عبدالكريم بن دهام الدهام
على مدى أكثر من عقد ونصف، عاصرت منطقتنا العربية تحولات جيوسياسية وفكرية كبرى أعادت تشكيل وجه التفاعل الإنساني، وكان الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي الساحة الأبرز التي انعكست عليها هذه التحولات. لقد تحولت هذه المنصات الرقمية من مجرد مساحات بريئة للنقاش وتبادل الآراء والتعارف، إلى أجزاء أساسية من الصراعات الفكرية والسياسية والإعلامية المحتدمة. في هذا العالم الافتراضي المتسارع، غدت الكلمة العابرة، والصورة الملتقطة، والمقطع القصير، أدوات استراتيجية فائقة التأثير، تفوق في أحيان كثيرة خطابات سياسية طويلة ومطولة، لقدرتها على تشكيل الرأي العام واختراق العقول والقلوب بلا استئذان.
مع دخول الذكاء الاصطناعي اليوم إلى عالم الإعلام، أصبحت الصورة أكثر تعقيداً وضبابية. إننا نواجه عصراً يُصنع فيه التضليل بدقة متناهية وبأدوات رخيصة وسريعة الانتشار؛ حيث يصعب على الإنسان العادي التمييز بين الحقيقة والمقاطع والأصوات المزيفة. لذلك، فإن معركة الحاضر والمستقبل لم تعد تقتصر على امتلاك المعلومة أو سرعة الوصول إليها، بل تحولت في جوهرها إلى معركة امتلاك «الوعي»؛ ذلك الوعي اليقظ القادر على فحص المضمون، وتفكيك الشائعات، ووضع الأمور في سياقها الصحيح دون الانجرار وراء العواطف المشحونة أو الحملات الممنهجة.
وسط هذه الأمواج الفكرية المتلاطمة والتحديات الرقمية المستمرة، تبرز منظومة دول مجلس التعاون الخليجي كصخرة استقرار ونموذج فريد للتلاحم والبناء. وفي هذا الصدد، تأتي الرسالة البليغة والعميقة التي وجهها وزير الإعلام السعودي، سلمان الدوسري، لشعوب ودول المجلس، لتضع النقاط على الحروف وتلخص حقيقة تاريخية ومستقبلية ثابتة: «دول الخليج وشعوبها.. لبعضها دائماً».
إن هذه الرسالة الموجهة عبر منصة «إكس» لا تنطلق من حسابات سياسية عابرة أو مصالح اقتصادية مؤقتة، بل تستند إلى إرث عميق وممتد؛ إذ أكد معاليه: «الخليج يجمعنا بأكثر من حدود ومصالح مشتركة؛ تجمعنا أخوة راسخة، وامتداد اجتماعي وثقافي وإنساني صنعته أجيال، وتواصل مسيرته أجيال». هذا الامتداد الإنساني والثقافي المشترك هو الخط الدفاعي الأول والحصن الحصين الذي يحمي المجتمعات الخليجية من خطابات التحريض والكراهية والتطرف التي تحاول التسلل عبر المنصات الرقمية بوجوه وشعارات متجددة.
وتتجلى حكمة الإدارة السياسية والإعلامية في إدراك أن قوة البيت الخليجي لا تعني بالضرورة تطابق الرؤى في كل تفصيلة، بل تكمن في القدرة على التسامي فوق التباينات العابرة، وهو ما جسده الوزير بقوله: «قد تتعدد الرؤى والمواقف، لكن تبقى روابطنا أعمق، ولحمتنا الخليجية أقوى، ومصيرنا واحداً، ومسؤوليتنا في الإعلام أن نصون هذه الروابط». ومن هنا، تبرز المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق الإعلاميين والإعلاميات في دول المجلس، والذين دعاهم وزير الإعلام السعودي لمواجهة كل من يستهدف أمن واستقرار الخليج عبر خطاب واحد وإعلام مسؤول يتصدى للحملات المنظمة.
في نهاية المطاف، علمتنا التجارب والسنوات الماضية أن الأفكار المتطرفة وخطابات الهدم قد تصنع ضجيجاً عالياً لفترة من الزمن، لكنها تسقط حتماً أمام الاختبار الحقيقي: ماذا قدمت للإنسان؟ إن الدول لا تُقاس بالشعارات البراقة، بل بما تبنيه على الأرض؛ بمدارسها وجامعاتها ومستشفياتها وبفرص العمل والأمن والكرامة التي توفرها لشبابها. وحين تتكامل الرؤية الإعلامية المسؤولة مع الوعي المتطور للأجيال الجديدة، يصبح المستقبل ملكاً للمشاريع التي تبني الإنسان، وستبقى دول الخليج وشعوبها سنداً وعمقاً لبعضها.. دائماً وأبداً.