صالح الشادي
في أوقات الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يبرز دور المندسّين كعامل خفي يعمل على زعزعة الاستقرار وإضعاف الجبهة الداخلية. والمندسّ هو من يتسلل إلى صفوف جماعة أو مجتمع ليعمل لصالح جهة أخرى، فينقل الأخبار، أو يبث الشائعات، أو يثير الفتن، أو يضخم الأمور، بهدف تفكيك النسيج الاجتماعي وإرباك الساحة الداخلية. ولم يعد الاندساس مقصوراً على الميدان المادي، كما في بعض النماذج التاريخية التي يُتقن فيها المندسّ لغة الطرف الآخر وملامحه ليتسلل بين صفوفه، بل امتد إلى الفضاء الرقمي حيث صارت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة له. وهؤلاء لا يظهرون بالضرورة في صورة عميل محترف، بل قد يتخفون في صورة ناشط أو إعلامي أو مثقف أو مواطن غيور، يرفعون شعارات الوطنية والحرص على المصلحة العامة، بينما يعملون في الخفاء على تمرير أجندات خارجية أو تفكيك الجبهة الداخلية عبر توجيه الرأي العام، وتشويه صورة المجتمع، وزرع الشك بين أبنائه.
وفي وسائل التواصل، يتخذ المندسّون أشكالاً متعددة: حسابات وهمية، وصفحات منتحلة، ومعلّقون يبثون سمومهم، وكتّاب ومثقفون يتظاهرون بالحرص على الصالح العام، بينما يسعون إلى إحداث شرخ في المجتمع وتفريق أبنائه.
ومن أبرز أساليبهم نشر الشائعات والأخبار الزائفة، وتهويل الأمور وتضخيمها بشكل مبالغ فيه، وإشعال الفتن الطائفية أو القبلية أو الجهوية، والتحريض على العنف والكراهية، وبث اليأس والإحباط، والتشكيك في الحقائق الثابتة. وهم يستغلون الأزمات السياسية والاقتصادية لتأجيج الغضب الشعبي وتحويله إلى فوضى وصراعات داخلية بدلاً من توجيهه نحو الحلول السلمية. كما يعمدون إلى اقتطاع العبارات من سياقها، وإعادة نشرها بشكل مضلل، وترويج أخبار كاذبة عن قصد، لإحداث بلبلة وإرباك في صفوف المجتمع، لا سيما في أوقات الأزمات.
وأهدافهم واضحة: هز الجبهة الداخلية، وتفريق الشعوب، وإضعاف الثقة بين أفراد المجتمع وبينهم وبين مؤسساتهم، وتمهيد الأرض لتدخلات خارجية، وإشغال الناس بأنفسهم بدلاً من مواجهة التحديات الحقيقية. وهم يعملون على خلق مناخ من الشك والريبة، حتى يصبح الجميع مشتبهاً به، مما يعطّل القدرة على التنظيم ويوهن الروابط الاجتماعية. وقد يصل الأمر بهم إلى إفقاد المجتمع بوصلته، وخلط الأوراق، وإرباك الرأي العام، وتشويه الحقائق أو تقديمها ناقصة، وقلب الصورة بحيث يصبح الضحية مجرماً والمجرم ضحية.
ومن المستفيد من كل ذلك؟ المستفيد الأول هو الجهات التي تتربص بالمجتمع وتريد إضعافه من الداخل، سواء كانت جهات خارجية لها أجندات خاصة، أو جماعات مؤدلجة تسعى إلى إثارة الفوضى لتحقيق مكاسب آنية، أو لتصفية حسابات، أو لإخفاء فشلها. لكن في النهاية، الخاسر الأكبر هو المجتمع نفسه: وحدته، واستقراره، وثقته، وأمنه. فالمندسّون يعملون على إشعال الفتن ونشر الشائعات من أجل إرباك الساحة الداخلية، وإشغال الرأي العام بقضايا هامشية أو مصطنعة، وصرف الأنظار عن القضايا الجوهرية.
ولا يظهر المندسّون بعلامات مميزة، لكن هناك مؤشرات يمكن التنبه لها: الإسراف في نشر الأخبار غير الموثوقة، والتركيز على إثارة الفتن والانقسامات، واستخدام لغة التحريض والكراهية، والمبالغة في التهويل، والهجوم على كل من يحاول تهدئة الأوضاع، ومحاولة إسكات الأصوات العاقلة، والظهور بمظهر الوطني الغيور بينما يبث سمومه.
كما أن الحسابات الوهمية غالباً ما تكون حديثة الإنشاء، أو تنشر بوتيرة عالية، أو تكرر نفس الرسائل، أو تنسق مع حسابات أخرى. ويجب على المجتمع أن يتحلى بالوعي والحذر: فلا يشارك خبراً قبل التحقق منه، ولا ينخرط في نقاشات تحريضية، ولا ينجرف وراء دعوات العنف، ويحافظ على وحدته الوطنية، ويدعم الأصوات المعتدلة التي تدعو إلى الحلول العقلانية.
وفي ظل الأزمات السياسية الحالية، تزداد خطورة المندسّين، لأن الناس يكونون أكثر عرضة للتأثر بالشائعات، وأكثر استعداداً للغضب، وأقل قدرة على التحقق من المعلومات. لذلك يجب على المجتمع أن يكون يقظاً، وألا يسمح لهؤلاء بزرع الفتنة بين أبنائه، وأن يدرك أن المندسّ قد يبدو وكأنه بيننا داخل وسائل التواصل ، يتحدث لغتنا، ويرفع شعاراتنا، لكن قلبه وعقله يعملان لصالح جهة أخرى. إن مواجهة المندسّين ليست معركة أمنية فقط، بل معركة وعي. وكلما ارتفع مستوى الوعي الجماعي، وكلما تعلم الناس كيفية قراءة السلوكيات المشبوهة، وكلما تمسكوا بوحدتهم وثقتهم المتبادلة، ضاقت المساحة أمام المندسّين لتنفيذ أجنداتهم التخريبية. فالخطر الأكبر ليس في عددهم، بل في قدرتهم على تحويل النصر إلى هزيمة، والحلم إلى كابوس. فلنحذر، ولنكن يداً واحدة في وجه كل من يحاول النيل من مجتمعنا، ولنعلم أن التهويل وإشعال الفتن ونشر الشائعات ليس بريئاً، بل هو سلاح خطير في يد من يريد بنا الشر.