د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
شغلت منطقة اليمامة مكاناً بارزاً في مؤلفات الجغرافيين والرحالة المسلمين عبر العصور، بالنظر إلى مكانتها الإستراتيجية في قلب شبه الجزيرة العربية، ووفرة مياهها ونخيلها، وإرثها الحضاري المرتبط بقبائل عريقة مثل بني حنيفة.
يقدّم هذا المسرد الزمني استعراضاً شاملاً لأبرز ما قيل عن اليمامة من القرن الرابع إلى القرن الثامن الهجري، ليعكس صورة حيَّة عن تحولاتها السياسية والجغرافية.
1. القرن الرابع الهجري
شهد القرن الرابع الهجري توثيقاً دقيقاً لليمامة كواحدة من أكبر حواضر الجزيرة العربية، حيث ركز الجغرافيون على المقارنة بين مدنها الرئيسية وخاصة «حَجْر» و«الخضرمة».
«أبو محمد الحسن الهمداني (ت 334 هـ): فقد قال في صفة جزيرة العرب، ص 261:
«واليمامة بلد واسع، مدينتها العظمى حَجْر، وهي دار بني حنيفة ومنازلهم، وبها نخيل كثيرة ومزارع، وهي من أخصب بلاد نجد وأكثرها خيرات.»
«ابن حوقل الموصلي (القرن الرابع الهجري): فقد قال في صورة الأرض، ص 34:
«وأما اليمامة فواد، والمدينة به تسمى الخضرمة دون مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي أكثر نخيلاً وثمراً من المدينة ومن سائر الحجاز.
وليس بالحجاز بعد مكة والمدينة أكبر من اليمامة، ويليها في الكبر وادي القرى، وهي ذات نخيل أيضاً.»
«أبو عبد الله محمد بن أحمد المقدسي (ت 380 هـ): فقد قال في أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 99:
«وقصبة اليمامة حَجْر، وهي مدينة كثيرة النخل، طيبة التمر، غزيرة المياه، وبها أسواق صالحة، وهي قصبة جليلة رخيصة الأسعار.»
2. القرن السادس الهجري
استمرت اليمامة في كتابات هذا العصر كأرض زراعية خصبة تمتاز بعيونها الجارية الممتدة.
«الشريف الإدريسي (ت 560 هـ): فقد قال نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ج 1، ص 155:
«وأما اليمامة فبلاد من نجد وهي عامرة آهلة، وفيها مياه جارية وعيون نابعة، ونخيل كثيرة متصلة، ومدينتها تسمى حَجْر.»
3. القرن السابع الهجري
اتسمت كتابات القرن السابع بالشمولية، حيث جُمعت التسميات التاريخية ووُصفت القبائل المحيطة بحواضر اليمامة.
«ياقوت الحموي (ت 626 هـ): فقد قال في معجم البلدان، ج 5، ص 441:
«اليمامة: معدودة من نجد، وهي في الأصل اسم لمدينة حَجْر قصبة اليمامة، وقيل اليمامة ولاية واسعة تشتمل على قرى ومزارع ونخيل...»
«ابن سعيد المغربي (ت 685 هـ): فقد قال في كتاب الجغرافيا، ص 120:
«وبلد اليمامة كان مقر الملوك قبل بني حنيفة، ثم اتخذ بنو حنيفة حجراً، وبينهما يوم وليلة، وبظواهرها أحياء من بني يربوع من تميم، وأحياء من بني عجل.»
4. القرن الثامن الهجري
يمثِّل هذا القرن رصداً حياً لليمامة عبر رحلة ابن بطوطة الشهيرة، مؤكداً بقاء السيادة العشائرية لبني حنيفة فيها.
ابن بطوطة (ت 779 هـ): فقد قال في كتاب: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، ص 164:
«ثم سافرنا منها إلى مدينة اليمامة وتسمى أيضا بحجر، مدينة حسنة خصبة ذات أنهار وأشجار، يسكنها طوائف من العرب، وأكثرهم من بني حنيفة، وهي بلدهم قديماً، وأميرهم طفيل بن غانم، ثم سافرت منها في صحبة هذا الأمير برسم الحج.»
ويظهر من خلال تتبع هذا المسرد الزمني أن اليمامة حافظت على مكانتها كإقليم زراعي واقتصادي حيوي في قلب الجزيرة العربية لقرون طويلة.
ورغم تباين بعض الجغرافيين في تحديد المدينة الرئيسية (القصبة) بين «حَجْر» (التي تمثِّل الرياض الحالية في مكانها) و«الخضرمة» (في الخرج)، إلا أن القاسم المشترك بين جميع النصوص هو الإشادة بوفرة المياه، وضخامة إنتاج النخيل، وثبات الوجود القبلي لبني حنيفة في المنطقة حتى العصور المتأخرة.