أحمد بن عبدالرحمن السبيهين
كتب الشاعر «أمل دنقل» قصيدة «البُكاء بين يديّ زرقاء اليمامة»، بعد هزيمة حزيران 1967، وهذه القصيدة من نوع قصيدة «هوامش على دفتر النكسة» لنزار قبّاني، غير أنها لا تُشير إلى أسباب الهزيمة بالتخلّف الحضاري.
وقِصّة «زرقاء اليمامة» -كما هو معروف- أنها امرأة كانت تعيش بين قومٍ من أقوام العرَب في منطقة «اليمامة» بنجدٍ، وقد اشتُهرت بحِدّة بصرها الخارقة، التي جعلتها ترى ما لا يراه الناس.
وذات يوم أبصرتْ «زرقاء اليمامة» وراء الأُفق غابةً من الأشجار تتحرّك! ففزِعتْ إلى قومها لتنبّئهُم بما رأت، فلم يفزعوا، بل سخروا منها ومضوا فيما كانوا فيه من اللّهو والدّعة، حتى وقعتْ الواقعة؛ حين هبط عليهم مع هبوط الفجر جيش الفُرس، الذي كان قد خلع في طريقه الأشجار والأغصان، ليستتر بها جنوده عن أبصار العرَب، ونزل في الجيش العربي قتلاً، وسبى نساء العرب، وسمل عينيّ «زرقاء اليمامة»، حتى لا تعود ترى أو تتكهّن بالغيب!
وهذه القصّة العربية شبيهة بأسطورةٍ إغريقية؛ وهي أسطورة «كاساندرا» ابنة «بريام» ملك «طروادة»، والتي كانت تتمتّع بالقُدرة على رؤية المستقبل، وكانت قبل الحرب تتجوّل في أرجاء القصر الملكي، وتتنبّأ لأهلها بالويل والثّبور، إن لم يٌبادروا بالحذر والاستعداد للدفاع عن مدينتهم، لكن قومها اتّهموها بالجنون، ولم يأخذوا قولها مأخذ الجِدّ، حتى وقعت الواقعة..
لقد صنع أعداؤهم اليونانيون الحصان الخشبي العملاق، وتركوه أمام أسوار المدينة، واحتفل أهل «طروادة» مُعتقدين أن الحصان هديّة وانتصار لهم، لكن «كاساندرا» حذّرتهم بأن داخل الحصان جُنوداً مُختبئين، وإن إدخاله إلى المدينة سيؤدّي إلى سقوطها بالكامل، لكن أحداً لم يُصدّقها، وما إن فتحوا الأبواب وأدخلوا الحصان، حتى خرج الجُنود المُختبئين وهاجموا المدينة وقتلوا الملك وسقطت «طروادة».
ولعل أقوى ما في قصيدة «البُكاء بين يديّ زرقاء اليمامة»، هو ذلك المقطع الذي يصف فيه الشاعر تصوّره لأسباب النكسة، كما في قوله:
ظللتُ في عبيدِ (عبسٍ) أحرس القُطعانِ
أجتزّ صوفها..
أردُّ نٌوقها..
أنامُ في حظائرِ النسيانِ
طعامي: الكِسرة.. والماء.. وبعض الثمراتِ اليابسة..
وها أنا في ساعةِ الطّعانِ
ساعة أن تخاذل الكُماةُ والرُماةُ والفُرسانِ
دُعيتُ للميدانِ!
أنا الذي لا حولَ لي أو شأنِ
فها أنا على التُّرابِ سائلٌ دَمي
أُسائلُ الصّمتَ الذي يخنقني:
«ما للجِمالِ مَشيُها وئيدا..؟
أجندلاً يحملنَ أم حديدا؟»
فمَن تُرى يصدُقني؟
لقد أدمج الشاعر في هذا المقطع، قِصّة «زرقاء اليمامة» بقِصّةٍ عربيّةٍ أُخرى، هي قِصّة الجاسوس «قصير» الذي جدعَ أنفَهُ، ليندسّ في بلاط «زنوبيا» ملِكة «تدمر»، وليعرف أسرار جيشها، ويُفشيها لمولاهُ «عمرو» عدوّها الرهيب.
فلمّا أعدّ غريمُها عٌدّتهُ، خبّأ رِجالهُ في صناديق تحملها قافلةٌ جرّارة من الإبل، وزعمَ «قصيرٌ» للملكة أن القافلة تحمل إليها الهدايا والعطايا من غريمها، طلباً لودّها.
وما إن دخلت القافلة أسوار «تدمر»، ورأتها الملكة على هذا النحو حتى توجّستْ شرّاً، وأنشدتْ قولها المشهور في الشّعر العربي:
ما للجِمالِ مَشيُها وئيدا؟
أجندلاً يحملنَ أم حديدا؟
وعندئذٍ خرج كلّ رجلٍ من مكمنه، وخرج «عمرو» شاهراً سيفه، قائلاً: «بل الرّجال قُبّضاً قُعودا»، وقبل أن يُجهز عليها، طعنتْ الملكة نفسها بخنجرٍ، قائلةً قولتها الشهيرة: «بيدي، لا بيد عمرو»!
لقد كتب «أمل دنقل» هذه القصيدة بعد الهزيمة بأيامٍ معدود، والكلّ من هول الصّدمة في ذُهول، ومن قبل أن يهدأ الغضب أو تجفّ الدموع، أو تخفّ المرارة في الحُلوق؛
ولذلك فربما استعجل الشاعر في اقتباس هذه القِصّة، وأخطأ في ذِكر الأسباب الحقيقية لهزيمة حرب 67: مُدّعياً بأن «مصر» هي تلك العرّافة التي ذهبت تُحذّر قومها من ذلك اليوم المشئوم، ولكن قومها استخفّوا بها، ومضوا في لهوهم ولا مُبالاتهم، حتى وقعتْ الواقعة وضاع كلّ شيء!!
وبعد أن انجلتْ الحقيقة المُرّة للعالم كلّه، وظهر أن أسباب الهزيمة أبعد ما تكون عن ادّعاء الشاعر وإلقاء اللوم على العرب في هذه القصيدة، وانضمامه لجوقة عنتريّات «أحمد سعيد» الفارغة، في إذاعة «صوت العرب»!
يرى النّقاد أن هذه القصيدة من جيّد الشّعر، مهما كان الاختلاف في سلامة تشخيص الشّاعر لأسباب الهزيمة.. لأننا حين نتعامل مع الشُّعراء لا نُحاسبهم محاسبة رجال السياسة أو صٌنّاع التاريخ؛ الذين تجُرّ أخطاؤهم في السلوك أو التقدير، الكوارث على الأُمم والشعوب، وإنما نُحاسبهم على ما يُسمّى «بالصّدق الفنّي».
والقول بأن «أعذب الشّعر أكذبه»، يؤيّد هذه النظرية النقديّة، لأنه يفصل بين المعنى العميق للشعر، ومُطابقته للحقيقة، وأن المقصود بالصّدق الفنّي ليس مُجرّد الصّدق أو الواقع أو الحقيقة، وإنما صِدق الشّاعر أو الفنّان في التعبير عن وِجدانه وعواطفه وأفكاره بالأدوات الفنيّة المُتاحة له.
ولذلك فإن هذه القصيدة -كما أسلفنا- من جيّد الشّعر بغَضّ النظر عن خطأه أو صوابه، في تشخيص الشّاعر أو رؤيته أو تقديره للحقائق التاريخية الثابتة.