د. منى بنت سعيد القحطاني
يسقط برج المكعبات، فيغيّر الطفل ترتيب القطع ويحاول مجددًا، تراقبه معلمته، ثم تدعوه إلى التفكير فيما يجعل البناء أكثر ثباتًا. في هذا المشهد البسيط تتجسد قيمة المنهج؛ تجربة تتيح التفكير، وسؤال يوسع الفهم، ومساحة آمنة للمحاولة، ومن هنا يبدأ الحديث عن مناهج الطفولة، وعن قدرتها على تحويل السياسات التعليمية إلى تعلم يعيشه الطفل.
وفي سياق العناية بهذه البدايات، أتاح ملتقى «الرعاية والتعليم في الطفولة المبكرة: السياسات والمناهج - الواقع والتجارب العالمية»، الذي نظمه مكتب التربية العربي لدول الخليج، فرصة للتأمل في هذه العلاقة، وبرز في عرض اليونيسف التأكيد على الإنصاف، ومشاركة الأسرة، وتأهيل المعلمين، والتعلم باللعب. وهي توجهات تضعنا أمام سؤال عملي: كيف تنعكس هذه الأولويات في يوم الطفل داخل الروضة؟
وتتجلى قيمة مناهج الطفولة في قدرتها على ترجمة هذه التوجهات إلى خبرات تستجيب لنمو الأطفال واحتياجاتهم. وتكتمل إتاحة التعليم بضمان جودة ما يعيشه الطفل داخل بيئته التعليمية؛ من استقبال يحفظ شعوره بالأمان، إلى فرص للتعبير والاستكشاف، ودعم يساعده على تجاوز تعثره. ويقتضي الإنصاف تنويع الدعم وفق احتياجات الأطفال، بما يتيح لكل منهم مشاركة حقيقية وفرصة للتقدم.
غير أن ترجمة هذه التوجهات إلى واقع تستدعي الوقوف عند الفجوة المحتملة بين تصميم المنهج وتنفيذه. فقد يدعو المنهج إلى الاستكشاف والمبادرة، بينما تنشغل الممارسة باستكمال الأنشطة وإنتاج أعمال متشابهة. وقد تُختزل متابعة التعلم في عدد الأوراق المنجزة، فيما تمر أسئلة الطفل ومحاولاته دون التفات كافٍ. لذلك، ينبغي أن تكشف متابعة التنفيذ ما يفهمه الطفل، وكيف يتعلم، ومدى اتساق الخبرات المقدمة مع أهداف المنهج.
وتظهر أهمية هذا الاتساق في الطريقة التي نفهم بها الاستعداد للمدرسة، فتعلم القراءة والكتابة والمهارات العددية يستحق العناية، من خلال طرائق وتوقعات تلائم نمو الطفل. ويتكامل معه الإصغاء، والتعاون، والتعبير عن الاحتياجات، والمثابرة، وتنظيم الانفعالات تدريجيًا. ويحتاج الطفل إلى وقت كافٍ للمحاولة، وتشجيع يمنحه الثقة بقدرته على التقدم، ويحفظ رغبته في التعلم.
يتيح اللعب فرصاً لبناء هذه القدرات، بما يجمعه من حركة وخيال وتفاعل وحل للمشكلات. وقد تتحول لعبة متجر إلى خبرة في العد والحوار وتبادل الأدوار، أو تفتح قصة بابًا لفهم المشاعر، وتزداد هذه الخبرات ثراءً حين تتوازن مبادرة الطفل مع توجيه تربوي ملائم، يحافظ على فضوله ويساعده على توسيع فهمه.
وتحتاج هذه الخبرات إلى معلمة قادرة على ملاحظة التعلم وتوجيهه؛ لذلك يتوقف جانب أساسي من جودة التنفيذ على تمكينها، من خلال تطوير مهني مستمر، ووقت للتخطيط، وموارد مناسبة. ويساعدها فهم فلسفة المنهج على اختيار التدخل المناسب، وترتبط بذلك قدرتها على التقويم؛ إذ يقدم حديث الطفل ورسوماته ومحاولاته شواهد على تقدمه، تُقرأ في ضوء توقعات واضحة تلائم عمره ومرحلة نموه، وتُستخدم لتحديد الدعم الذي يحتاجه والخبرة المناسبة لخطوته التالية.
يمتد دعم تعلم الطفل إلى الأسرة، بوصفها شريكًا أصيلًا يعرف اهتماماته وعاداته وطرق استجابته، ويصبح التواصل معها أكثر فائدة حين يتجاوز الإشعارات والتعليمات إلى تبادل الملاحظات، ومناقشة تقدم الطفل، واقتراح ممارسات منزلية بسيطة تثري التعلم وتراعي ظروف الأسرة.
وعلى مستوى تطوير المناهج، تثري التجارب العالمية خياراتنا حين ندرس شروط نجاحها وملاءمتها لسياقنا، وفي المملكة تتسع الفرصة لبناء مناهج تصل الطفل بلغته وثقافته ووطنه، وتفتح أمامه آفاق المعرفة. وتتجسد هذه الصلة في قصص قريبة من بيئته، وحوار ينمي لغته، وممارسات كالعناية بالمكان والتعاون وتحمل مسؤوليات تناسب عمره؛ فينمو الانتماء مع المشاركة اليومية.
إن صناعة المستقبل مسؤولية يشترك فيها صانعو السياسات، والمؤسسات التعليمية، والأسر، والممارسون. ويبقى المحك الأهم عند مراجعة مناهج الطفولة: ما الذي تتيحه للطفل من فهم ومشاركة واستقلال متدرج؟ وتتجسد الإجابة في خبرات يومية تنمّي فضوله وثقته وقدرته على التعلم؛ فمن جودة هذه البدايات نصنع ملامح المستقبل.