عادل بن محمد القاسم
لا تُبنى الهوية الوطنية في يوم واحد، ولا تترسخ بشعار عابر؛ إنها حكاية وطن تتوارثها الأجيال، وقيم تجمع أبناءه، وذاكرة تمنحهم شعورًا بالانتماء والمسؤولية. وحين تحرص الدولة على إحياء محطاتها الوطنية، وتمنحها حضورًا في حياة الناس ومؤسساتهم، يصبح تأصيل الهوية مشروعًا وطنيًا ممتدًا يربط الماضي بالحاضر، ويهيئ الأجيال للمستقبل.
وقد أولت المملكة العربية السعودية عناية كبيرة بهويتها الوطنية، وأبرزت عناصرها من خلال مناسبات تستحضر محطات تأسيس الدولة ومسيرتها. فجاء يوم التأسيس مناسبةً للاعتزاز بالجذور التاريخية للدولة السعودية، واستحضار بداياتها وما قامت عليه من وحدة واستقرار وامتداد. وأصبح فرصةً للتعريف بتاريخ الوطن، وربط الأجيال بسيرة تأسيسه وما شهدته هذه الأرض من تحولات صنعت حاضرها.
ويأتي اليوم الوطني ليجدد معنى الوحدة والانتماء، ويستحضر توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز، رحمه الله، وما تحقق بعدها من بناء وتنمية. أما يوم العلم فيمنح راية المملكة حضورًا خاصًا في الوعي العام، بوصفها رمزًا للدولة وقيمها ورسالتها، وما تحمله من دلالات راسخة في وجدان كل مواطن.
والاحتفاء بهذه الأيام الوطنية مسؤولية مشتركة، ومن المرتكزات التي ينبغي أن تحضر في خطط وبرامج القطاعات في المملكة، في القطاعين العام والخاص. فهو واجب وطني على الجهات والمؤسسات، كلٌّ في مجال عمله، بأن تتفاعل مع هذه المناسبات بما يليق بمكانتها، وأن تسهم في تعريف الأجيال بمعانيها وتعزيز حضورها في المجتمع. فالقطاع العام بما يملكه من مؤسسات تعليمية وثقافية وإعلامية، والقطاع الخاص بما لديه من منصات وموارد ومساحات للتواصل، شريكان في ترسيخ الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية.ولا تقتصر قيمة هذه المناسبات على الاحتفاء بها، بل تتسع بما يصاحبها من تفاعل مجتمعي وبرامج ثقافية وتعليمية وأنشطة في المدارس والجامعات والمكتبات والمتاحف والمراكز الثقافية، وكذلك في بيئات العمل ومؤسسات القطاع الخاص، فحين يشارك الطفل في نشاط يتعرف من خلاله إلى رموز وطنه، ويطّلع الشاب على قصة تاريخية موثقة، وتشهد الأسرة معرضًا يعرّفها بتاريخ منطقتها وتراثها، تتحول المناسبة إلى معرفة وتجربة وأثر يبقى بعد انتهائها.
وتكتمل الهوية الوطنية بالتعرّف إلى تنوع مناطق المملكة وثراء ثقافاتها؛ من الأزياء والأطعمة والألعاب الشعبية إلى الحرف والفنون والعادات التي تحفظ ذاكرة المجتمع. فهذه التفاصيل ليست مظاهر منفصلة عن تاريخ الوطن، بل شواهد على حياة الناس وقيمهم، وجزء من القصة الوطنية الجامعة، وكلما عرف أبناء المناطق بعضهم بعضًا، اتسعت صورة الوطن في وجدانهم، وازداد إدراكهم أن تنوعه مصدر غنى وتكامل.
ومن هنا، فإن استحداث المناسبات الوطنية وإبرازها يعكس اهتمام الدولة، أيدها الله، بتعزيز الهوية الوطنية وتأصيلها في النفوس، ويتعزز أثر هذه المناسبات حين يمتد حضورها على مدار العام، من خلال توثيق التاريخ المحلي، وتطوير المحتوى الموجّه للناشئة، وإتاحة مصادر المعرفة، وتقديم القصص الوطنية بأساليب تناسب الأجيال الجديدة، مع المحافظة على دقتها وأصالتها.
إن الهوية الوطنية مسؤولية تبدأ من الأسرة، وتعززها المدرسة، وتدعمها مؤسسات الثقافة والإعلام، ويثريها الباحثون والمبدعون وأبناء المناطق، ويشارك في ترسيخها القطاعان العام والخاص، وحين تتكامل هذه الجهود، تصبح المناسبات الوطنية محطاتٍ للتعلم والحوار، ويغدو الانتماء معرفةً وسلوكًا ومشاركة.فالاعتزاز بالهوية لا يعني الوقوف عند الماضي، بل استلهام جذوره لبناء المستقبل، وكلما عرف الجيل تاريخ وطنه، واعتز برايته، وفهم دلالات مناسباته، ازداد شعوره بمسؤوليته تجاهه، وأصبح أقدر على المشاركة في نهضته ونقل هويته إلى الأجيال القادم.