«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
السينما ليست مجرد حكايات تُروى على الشاشة، بل نافذة تطل منها الشعوب على تجارب بعضها بعضًا، وتستكشف عبرها اختلاف الثقافات وتشابه الأسئلة الإنسانية حول الهوية والتاريخ والمجتمع. ومن هذا المنطلق، تستقبل الرياض الدورة الخامسة من مهرجان الأفلام الأوروبية، بمشاركة 16 فيلمًا من 16 دولة أوروبية، تتيح للجمهور السعودي التعرف على مدارس سينمائية متنوعة وما تحمله من رؤى فنية وإنسانية.
ينظم المهرجان مندوبية الاتحاد الأوروبي لدى المملكة، بالتعاون مع سفارات الدول الأعضاء، وشركة الصور العربية، وفوكس سينما، وفندق فيرمونت، وبدعم من هيئة الأفلام السعودية. وتستضيف فوكس سينما في سينشري كورنر بالرياض العروض خلال الفترة من 3 إلى 10 نوفمبر الجاري، بمشاركة أعمال حظيت بحضور وتقدير في محافل سينمائية دولية، من بينها مهرجانات كان والبندقية وبرلين وصندانس، إلى جانب أفلام نالت جوائز الأوسكار.
من كان إلى الأوسكار.. تجارب سينمائية تعبر الحدود
يتصدر الفيلم الإسباني «صراط» (Sir?t) للمخرج أوليفر لاشي العروض الجماهيرية، وهو الحائز جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي لعام 2025، ويقدم تجربة بصرية ذات أبعاد إنسانية، تتناول البحث عن المفقود ومواجهة المجهول في فضاء صحراوي مفتوح.
ومن لاتفيا يأتي فيلم «صمت ماريا» (Maria’s Silence)، مستعيدًا حكاية نجمة السينما الصامتة ماريا ليكو، في معالجة تاريخية ترصد مصيرًا إنسانيًا في ظل التحولات السياسية، وقد أُدرج ضمن اختيارات مهرجان برلين السينمائي.
وتشارك قبرص بفيلم «تمسّك بي» (Hold Onto Me)، الحائز جائزة الجمهور في مهرجان صندانس، فيما تقدم البرتغال فيلم «الحياة المضيئة» (The Luminous Life)، الذي يتناول الأحلام والبدايات الجديدة واكتشاف الذات، مستلهمًا أجواء لشبونة وتحولاتها الإنسانية.
أما فرنسا فتحضر بفيلم «ثلاثة عشر يومًا وثلاث عشرة ليلة» (13 Days, 13 Nights)، المعروض ضمن الاختيار الرسمي لمهرجان كان السينمائي لعام 2025، مستعيدًا أحداثًا استثنائية في معالجة مشحونة بالتوتر الإنساني والتاريخي.
ومن النرويج يأتي فيلم «القيمة العاطفية» (Sentimental Value)، الذي يضع العلاقات الأسرية والذاكرة والماضي في صميم حكايته، بينما تمثل إيطاليا بفيلم «النعمة» (La Grazia) للمخرج باولو سورينتينو، الذي افتتح مهرجان البندقية السينمائي عام 2025، ونال بطله توني سيرفيلو جائزة أفضل ممثل، متناولًا العلاقة بين السلطة والضمير والاختيارات الإنسانية.
وتحضر الدنمارك بالفيلم الوثائقي «السيد لا أحد في مواجهة بوتين» (Mr. Nobody Against Putin)، الحائز جائزة الأوسكار، ويرصد تأثير الدعاية السياسية في البيئة التعليمية من خلال تجربة معلم روسي يوثق التحولات التي شهدتها مدرسته في ظل الحرب، في معالجة تتجاوز تسجيل الأحداث إلى مساءلة أثرها على الإنسان والحقيقة.
الذاكرة والهوية.. حكايات تكشف تحولات المجتمعات
وتتسع خريطة المهرجان لتشمل الفيلم البولندي «مينغون» (Minghun) للمخرج يان بي ماتوشينسكي، الذي يستكشف علاقة الإنسان بالفقد والموت والذاكرة والتقاليد العائلية، فيما تقدم إيرلندا فيلم «دع الأرض تتحدث» (Listen to the Land Speak)، المحتفي بعلاقة الإنسان بالأرض والطبيعة، والحائز جائزة أفضل تصوير سينمائي في مهرجان غالواي السينمائي.
ومن مالطا يأتي فيلم «تشاو! تشاو!» (Ciao! Ciao!)، في معالجة تمزج الكوميديا والدراما، وتستكشف الصداقة وما تكشفه المواقف من حقائق غير متوقعة، فيما تشارك النمسا بالفيلم الوثائقي «السفير الأخير» (The Last Ambassador)، متناولًا الشجاعة وحقوق المرأة من خلال حكاية ذات أبعاد اجتماعية وسياسية.
وتقدم فنلندا فيلم «العودة إلى الوطن» (Homecoming – M?hccan)، الذي يقترب من ثقافة شعب السامي الأصلي وجهوده للحفاظ على تراثه وهويته، مسلطًا الضوء على حق المجتمعات في صون ذاكرتها الثقافية.
وتشارك رومانيا بفيلم «شلة كلية الحقوق» (Ga?ca de la Drept)، في تجربة درامية كوميدية تتناول الحياة الجامعية والصداقة، بينما تقدم أوكرانيا الفيلم الوثائقي «ألفا متر إلى أندرييفكا» (2,000 Meters to Andriivka) للمخرج مستيسلاف تشيرنوف، الحائز جائزة الأوسكار عن فيلمه «عشرون يومًا في ماريوبول» (20 Days in Mariupol)، متابعًا تجربة ميدانية قاسية في الحرب، وما تتركه من آثار إنسانية على الأفراد.
وتكتمل قائمة المشاركات بالفيلم الألماني «بطل برلين» (Berlin Hero)، ليبلغ إجمالي العروض 16 فيلمًا تمثل الدول المشاركة.
من مشاهدة الأفلام إلى آفاق الإنتاج المشترك
إلى جانب العروض السينمائية، يتضمن المهرجان جلسات حوارية وفعاليات متخصصة ودروسًا سينمائية تجمع صنّاع الأفلام الأوروبيين والسعوديين، وتتيح تبادل الخبرات ومناقشة أساليب الإنتاج والسرد البصري، واستكشاف فرص التعاون بين الجانبين.
وفي هذا السياق، يقدم المنتج المشارك بويان ماستيلوفيتش محاضرة بعنوان «الإنتاج المشترك مع أوروبا»، في 7 نوفمبر الجاري، عند الساعة الرابعة والنصف مساءً، في فوكس سينما – سينشري كورنر بالرياض.
تناقش المحاضرة آفاق الإنتاج السينمائي العربي الأوروبي المشترك، وآليات الوصول إلى مصادر التمويل الأوروبية، ومتطلبات الشركاء في مشاريع الإنتاج المشترك، والفرص المتاحة أمام المنتجين السعوديين. ويعقبها لقاء مفتوح للأسئلة والنقاش حول الجوانب العملية والتمويلية للإنتاج الدولي.
تستند المحاضرة إلى خبرة ماستيلوفيتش الإنتاجية، ومن بينها مشاركته في إنتاج فيلم «ما يأتي من حولنا» (What Comes Around)، وفيلم «إبراهيم: قدرٌ يُحدد المصير»، الحائز جائزة أفضل فيلم وثائقي عربي في مهرجان الجونة السينمائي؛ بما يربط بين التجارب المعروضة وآليات إنتاجها وفرص التعاون معها.
تأتي الدورة الخامسة في وقت يشهد فيه القطاع السينمائي السعودي توسعًا في حضوره الثقافي والإنتاجي، ونموًا في اهتمام الجمهور بالأعمال القادمة من مدارس مختلفة. وتوفر المهرجانات المتخصصة نافذة للاطلاع على تجارب جديدة، وتوسيع خيارات المشاهدة، وتعزيز التواصل بين المواهب المحلية ونظرائها الدوليين.
تُعرض الأفلام بترجمة إلى اللغتين العربية والإنجليزية خلال الفترة من 3 إلى 10 نوفمبر، بما يتيح للجمهور متابعة مضامينها والتفاعل مع موضوعاتها، من الدراما والوثائقي إلى قضايا الهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية.
وبتنوع حكاياتها ومرجعياتها الثقافية، تمنح الدورة الخامسة من مهرجان الأفلام الأوروبية جمهور الرياض فرصة لاكتشاف تجارب سينمائية مختلفة، وتؤكد قدرة لغة الصورة على فتح آفاق للتعارف والحوار بين الثقافات.