د.أمل بنت محمد التميمي
شاركتُ يوم الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026م، في المؤتمر العلمي الدولي الثامن عشر للمركز الأوروبي للبحوث والاستشارات، المنعقد في روما، ضمن الجلسة السادسة، بورقة بحثية بعنوان: بناء السرد التلفزيوني السعودي في عصر المنصات الرقمية: مقاربة مقارنة بين الجريمة والإثارة والرعب. وانتظمت الدراسة في ثلاثة مباحث؛ تناول الأول بناء الحكاية والخطاب السردي، والثاني أنماط بناء التوتر في الأنواع الدرامية المختارة، والثالث الدلالات الاجتماعية والنفسية للاختيارات السردية.
حللت الدراسة اثني عشر مسلسلًا سعوديًا عُرضت بين عامي (2019 م و2026م): سوق الدماء، وساوس، والمستور: ضحايا حلال، ورشاش، وبنات الثانوي، وعيال نوف، وجريمة قلب، وبيت العنكبوت، وثانوية النسيم، والضارية، وحالات نادرة، وأحمر ولا أبيض. لم تكتفِ الدراسة بتصنيف الأعمال بحسب أنواعها، بل قارنت بناء الحكاية، وترتيب الأحداث، وتوزيع المعلومات، وبناء الشخصيات، ووظائف المكان، وآليات إنتاج التوتر.
ماذا كشفت القضايا مجتمعة؟ كشف التحليل المقارن للمسلسلات الاثني عشر أن السرد التلفزيوني السعودي يتناول قضايا اجتماعية وإنسانية متداخلة، لكنه يمنح كل عمل مدخلًا مختلفًا لمعالجتها. ففي سوق الدماء تتقاطع العدالة والقصاص والعفو مع الابتزاز والمصالح الأسرية والمالية، بينما يكشف رشاش الجريمة من زاوية النشاط الإجرامي والمطاردة الأمنية، ويربط الضارية الثأر بالعنف وتجارة المخدرات.
وفي المستور: ضحايا حلال تتصدر قضية استغلال النساء واختلال موازين القوة، في حين تتناول بنات الثانوي ضغوط الأقران والهوية والعلاقات الاجتماعية، ويكشف ثانوية النسيم اضطراب البيئة المدرسية وحدود السلطة التربوية. أما الأسرة فتظهر مجالًا للأسرار وتضارب المصالح في وساوس وبيت العنكبوت، وفضاءً للسيطرة والاحتجاز في عيال نوف، كما تصبح الخيانة والمعلومات الناقصة محركًا للانتقام في أحمر ولا أبيض. وتتناول جريمة قلب صعوبة الوصول إلى الحقيقة وإعادة تركيب واقعة مشبوهة، فيما يقدم حالات نادرة الخوف من خلال الالتباس بين التفسير النفسي والخارق. وتكشف هذه المقارنة، على الرغم من اختلاف القضايا، عن قواسم مشتركة تتمثل في الصراع على القوة، وتأثير الأسرار والماضي في الحاضر، وتشابك المسؤولية الفردية مع العلاقات الاجتماعية. كما أظهرت أن معالجة هذه القضايا دراميًا لا تتوقف عند موضوع الحكاية، بل تتشكل من طريقة ترتيب الأحداث، وتوزيع المعلومات، وكشفها أو حجبها، وتوظيف الزمن والمكان في بناء التوتر؛ وبذلك يتحول السرد من مجرد عرض للقضايا إلى إعادة تشكيلها فنيًا ودلاليًا.
لماذا يستحق السرد التلفزيوني السعودي الدراسة؟ يستحق السرد التلفزيوني الدراسة لأنه لا يكتفي بعرض الجريمة أو إثارة الخوف، بل يكشف كيف تتحول فضاءات مألوفة، كالأسرة والمدرسة، من أماكن للحماية والأمان إلى مساحات للصراع وانكشاف الأسرار، من خلال بناء الشخصيات وتوقيت الكشف والحجب. وتبرز أهمية الدراما هنا في قدرتها على الجمع بين الترفيه وطرح القضايا المجتمعية، وإتاحة قراءات اجتماعية ونفسية لها. ومن ثم، فإن دراسة السرد تنقلنا من سؤال ماذا حدث إلى كيف رُويت الحكاية، وكيف أسهم بناؤها الفني في إنتاج المعنى وإثارة الوعي والتأمل.
** **
- جامعة الملك سعود.