائم المعلوماتية وأنواعها أو التنمّر الإلكتروني وطرق الحماية منه وكيف يكون للكلمة التي تنتقل عبر الوسائط الرقمية من أثر سواء الكلمة الراجحة والواعية التي تبني مجتمعاً متماسكاً والبعد عن الكلمة التي تهدم القيم. وفي جانب الذكاء الاصطناعي يتاح للطلبة إجراء دراسة بحثية تستعرض جهود المملكة وإنجازاتها في الذكاء الاصطناعي في ظل رؤية 2030 وتنظيم برنامج حواري يتضمن الحديث عن أحدث تطبيقات ربوتات المحادثة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي والمقارنة بينها ومدى الاعتمادية عليها والإيجابيات والسلبيات لكل منها وغير ذلك من الموضوعات المتاحة.
لذلك نقطة الارتكاز الحقيقية في هذا المقال هو كيف ننمي في أبنائنا وبناتنا قيمة الوعي الرقمي وكيف تكون التقنية وسيلة لبناء المجتمع ولا يكونون أدوات سهلة للاصطياد والتأثير والعمل على بناء علاقة ناضجة مع التقنية تقوم على الوعي والثقة والأمان.
** **
- سعيد محمد الباحص
saeedokaz@gmail.com