سلطان بن نايف الحربي
قبل أن أخرج من البيت، كتبت على ورقة صغيرة ثلاثة أمور أريد إنجازها: موعد مراجعة، واتصال بأحد الأصدقاء، ودواء أحتاج إلى شرائه من الصيدلية. لا شيء غريبًا في ذلك؛ فكثيرون يكتبون ما يريدون إنجازه حتى لا تشغلهم التفاصيل؛ لكن رجلًا اعتاد سنوات طويلة أن يدبّر شؤونه من ذاكرته، قد ينظر إلى تلك الورقة نظرة مختلفة، ويتساءل عن السّبب الّذي جعله يحتاج إليها الآن، وربما لم تتراجع ذاكرته أصلًا، وإنّما أصبح أكثر تنظيمًا. غير أن السؤال، متى حضر، قد يترك أثرًا لا علاقة له بما كُتب على الورقة: هل ما زلت أستطيع الاعتماد على قدراتي كما كنت؟
هذا الجانب من التقدم في العمر لا يحظى دائمًا بما يستحقه من الاهتمام، فنحن نتحدث كثيرًا عن ضعف الذاكرة، وبطء التفكير، وننسى أنَّ الإنسان قد ينشغل بما تعنيه هذه التغيرات بالنسبة إليه، قبل أن يعرف حجمها الحقيقي، وقد يكون قلقه مفهومًا، خصوصًا عندما يشعر أنَّ شيئًا كان يفعله بسهولة أصبح يحتاج منه إلى جهد أكبر، ومع ذلك، فليس كل تأخر في استحضار معلومة علامة مرضية، ولا كل شكوى من الذاكرة دليلًا على تراجعها.
توضح دراسات الشيخوخة المعرفية أنَّ القدرات العقلية لا تسير جميعها في اتجاه واحد، فسرعة معالجة المعلومات والذاكرة العاملة وبعض أشكال التفكير في المواقف الجديدة تميل إلى التراجع مع التقدم في العمر، بينما تحتفظ المعرفة المتراكمة، والمفردات، والخبرات المكتسبة بمستويات جيدة لدى كثير من الناس، وقد تستمر بعض هذه القدرات في التحسن إلى مراحل متقدمة؛ ولهذا قد يتأخر الإنسان في الوصول إلى إجابة؛ لكنه يستفيد من خبرته الطويلة في فهم السؤال وتقدير أبعاده.
والمشكلة أن الإنسان لا يقارن نفسه دائمًا مقارنة عادلة، فقد يتذكر سرعة بديهته قبل ثلاثين عامًا، ويغفل عما اكتسبه منذ ذلك الوقت من معرفة وتجربة، وإذا احتاج اليوم إلى إعادة قراءة مسألة كان يستوعبها بسرعة، فقد يرى في ذلك خسارة، مع أن سرعة التفكير ليست المقياس الوحيد لجودته، وبالطبع، لا تعني الخبرة أنَّ جميع القدرات تظل محفوظة؛ فبعض التغيرات حقيقية، وقد تؤثر في الحياة اليومية بدرجات متفاوتة.
لكن هناك فرقًا مهمًا بين ثلاثة أمور: أن تتراجع القدرة العقلية فعلًا، وأن يشعر الإنسان بأنها تراجعت، وأن يخاف مما قد يأتي بعد ذلك. هذه الحالات قد تجتمع، لكنها ليست شيئًا واحدًا، فقد تظهر الاختبارات انخفاضًا في أداء شخص لا يشعر بقلق كبير؛ بينما يشكو آخر من تراجع ذاكرته رغم أن أداءه لا يكشف ضعفًا واضحًا، وقد يتحول القلق نفسه إلى عبء يومي حتَّى إن لم يكن صاحبه يعاني اضطرابًا معرفيًا مثبتًا.
في دراسة كندية نشرتها الباحثتان «صوفيا مارينو وفانيسا تالر» عام 2026 في مجلة Journal of Neuropsychology، تناولتا العلاقة بين الشُّعور بالتراجع المعرفي، والقلق المصاحب له، والأداء في الاختبارات المعرفية، اعتمادًا على بيانات أكثر من اثني عشر ألف مشارك لم تكن النتائج على وتيرة واحدة؛ فقد حققت بعض الفئات الَّتي تشعر بالتراجع نتائج مماثلة، أو أفضل من غيرها في اختبارات محددة؛ بينما ظهرت فروق سلبية لدى بعض الفئات الأكبر سنًا، خصوصًا من تجاوزوا الخامسة والسبعين.
والدلالة هنا دقيقة: الشُّعور بأنَّ الذاكرة أصبحت أضعف لا يطابق بالضرورة مقدار الضعف الذي تقيسه الاختبارات؛ لكن هذا لا يجعل الشكوى وهمًا، ولا يلغي أهميتها الطبية المحتملة. إنّه يذكّرنا بأنَّ ما يشعر به الإنسان عن قدراته يحتاج إلى فهم، كما يحتاج أداؤه الفعلي إلى تقييم.
ومن جهة أخرى، فإن ما نعتقده عن الشيخوخة قد تكون له علاقة بصحتنا النفسية، ففي دراسة طولية نشرها الباحث «غابرييل براتي» عام 2024 في مجلة Psychology and Aging، استخدم بيانات أمريكية امتدت قرابة عشر سنوات، ووجد ارتباطًا بين تغير المعتقدات الَّتي ترى التراجع العقلي نتيجة حتمية للعمر، وتغير مؤشرات الرفاه النفسي، وأعراض القلق والاكتئاب.
هذه الدراسة لا تقيس الخوف من النسيان بصورة مباشرة، لكنها تكشف أهمية الصورة الَّتي يحملها الإنسان عن تقدمه في العمر، فمن يعتقد أنَّ قدراته محكوم عليها بالتدهور؛ قد يفسر الصعوبات اليومية بطريقة مختلفة عمن يعرف أنَّ بعض القدرات تتغير، وأنَّ بعضها الآخر قد يبقى مستقرًا، ولا يصح أن نستنتج من ذلك أن تعديل المعتقدات وحده يمنع التراجع المعرفي أو يعالج الاضطرابات النفسية.
أما الخوف نفسه، فقد تناولته مراجعة علمية نشرتها «سابين لوهمار وإيمي فيسك» في مجلة Aging الجزيرة Mental Health، وظهرت إلكترونيًا في ديسمبر 2025. جمعت المراجعة عشرين دراسة، تمثل ثماني عشرة عينة بحثية تضم «9288» مشاركًا، وبحثت العلاقة بين الخوف من الإصابة بالخرف وأعراض الاكتئاب، وقد وجدت معظم الدراسات ارتباطًا بينهما، بينما لم تجد دراسات أخرى ارتباطًا واضحًا، أو توصلت إلى نتائج مختلطة.
وهي نتائج تستحق الاهتمام، لكن حدودها لا تقل أهمية عنها؛ فمعظم الأدلة لا تسمح بالجزم بأنَّ الخوف هو الَّذي يسبب الاكتئاب؛ فقد تؤثر الحالة النفسية في مستوى الخوف، وقد تكون هناك عوامل أخرى مشتركة، كما أنَّ الخوف من الإصابة بالخرف أشد تحديدًا من القلق المعتاد بشأن ضعف الذاكرة، ولا ينبغي الخلط بينهما.
ومع ذلك، نستطيع أن نفهم لماذا قد يكون الخوف مرهقًا لصاحبه، فمن يفسر كل هفوة على أنها بداية مرض خطير قد يجد نفسه يراقب ذاكرته باستمرار، وإذا نسي اسمًا أو تأخر في استحضار معلومة، فقد يعيد التفكير في الموقف أكثر مما يستحق. هنا لا تكون المشكلة في الهفوة وحدها، وإنما في الاحتمالات التي يربطها بها، وقد يزداد هذا القلق عندما ترتبط الذاكرة في نظر الإنسان بقدرته على الاستقلال وإدارة شؤونه دون الاعتماد على الآخرين.
لكن ماذا لو كانت الحالة النفسية نفسها تؤثر في الذاكرة؟
هذا الاحتمال لا يمكن تجاهله، ففي دراسة نشرتها مجلة JAMA Network Open عام 2024، تابع الباحثون بيانات «8268» شخصًا في إنجلترا، تبلغ أعمارهم خمسين عامًا فأكثر خلال فترة امتدت إلى ستة عشر عامًا، ووجدوا أن زيادة أعراض الاكتئاب ارتبطت بتراجع أسرع في الذاكرة، وأنّ التراجع في الذاكرة ارتبط بدوره بتزايد أعراض الاكتئاب، ولم تظهر العلاقة المتبادلة بالصورة نفسها في جميع اختبارات القدرات المعرفية.
وتكشف هذه النتائج أنّ العلاقة بين الذاكرة والحالة النفسية قد تسير في الاتجاهين، فقد يجد الإنسان صعوبة في التركيز والتذكر بسبب اضطراب مزاجه، وقد تكون التغيرات المعرفية نفسها مصدرًا لضيق نفسي، ولذلك يصعب أحيانًا معرفة أين بدأت المشكلة دون تقييم يجمع بين الجانبين.
غير أن هذه الصورة لا تعني أن التقدم في العمر رحلة مستمرة نحو القلق والاكتئاب، فقد تناولت الباحثة «مارا ماذر» عام 2024 ما يعرف بمفارقة الانفعال في الشيخوخة؛ إذ تشير أبحاث إلى أنَّ الرفاه الانفعالي لدى كثير من الناس يبقى جيدًا، بل قد يتحسن خلال مراحل من العمر، رغم التغيرات الَّتي تطرأ على الجسد، وبعض القدرات المعرفية، وهذا يضع أمامنا حقيقة ينبغي ألا تغيب: ليس كل من تقدمت به السنوات أقل رضا عن حياته، ولا كل من تباطأت ذاكرته أصبح أشد خوفًا.
ولعل ما يستحق التأمل أنّ بعض الناس يتعاملون مع تغير قدراتهم بوصفه أمرًا يحتاج إلى تعديل أسلوب الحياة؛ بينما يراه آخرون تهديدًا لصورتهم عن أنفسهم، فمن اعتاد أن يعتمد على سرعة ذهنه في عمله، أو أن يعتز بقدرته على تذكر التفاصيل، قد يصعب عليه تقبل حاجته إلى وقت أطول أو إلى وسيلة مساعدة، وقد لا تكون خسارته العملية كبيرة، لكن المعنى الذي يمنحه لهذا التغير قد يزيد ثقله عليه.
وهذا تفسير إنساني محتمل، وليس حكمًا علميًا ينطبق على جميع الناس، فدرجة التأثر تختلف باختلاف الحالة الصحية، والشخصية، والبيئة الاجتماعية، وكذلك بحسب طبيعة التراجع نفسه، ولا يصح أن نطلب من الإنسان أن يتجاهل ما يحدث لقدراته بحجة أنَّ الخوف قد يضاعف معاناته، فبعض التغيرات يستحق الفحص، وقد تكون وراءه أسباب قابلة للعلاج، مثل اضطرابات النوم، ونقص بعض العناصر الغذائية، وآثار الأدوية، والاكتئاب، واضطرابات الغدة الدرقية. أما التراجع المتزايد، أو الذي يعطل المهام المعتادة، فلا ينبغي الاكتفاء بتفسيره بأنه نتيجة طبيعية للعمر.
ومن هنا تبدو المعرفة أكثر فائدة من الطمأنة السريعة، فالإنسان يحتاج إلى معرفة ما الذي تغير فعلًا، وما الذي بقي من قدراته، وما الذي يستطيع تحسينه أو التكيف معه، وقد تكون الاستعانة بالتدوين أو تنظيم المواعيد أو منح النفس وقتًا أطول للتفكير وسائل عملية جيدة، وليست اعترافًا بالعجز. إننا نستعين بالوسائل التي تسهّل حياتنا في مراحل العمر كلها، فلماذا تصبح هذه الوسائل مصدر حرج عندما نتقدم في السن؟
ولا ينبغي أيضًا أن نحصر قيمة الإنسان في سرعة تذكره أو استجابته. فالذاكرة مهمة، وكذلك الانتباه، والقدرة على التفكير؛ لكن الإنسان أوسع من أداء معرفي واحد، وقد تتغير طريقته في إنجاز أعماله دون أنَّ يفقد قدرته على الإسهام فيها، كما قد يحتاج إلى مساعدة في بعض الأمور دون أن يفقد استقلاله في أمور أخرى.
ولنعد إلى تلك الورقة الصغيرة التي بدأنا بها. ربما لم أكن بحاجة إلى القلق أصلًا، وربما كانت وراء كتابتها صعوبة حقيقية تستحق أن أفهمها. في الحالتين، لن تخبرنا الورقة وحدها عن سلامة ذاكرته أو ضعفها. الذي نحتاج إلى معرفته هو ما تغير في أدائي، وكيف أصبحت أنظر إلى نفسي بعد ذلك التغير.
فالتراجع المعرفي يستحق أن نفهمه، ونتعامل مع أسبابه، والخوف منه يستحق أن نصغي إليه أيضًا، وقد تبدأ معاناة الإنسان حين تتحول صعوبة محدودة في أداء مهمة إلى شك واسع في قدرته على إدارة حياته. أما الورقة التي تساعده على تذكر ما يريد، فليس في حملها ما يستوجب الخجل؛ إنها تؤدي عملها، وقد يكون ذلك وحده سببًا كافيًا للاحتفاظ بها.