سعدون مطلق السوارج
ليست ذاكرة مكة المكرمة محصورة في جدران المسجد الحرام، ولا في معالمها العمرانية التي تعاقبت عليها القرون؛ إنها ذاكرة تختزن حكايات الإنسان، وملامح الحياة، وتفاصيل الرحلة الإيمانية التي شدت إليها قلوب المسلمين من أرجاء العالم. ومن هنا، لا تكتمل قراءة تاريخ مكة بالنظر إلى المباني وحدها، بل تحتاج إلى ما حفظته الصور والوثائق والخرائط والمخطوطات والتسجيلات الصوتية والمرئية، بوصفها شواهد تنقل إلى الأجيال صورة المكان والإنسان عبر الأزمنة.
الصورة التاريخية ليست مشهداً عابراً من الماضي؛ إنها وثيقة صامتة تكشف في تفاصيلها ما قد لا تسرده الصفحات المكتوبة. وحين نتأمل صورة قديمة للمسجد الحرام، فإننا لا نرى بناءً فحسب، بل نقرأ هيئة المكان واتساعه وطرائق الوصول إليه وحركة الناس في محيطه، وما طرأ على العمران والخدمات من تحولات. أما التسجيل الصوتي، فيعيد إلى الذاكرة نبرة الراوي ولهجته ومفرداته، ويمنح الحكاية الإنسانية حضوراً لا تستطيع الصورة وحدها أداءه.
تقدم البدايات المبكرة للتصوير الفوتوغرافي في مكة والحرمين مثالاً واضحاً على قيمة الذاكرة البصرية. فقد تناول ملتقى «تاريخ الحج والحرمين الشريفين»، الذي نظمته دارة الملك عبدالعزيز بالتعاون مع وزارة الحج والعمرة وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن عام 2025، بدايات التصوير في المشاعر المقدسة، واستعرض المعلومات المتعلقة بأول صورة للحرمين الشريفين بعدسة المصور محمد صادق عام 1861م. كما تحتفظ مجموعات تاريخية بصور نادرة التقطها محمد صادق باشا لمكة والمدينة عام 1880م، إلى جانب مؤلفاته التي سجلت جوانب من رحلات الحج وطرقه ومشاهده.
تتجاوز أهمية هذه الصور حدود جمالها أو ندرتها؛ فهي تتيح المقارنة بين مراحل تاريخية متباعدة، وتساعد على قراءة التحولات العمرانية والاجتماعية، وتمنح الباحثين مادة أصلية لفهم المكان في سياقه الزمني. كما أن توثيق اسم المصور وتاريخ الصورة وموقعها وربطها بالمصادر الأخرى يحولها من مقتنى محفوظ إلى شاهد تاريخي قابل للفحص والدراسة.
وفي هذا السياق، يبرز «الأطلس المصور لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة» الذي أصدرته دارة الملك عبدالعزيز، جامعاً الصورة والرسم والمعلومة التاريخية في عمل توثيقي واحد. فقد امتد رصده من القرن الخامس الهجري إلى النصف الأول من القرن الخامس عشر الهجري، وضم رسومات وصوراً وشواهد عن مكة والمشاعر المقدسة، من بينها نماذج من الصور الفوتوغرافية التي ظهرت عام 1297هـ / 1880م. ولم تتوقف قيمة هذا العمل عند حدود النشر المحلي؛ إذ أودعت نسختاه العربية والإنجليزية في المتحف البريطاني ومكتبة الكونغرس الأمريكية، ليكون مرجعاً متاحاً للباحثين والمهتمين بتاريخ مكة والحج في المؤسسات العلمية الدولية.لكن ذاكرة مكة لا تختصرها صور الحرم وحدها؛ فخلف المشهد المقدس تاريخ إنساني واجتماعي صنعته أجيال من أهل مكة، ومن خدموا الحجاج، ومن ارتبطت أعمالهم بمواسم الحج. ففي الصور والوثائق والروايات الشفوية يمكن الاقتراب من ملامح الأسواق والطرقات والمساكن والحرف ومهن الطوافة والسقاية، ومن تفاصيل استقبال الحجاج وإرشادهم وخدمتهم. وهذه التفاصيل تمثل جزءاً أصيلاً من تاريخ المدينة؛ لأنها تكشف كيف تشكلت الحياة حول الحرم، وكيف تداخلت الوظائف الاجتماعية والاقتصادية مع إيقاع المواسم الدينية.
ومن هنا تكتسب الرواية الشفوية أهميتها؛ فهي تحفظ ما قد لا نجده في السجلات، من أسماء وأحداث وعادات وتفاصيل يومية، وتمنح الوثيقة المكتوبة سياقاً إنسانياً يضيء جوانبها. فحين يتحدث أحد كبار السن عن طريق قديم للحجاج، أو سوق اندثر، أو مهنة ارتبطت بخدمة ضيوف الرحمن، فإنه يقدم جزءاً من تاريخ المجتمع وتحولاته. وتزداد قيمة هذه الروايات حين تسجل وتراجع وتقارن بالشواهد المادية، حتى لا تبقى عرضة للنسيان أو اختلاف النقل.
وتقدم دارة الملك عبدالعزيز نموذجاً بارزاً في حفظ هذه الذاكرة؛ إذ يضم أرشيفها أكثر من مليون صورة فوتوغرافية، وما يزيد على عشرة آلاف ساعة من المقابلات الشفوية، إلى جانب أفلام وتسجيلات تاريخية نادرة. وهذه الأرقام لا تعبر عن حجم المقتنيات فحسب، بل عن اتساع مشروع حفظ الذاكرة الوطنية وتنوع مصادره بين الصورة والصوت والشهادة الحية. كما تؤدي الرقمنة والمعالجة دوراً أساسياً في حماية هذه المواد وإتاحتها للبحث، بما يضمن استمرار صلتها بالأجيال المقبلة.
وفي المسار ذاته، تواصل مكتبة الملك عبدالعزيز العامة حفظ التراث السمعي والبصري؛ إذ تضم مجموعاتها أكثر من ثلاثين ألف صورة تاريخية ونحو عشرة آلاف مادة سمعية وبصرية نادرة، تشمل الأفلام والأسطوانات والمواد المصورة وغيرها. ومن بين ما عرضته المكتبة فيلم «أعظم الرحلات.. الحج إلى مكة على خطى ابن بطوطة»، الذي يستحضر رحلة الحج في الذاكرة التاريخية، كما تقتني مواد مصورة تسجل محطات تاريخية، من بينها فيلم عن زيارة الأميرة أليس إلى المملكة عام 1938م.
ولا تكتمل منظومة الحفظ بمجرد جمع الصور والأفلام والتسجيلات؛ فالمادة التاريخية تحتاج إلى عناية علمية تحمي أصلها من التلف وتضمن إمكان الرجوع إليها. وفي هذا الجانب، أنجز مركز الترميم والمعالجة بمكتبة الملك عبدالعزيز العامة ترميم ومعالجة 10,861 مادة من مقتنيات المكتبة، شملت الصور التاريخية والوثائق والخرائط والكتب النادرة والمخطوطات والصحف والدوريات. وهي جهود تتجاوز صيانة المقتنى إلى حماية الشاهد الذي يسجل تاريخ المكان وتحولاته.
أما التوثيق المتصل بالحج والعمرة، فقد أصبح مجالاً معرفياً تتداخل فيه جهود المؤسسات البحثية والثقافية. ويؤدي معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة بجامعة أم القرى دوراً في دراسة قضايا الحج والعمرة وتوثيق جوانبها، فيما تمثل المواد المصورة والأفلام الوثائقية سجلاً بصرياً للتحولات التي شهدتها رحلة الحاج، وللخدمات والمرافق المرتبطة بها. وتتيح هذه المواد تتبع تطور وسائل النقل والإقامة والإرشاد والتنظيم، وتكشف اتساع التجربة من رحلة شاقة تستغرق زمناً طويلاً إلى منظومة خدمات متكاملة تستقبل ملايين القادمين من مختلف أنحاء العالم.
وتتجسد قيمة الشاهد المادي كذلك في معرض عمارة الحرمين الشريفين بمكة المكرمة، الذي يجمع مقتنيات وصوراً ومخطوطات ونقوشاً ومجسمات تروي مراحل من تاريخ عمارة المسجد الحرام والمسجد النبوي. ومن بين شواهده لوح رخامي يعود إلى عام 1073هـ / 1662م، يرتبط بأعمال في أروقة المسجد الحرام، فيقدم دليلاً مادياً على جانب من تاريخ العمارة والعناية بالحرم قبل أكثر من ثلاثة قرون. ويتيح المعرض للزائر رؤية بعض العناصر المعمارية والمقتنيات التاريخية عن قرب، وقراءة امتداد العناية بالحرمين عبر الحقب المتعاقبة.
وعندما ننتقل إلى العهد السعودي، نجد أن تاريخ عمارة المسجد الحرام وتوسعته يمثل واحداً من أبرز فصول العناية المتواصلة بالبيت العتيق. فمنذ عهد الملك عبدالعزيز، وما تلاه من أعمال في عهد أبنائه الملوك، وصولاً إلى التوسعات الكبرى في عهد الملك عبدالله واستمرارها في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، تتجلى مسيرة جمعت بين صيانة المكان وتطوير مرافقه واستيعاب الأعداد المتزايدة من الحجاج والمعتمرين. وهذه المسيرة ليست مجرد أرقام للمشروعات أو مراحل للبناء؛ إنها تاريخ يمكن قراءته في الصور والخرائط والمخططات والوثائق، وفي الشواهد المعمارية التي تحفظ ملامح كل مرحلة.
وفي هذا الامتداد، تبرز عناية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بالحرمين الشريفين، وما شهدته مكة المكرمة من مشروعات تطويرية وخدمية في عهده، ضمن منظومة وطنية تتقدم فيها خدمة ضيوف الرحمن أولوية ثابتة. كما يواكب صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، هذا المسار في إطار رؤية السعودية 2030، التي جعلت الارتقاء بتجربة الحاج والمعتمر وإثراء تجربته الثقافية والتاريخية جزءاً من مستهدفاتها. وقد أظهر التقرير السنوي لبرنامج خدمة ضيوف الرحمن لعام 2024 تنفيذ 89 مبادرة بالتعاون مع أكثر من 40 جهة حكومية، بما يعكس اتساع العمل المؤسسي وتكامل الجهات في خدمة هذه الرحلة المباركة.
ومن الشواهد الحديثة على حضور الذاكرة التاريخية في المشهد المكي، استراتيجية المواقع التاريخية والإثرائية التي أطلقتها الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وحملة «ذاكرة مكة» التي عرّفت بالمواقع التاريخية وقيمتها. وقد أسهمت الجهود المنفذة منذ مطلع عام 2024 في تطوير 28 موقعاً تاريخياً، وتأهيل 28 موقعاً آخر، وتوثيق 60 موقعاً، وإتاحة 27 موقعاً للزيارة، وإنشاء سبعة مراكز لخدمة الزوار. وتجاوز عدد زوار المواقع 17.5 مليون زائر، فيما بلغت نسبة رضاهم 97.5 %؛ وهي مؤشرات تكشف اتساع الاهتمام بالموروث المكي وتحويله إلى تجربة معرفية وثقافية حية.
إن ما يجمع هذه الجهود، من الأرشيفات والصور والأفلام إلى المعارض والمواقع التاريخية ومشروعات الترميم، هو إدراك أن صون مكة لا يقتصر على حماية مبانيها ومعالمها، بل يشمل حفظ ذاكرتها بما تحمله من شواهد إنسانية وحضارية وإيمانية. فالصورة تحفظ هيئة المكان، والصوت يصون نبرة الإنسان، والوثيقة تثبت الواقعة، والأثر يمنح التاريخ حضوره المادي؛ وحين تجتمع هذه العناصر في عمل علمي منظم، تصبح الذاكرة أكثر قدرة على مقاومة النسيان، وأكثر غنى في مخاطبة الأجيال.
مكة المكرمة ليست مدينة تُروى حكايتها من الماضي وحده، ولا مكاناً تُقرأ عظمته من الحاضر وحده؛ إنها تاريخ متصل، تتجاور فيه آثار القرون مع مشروعات العصر، وتلتقي فيه ذاكرة الحجاج بخبرة أهلها، وتظل فيه خدمة ضيوف الرحمن عنواناً ثابتاً للعناية السعودية. وحين تحفظ الصورة والصوت والوثيقة تفاصيل هذه الرحلة، فإنها لا تصون ماضياً مضى فحسب، بل تحفظ للأجيال القادمة حقها في معرفة كيف تشكل هذا الإرث، وكيف امتدت عناية المملكة به، وكيف بقيت مكة حاضرة في وجدان المسلمين؛ ذاكرةً لا تنطفئ، وتاريخاً لا ينقطع، ومكاناً تتجدد خدمته جيلاً بعد جيل.
** **
- باحث ومؤرخ في التراث الكويتي والخليجي