صبحي شبانة
يتبدد النصر حين تتدخل القوى الكبرى لوقف اندفاعة الميدان في اللحظة التي تقترب فيها موازين القوة من ترجيح كفة الحسم، فتُجهض السياسة ما كان يمكن أن يصبح نقطة فاصلة في مسار الحرب، وتجرّد القوة العسكرية من أثرها الإستراتيجي، وتمنح الطرف الذي أوشك على الهزيمة فرصة لالتقاط أنفاسه وإعادة ترتيب صفوفه، من دون أن تنتزع منه تنازلات سياسية حقيقية أو تلزمه بضمانات واضحة تحول دون تجدد الصراع، وعندئذٍ لا يكون ما تحقق سلامًا ينهي الحرب، بل هدنة تؤجل كلفتها، وتمنح أسبابها فرصة للبقاء، وربما تجعل حسمها لاحقًا أكثر تعقيدًا وأعلى ثمنًا.
وهذا ما حدث في الحديدة باليمن عام 2018، حين تقدمت القوات اليمنية الموالية للحكومة الشرعية والمناهضة للحوثيين نحو المدينة ومينائها، واقتربت من تحقيق انتصار عسكري كان من شأنه أن يغيّر موازين الصراع، ويضع ميليشيا الحوثي أمام واحدة من أخطر محطات المواجهة منذ انقلابها على الدولة، فقد جاء التقدم الميداني ليضيّق الخناق على الحوثيين، ويهدد أحد أهم مصادر قوتها الاقتصادية والإستراتيجية، قبل أن تتقدم التحركات الدولية، وفي مقدمتها التحركات الأمريكية والبريطانية، باتجاه وقف العمليات العسكرية وفتح مسار تفاوضي انتهى باتفاق ستوكهولم، وهكذا توقفت القوات الشرعية عن استكمال تقدمها في لحظة كانت تقترب فيها من حسم المعركة، وانتقل الصراع من الميدان، حيث كانت موازين القوة تتبدل، إلى طاولة المفاوضات، من دون أن يتحول ذلك التقدم العسكري إلى مكاسب سياسية موازية.
لم يكن الاعتراض يومها على حماية المدنيين أو تجنيب مدينة مكتظة بالسكان دمارًا واسعًا؛ فهذه مسؤولية لا يجوز التقليل منها، ولا يمكن تجاهل الكلفة الإنسانية التي كانت تهدد السكان مع استمرار القتال، وإنما كان جوهر الإشكال أن يتحول وقف المعركة إلى غاية قائمة بذاتها، بينما تتعثر الالتزامات التي كان يفترض أن تجعل منه مدخلًا إلى استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، فحين يُوقف الضغط العسكري من دون أن تُفرض تسوية ملزمة، وحين يُمنح الطرف الذي كان يواجه الهزيمة والتراجع فرصة للبقاء من دون أن يُلزم بتغيير سلوكه، لا تكون الدبلوماسية قد حسمت الصراع، بل تكون قد أعادت ترتيب شروطه على نحو قد يطيل أمده.
ومن هنا، لا تبدو الحديدة مجرد محطة عسكرية في حرب طويلة، بل اختبارًا كاشفًا لطبيعة السياسة الأمريكية والدولية في التعامل مع الحوثيين، فهل كان الهدف وقف الحرب عبر تسوية سياسية تعيد الاعتبار للدولة اليمنية وشرعيتها، أم إدارة الصراع بما يخفض المخاطر على المصالح الدولية، حتى لو جاء ذلك على حساب فرص استعادة الدولة وترك للميليشيا ما راكمته من مكاسب عسكرية وسياسية؟، إن الإجابة عن هذا السؤال لا تخص الماضي وحده، بل تمتد إلى مستقبل اليمن، وأمن المملكة العربية السعودية، واستقرار البحر الأحمر؛ إذ يكمن الفارق الجوهري بين سلام يعالج جذور الصراع ويهيئ لاستعادة الدولة، وهدنة توقف القتال مؤقتًا، لكنها تمنح الحوثيين الوقت لإعادة ترتيب صفوفهم وتعزيز مواقعهم، بما قد يجعل استئناف المواجهة أكثر تعقيدًا وكلفة.
منذ أن اجتاحت ميليشيا الحوثي صنعاء في سبتمبر 2014، لم تعد الأزمة اليمنية خلافًا سياسيًا عاديًا على السلطة، بل أصبحت صراعًا على الدولة اليمينة ، فقد استغلت الجماعة الإرهابية ضعف المرحلة الانتقالية وتحالفت مع الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح، ثم فرضت سيطرتها على مؤسسات العاصمة اليمنية صنعاء وتمددت جنوبًا حتى بلغت عدن، فأطاحت بالتوافقات السياسية ومخرجات الحوار الوطني، وفرضت بقوة السلاح واقعًا يناقض أسس المرحلة الانتقالية التي شارك اليمنيون في صياغتها، ومع اتساع القتال وتهديد الحكومة الشرعية، تدخل التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس 2015 استجابة لطلب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، في سياق قرار مجلس الأمن رقم 2216، الذي طالب الحوثيين بالانسحاب من المناطق التي استولوا عليها وتسليم الأسلحة التي استحوذوا عليها من مؤسسات الدولة، لكن السنوات التالية كشفت فجوة كبيرة بين المرجعيات الدولية المعلنة وجدية الإرادة الدولية على تنفيذها، فقد استمر الاعتراف الدولي بشرعية الدولة، بينما تعاقبت المفاوضات والهدن من دون تسوية تنهي الانقلاب، وواصلت الجماعة الحوثية في ترسيخ سلطتها المسلحة، وهنا نشأ التناقض الذي لازم الملف اليمني: اعتراف بشرعية الدولة، يقابله تعامل متكرر مع الميليشيا التي أطاحت بها بوصفها طرفًا لا يمكن تجاوزه، من دون أن يقترن ذلك دائمًا بإلزامها بتنازلات جوهرية بشأن السلاح والسلطة والقرار الوطني.
وفي حسابات الحرب وموازين القوة، احتلت الحديدة موقعًا استثنائيًا، فالميناء لم يكن مجرد منفذ تجاري وإنساني حيوي لبلد أنهكته الحرب، بل كان أيضًا أحد أهم مفاتيح القوة التي استند إليها الحوثيون في تثبيت سلطتهم، والسيطرة على الموانئ تمنح الجهة المسيطرة قدرة على التأثير في حركة السلع والإيرادات، فضلًا عن أهمية الساحل الغربي في معادلة الأمن البحري الإقليمي، ولهذا انطلقت في عام 2018 عملية عسكرية واسعة شاركت فيها تشكيلات يمنية متعددة، من بينها ألوية العمالقة والمقاومة التهامية والمقاومة الوطنية، وتقدمت القوات إلى محيط مطار الحديدة وأطراف المدينة، ولقد وضع هذا التقدم الحوثيين أمام ضغط يتجاوز خسارة أرض جديدة؛ إذ كان من شأن فقدان الميناء أن يضعف قدرتهم على التحكم في أحد أهم منافذ التجارة والإمداد، وأن يغير شروط التفاوض، ويفتح جبهة إستراتيجية تضغط عليهم من الغرب، ولا يعني ذلك أن تحرير الحديدة كان سيضمن وحده انهيار الحوثيين أو إنهاء الحرب، فالصراعات المركبة لا تُحسم بالضرورة بسقوط مدينة واحدة، لكن السيطرة على الميناء كانت ستغيّر حسابات القوة ومصادر التمويل وفرص المناورة، وتضع الحوثيين أمام واقع ميداني أكثر صعوبة، وهذه الأهمية هي التي جعلت المعركة محط اهتمام دولي متزايد، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من آثار استمرار القتال على المدنيين.
جاء التحذير من الكارثة الإنسانية في الحديدة مبررًا في جوهره؛ فاليمن كان يعاني أزمة واسعة، وكان استمرار المعركة في منطقة يعتمد عليها ملايين السكان في الحصول على الغذاء والوقود والدواء ينذر بتفاقم المعاناة، لكن التعامل مع هذا الخطر كان يتطلب سياسة توازن بين حماية المدنيين ومنع الميليشيا المسلحة من استثمار وقف العمليات لتثبيت مكاسبها، وفي أواخر أكتوبر 2018، تصاعد الضغط الأمريكي والدولي لوقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات، ثم جاءت التحركات التي أفضت إلى مشاورات السويد واتفاق ستوكهولم في ديسمبر من العام نفسه، كان الاتفاق فرصة لتجنيب المدينة دمارًا أوسع، ولتنظيم إعادة الانتشار في الحديدة وموانئها، وتبادل الأسرى، وفتح الطريق أمام معالجة أوسع للأزمة، غير أن نجاح أي اتفاق لا يُقاس بمجرد توقيعه أو بقدرته على وقف القتال مؤقتًا، بل بما يحققه من التزامات قابلة للتنفيذ، وما يحدثه من تغيير في سلوك الأطراف، وما يفتحه من طريق لاستعادة الدولة، وهنا بدأت المشكلة: توقفت المعركة الواسعة، لكن المسار الذي كان يفترض أن يحول وقف إطلاق النار إلى ترتيبات أمنية وسياسية مستقرة تعثر، وبقيت قضايا جوهرية بلا حسم، فيما احتفظ الحوثيون بوجودهم ونفوذهم في المدينة والموانئ.
تضمن اتفاق ستوكهولم وقف إطلاق النار في مدينة الحديدة وموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، وإعادة انتشار القوات، وتبادل الأسرى، وتفاهمًا بشأن تعز، كما نص على ترتيبات أمنية وإدارية، ودور للأمم المتحدة في دعم إدارة الموانئ ومراقبة التنفيذ، وتوجيه إيراداتها إلى البنك المركزي للمساهمة في دفع رواتب الموظفين، وأقر مجلس الأمن الاتفاق بموجب القرار 2451، ثم أنشأ بعثة أممية لدعم اتفاق الحديدة بموجب القرار 2452، لكن ترتيبات إعادة الانتشار واجهت تعثرًا، واستمرت الخلافات بشأن إدارة الموانئ والسلطة الأمنية والإيرادات، ولم تستعد الحكومة الشرعية سيطرتها الفعلية على هذه المواقع، وهكذا ظهرت المفارقة: نجحت الدبلوماسية في وقف معركة، لكنها لم تنجح بالقدر المطلوب في تحويل وقف القتال إلى مسار ملزم يعيد للدولة سلطتها ويمنع الجماعة من استثمار الهدنة لتعزيز نفوذها، ومن هذه الزاوية، يمكن فهم اتفاق ستوكهولم بوصفه طوق نجاة للحوثيين من ضغط عسكري كان يهدد أحد أهم مواقعهم الإستراتيجية، وهذا توصيف سياسي لنتائج الاتفاق على موازين القوة، لا دليلًا قاطعًا على أن جميع الأطراف الدولية قصدت عمدًا إنقاذ الجماعة، غير أن النتيجة العملية تظل جديرة بالمحاسبة: توقفت القوات الشرعية عن مواصلة تقدمها، بينما لم يُنفذ الاتفاق على نحو يحقق الأهداف التي برر بها وقف المعركة، فالدرس الأهم ليس أن كل هدنة خطأ، ولا أن حماية المدنيين تتعارض مع استعادة الدولة، بل أن الهدنة التي لا تتبعها آليات تنفيذ ومساءلة قد تمنح الطرف الأكثر قدرة على استثمار الوقت فرصة لتعزيز موقعه، بينما يبقى الطرف الآخر مقيدًا بتفاهمات لم تحقق أهدافها الأساسية، وحين يتوقف التقدم العسكري من دون أن تُترجم المكاسب الميدانية إلى ضمانات سياسية وأمنية، تصبح الهدنة فرصة لإعادة بناء القوة، لا جسرًا مضمونًا إلى السلام.
لقد أثبتت التطورات اللاحقة أن وقف المعركة في الحديدة لم يكن كافيًا لتغيير سلوك الحوثيين أو دفعهم إلى تسوية شاملة، فقد استمرت ميليشيا الحوثيين في التصعيد العسكري، وشنت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على أهداف داخل المملكة العربية السعودية، ومنها الهجوم الذي استهدف منشأتي بقيق وخريص في سبتمبر 2019 وألحق أضرارًا جسيمة بمنشآت الطاقة السعودية، كما صعّدت هجماتها على مأرب خلال عامي 2020 و2021، في محاولة للسيطرة على محافظة ذات أهمية إستراتيجية واقتصادية، وفيها أعداد كبيرة من النازحين الذين فروا من مناطق القتال، وكشفت هذه التطورات أن التهدئة في جبهة لا تعني بالضرورة انحسار الصراع، وأن وقف العمليات في الحديدة لم يؤد إلى التزام شامل بخفض التصعيد أو احترام أمن الجوار، كما أظهرت أن الجماعة استطاعت مواصلة الحرب وتوسيع أدواتها العسكرية، في وقت لم تحقق فيه المفاوضات اختراقًا يعيد اليمن إلى مسار سياسي مستقر، ومن ثم فإن المشكلة لم تكن في فتح باب الحوار، بل في الاعتقاد بأن الحوار وحده قادر على تغيير حسابات جماعة ترى في السلاح أساسًا لبقائها السياسي والعسكري، من دون أن يقترن التفاوض بضغط واضح يضمن تنفيذ الالتزامات.
وفي فبراير 2021، قررت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلغاء تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، مبررة القرار بمخاوف من أن تعرقل القيود وصول الغذاء والوقود والمساعدات إلى اليمنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثي، وكانت هذه المخاوف الإنسانية جديرة بالاعتبار، لأن العقوبات غير المصممة بعناية قد تؤثر في المدنيين والمنظمات الإغاثية والتجارية، لكن القرار أثار تساؤلات بشأن توقيته وأثره السياسي، خصوصًا أنه جاء بينما كانت ميليشيا الحوثيين تصعّد هجومها على مأرب وتواصل تهديداتها للسعودية، ولم يؤد رفع التصنيف إلى تغيير جوهري في سلوك الحوثيين أو إلى انخراطهم في تسوية تنهي الانقلاب، ولم يكن التصنيف وحده كفيلًا بوقف الحرب، كما أن بقاءه لم يكن ضمانًا لحلها؛ لكن أي تغيير في الوضع القانوني لجماعة مسلحة ينبغي أن يأتي ضمن إستراتيجية أوسع توازن بين حماية المدنيين وحرمان المليشيات الإرهابية من استغلال الموارد والمساعدات لتعزيز سلطتها، أما اتخاذ القرار من دون آليات موازية لقياس أثره أو إلزام الحوثي بخطوات مقابلة، فيترك فجوة بين الهدف الإنساني المعلن والنتيجة السياسية المنشودة، ويعزز الشكوك في اتساق السياسة الأمريكية تجاه الأزمة اليمنية، ثم جاء البحر الأحمر ليكشف بصورة أوضح حدود المقاربة التي تركز على التهديد المباشر للمصالح الغربية، وتترك جذور الصراع اليمني من دون معالجة شاملة، فمنذ أواخر عام 2023، شن الحوثيون هجمات على سفن في البحر الأحمر وخليج عدن، معلنين ربطها بالحرب في غزة، لكن آثار هذه الهجمات امتدت إلى حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وتكاليف الشحن والتأمين، وأثارت مخاوف بشأن أمن واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ومع تصاعد الهجمات، تحركت الولايات المتحدة عسكريًا وسياسيًا لحماية الملاحة ومصالحها، ثم دخلت في مايو 2025 تفاهمًا بوساطة عُمانية لوقف المواجهة المباشرة مع الحوثيين، شمل وقف استهداف السفن الأمريكية.
كان هذا التفاهم خطوة لخفض جانب من المواجهة، لكنه لم يكن اتفاق سلام شامل في اليمن، ولم يضع نهاية للانقلاب أو يعالج وضع الحكومة الشرعية، كما لم يكن بديلًا عن ضمان أمن المملكة ودول المنطقة، وهنا يعود السؤال نفسه: هل تتحرك السياسة الدولية لإنهاء مصادر التهديد من جذورها، أم تكتفي بالتفاوض عندما يصل الخطر إلى المصالح المباشرة للقوى الكبرى؟، فإذا كان التفاهم قادرًا على وقف استهداف السفن الأمريكية، فإن المطلوب أن يمتد منطق التهدئة إلى ضمانات أوسع تمنع تهديد الملاحة وأمن الجوار، وتربط أي تسوية بتسوية وضع السلاح والسلطة في اليمن، وهنا تتضح المعضلة في السياسة الأمريكية تجاه الحوثيين، فالمشكلة ليست في استخدام الدبلوماسية أو السعي إلى وقف إطلاق النار، بل في غياب الاتساق بين الأهداف المعلنة والوسائل المستخدمة لتحقيقها، فإذا كان الهدف دعم السلام والاستقرار في اليمن، فلا يكفي وقف الهجمات التي تهدد السفن الأمريكية بينما يبقى أمن الجوار العربي ومستقبل الدولة اليمنية خارج أي ضمانات عملية، وإذا كان الهدف حماية المدنيين، فلا بد أن تترافق الإجراءات الإنسانية مع رقابة تمنع استغلال الموارد والمساعدات لتعزيز سلطة الجماعة المسلحة، وإذا كان المجتمع الدولي يعترف بشرعية الحكومة اليمنية، فمن الضروري ألا تتحول المفاوضات إلى مسار يكرس سلطة الأمر الواقع من دون التزام واضح بإنهاء الانقلاب واستعادة المؤسسات، فالسلام ليس مجرد تفاهم بين طرفين على وقف استهداف بعضهما بعضًا، بل عملية سياسية وأمنية تعالج أسباب الصراع، وتضمن احترام سيادة الدول، وتمنع استخدام القوة خارج المؤسسات الشرعية، أما الاتفاقات الجزئية التي تعالج خطرًا بعينه وتترك بقية المخاطر قائمة، فقد تحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنها لا تؤسس لاستقرار مستدام، وإذا كانت هذه الاتفاقات تمنح الحوثيين مساحة للاحتفاظ بسلاحهم ومناطق نفوذهم وقدرتهم على تهديد الجوار، فإنها تسهم عمليًا في إبقاء الجماعة فاعلًا قادرًا على إعادة إشعال الأزمات كلما اقتضت حساباتها ذلك. ولا يعني هذا الدعوة إلى القطيعة مع واشنطن أو التقليل من أهمية الشراكة الإستراتيجية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، وهي شراكة تتصل بالأمن والدفاع والطاقة والاقتصاد والاستقرار الإقليمي، لكن الشراكات الراسخة لا تُصان بتجنب المصارحة، وإنما بوضوح المصالح المشتركة ومراجعة السياسات التي لا تحقق أدافها، ومن حق المملكة والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا أن تطالبا بأن ترتبط أي تسوية بضمانات واضحة توقف الهجمات على دول الجوار، وتنهي استخدام الأراضي اليمنية منصة للتهديد، وتعيد الاعتبار لمرجعيات الحل السياسي، وفي مقدمتها المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن 2216، مع مراعاة التطورات اللاحقة وضرورة التوصل إلى تسوية قابلة للتطبيق.
وليس من المنطقي أن يُطلب من الحكومة الشرعية تقديم تنازلات متتالية تحت ضغط الحرب، بينما لا تُلزم الميليشيا المسلحة بتنازلات مماثلة بشأن السلاح والمؤسسات والقرار الوطني، كما لا يجوز أن تتحول حماية المدنيين إلى مبرر لتجميد الصراع إلى أجل غير معلوم، أو أن تصبح الهدن غطاءً لإعادة بناء القدرات العسكرية بعيدًا عن المساءلة، فالدبلوماسية الفاعلة لا تُقاس بعدد الاجتماعات والاتفاقات التي تنتجها، بل بقدرتها على تحويل الالتزامات إلى وقائع يمكن التحقق منها، ومحاسبة من يخل بها، وفي المقابل لا يمكن إعفاء القوى اليمنية المناهضة للحوثيين من مسؤوليتها عن إطالة أمد الأزمة، فقد كشفت سنوات الحرب عن انقسامات سياسية وعسكرية أضعفت المعسكر الشرعي، وأتاحت للجماعة فرصًا للمناورة وتثبيت النفوذ، ومن ثم فإن استعادة الدولة لا تتحقق بالاعتماد على الضغط الخارجي وحده، بل تتطلب توحيد القرار العسكري والأمني تحت مؤسسات وطنية واضحة، وتعزيز كفاءة الإدارة والخدمات، ومكافحة الفساد، وتوسيع المشاركة السياسية، وبناء نموذج حكم يستعيد ثقة اليمنيين، فالدولة لا تُستعاد بالسلاح وحده، ولا بالاعتراف الدولي وحده، وإنما بقدرتها على حماية المواطنين وتوفير الخدمات والعدالة وإدارة الموارد، كما أن أي تسوية مستدامة ينبغي أن تتعامل مع الملفات الإنسانية والاقتصادية بوصفها جزءًا من الحل، بما يشمل الأسرى والمعتقلين والنازحين والرواتب وإعادة الإعمار، لا تفاصيل مؤجلة إلى ما بعد توقيع الاتفاق، ويظل دعم المملكة للمسار السياسي والمؤسسات الشرعية، بالتوازي مع التنسيق الإقليمي والدولي لمنع تهريب الأسلحة وتجفيف مصادر التمويل العسكري، عنصرًا مهمًا في بناء تسوية لا تعيد إنتاج أسباب الحرب، مع ضمان ألا تتحول هذه الإجراءات إلى عقاب جماعي للمدنيين.
إن الحديدة ليست مجرد ذكرى لمعركة توقفت قبل اكتمالها، بل درس إستراتيجي في الفرق بين إيقاف الحرب وإنهاء أسبابها، فقد أظهرت التجربة أن التقدم العسكري لا يكفي وحده لصناعة السلام، كما أظهرت أن الاتفاقات الدولية لا تحقق أهدافها إذا لم تقترن بضمانات تنفيذ ومساءلة تمنع تحويل الهدنة إلى فرصة لإعادة إنتاج الصراع، وليس من الحكمة الجزم بأن استمرار المعركة كان سيضمن حسمًا نهائيًا، أو اختزال كل إخفاق في قرار دولي واحد؛ فالحرب اليمنية أكثر تعقيدًا من ذلك، لكن من الضروري الاعتراف بأن وقف الضغط الميداني قبل ضمان تنفيذ الالتزامات السياسية قد يغير موازين التفاوض لمصلحة الجماعة المسلحة، فيما تبقى الدولة أضعف وأبعد عن استعادة سلطتها.
لقد دفع اليمنيون ثمن الحرب من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم، ولا يجوز أن يتحول هذا الثمن إلى ذريعة لتثبيت نتائج الانقلاب أو تأجيل استعادة الدولة إلى أجل غير معلوم، فالمأساة الإنسانية لا تُعالج بتجميد الصراع على نحو يمنح الميليشيا الإرهابية وقتًا إضافيًا لتعزيز سلطتها، كما أن السلام لا يتحقق بتبديل التصنيفات أو توقيع اتفاقات لا تجد طريقها إلى التنفيذ، وما يحتاجه اليمن اليوم ليس هدنة أخرى تُضاف إلى سجل الهدن السابقة، بل مسار واضح يعيد السلطة إلى المؤسسات الشرعية، ويضمن أمن المدنيين، ويوقف الهجمات على المملكة ودول المنطقة، ويحمي البحر الأحمر من أن يصبح أداة في صراعات النفوذ الإقليمي، ويفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة يشارك اليمنيون في صياغتها على أساس المواطنة وسيادة القانون.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله القوى الكبرى ليس أن تخطئ في تقدير لحظة من لحظات الحرب، بل أن تكرر الخطأ تحت أسماء مختلفة؛ فتوقف الضغط قبل أن تضمن تنفيذ الالتزامات، وتفاوض على أمنها المباشر فيما تترك أمن الآخرين معلقًا، وتحتفي بهدنة لا تعالج أسباب الصراع، فالسلام في اليمن لا يبدأ حين تصمت المدافع فحسب، بل حين تستعيد الدولة حقها في القرار والسلاح، وحين تدرك جماعة الحوثي أن القوة لا تمنحها شرعية الحكم، وأن أمن المملكة وجيران اليمن ليس ورقة للمساومة، وأن البحر الأحمر ليس ساحة مفتوحة لفرض النفوذ، وستبقى الحديدة شاهدًا على لحظة اختُبرت فيها قدرة المجتمع الدولي على تحويل الضغط العسكري إلى تسوية سياسية عادلة، أما الدرس الذي ينبغي ألا يضيع، فهو أن الدبلوماسية التي لا تسندها ضمانات، والهدنة التي لا تتبعها مساءلة، والتسوية التي لا تستعيد الدولة، قد توقف معركة اليوم، لكنها تترك حرب الغد كامنة تحت الرماد.