علي حسين (السعلي)
كل مبدع يتمسك بكتابته، ويعدّها ابنًا شرعيًا يستحيل أن يفرّط فيه، أو يرضى أن يتناوله أيًّا كان بالقدح أو النقد الهدّام. فكل نص أدبي هو قرار شجاع، يأتي بعد تفكير عميق، ويخرج من بين أنامل صاحبه؛ فالنص المتصالح مع كاتبه هو أصدق تعبير عنه. فلا شعر صادقًا، مثلًا، بلا قلب جريء، ولا قصة مبدعة ولا نقد نافذ بلا فكر يرفض الانحناء. فكيف إذا امتزج القرار الشجاع بنبض الأدب وشريان الثقافة؟!
يتطلب القرار الشجاع من الكتّاب أن يحوّلوا القلم، أو النقر على مفاتيح الكتابة، إلى وسيلة لحماية الفكر، واحتواء نفَس فلسفي، وإلى رافعة للوعي بالخيال. متى؟ حين يصبح حبر الأقلام قادرًا على ترميم ما أفسدته يد خجولة تستحي أن تسطّر الحرف متوّجًا على عرش الكتابة؛ إذ يترك الكاتب، بتردده وخوفه من إطلاق قلمه، أثرًا وجرحًا غائرًا في ذاكرة الأرض والإنسان والنفس، لا يُمحى ولا يندمل، مهما حاول مداواته بأفكار حبيسة أدراج الرؤوس.
مرآة حرف على جرف الكتابة
تدلف شجاعة الكتابة، في مرآة الثقافة والنص، إلى مدّ جسور من حبال مشدودة إلى الرواسي. صحيح أنك قد تجد نفسك فوق هوّة المجهول، وفي الغالب تقف وحيدًا مع أفكارك وخيالاتك في مهبّ ريح تدير رحاها الأسئلة، وبين أحجار طاحونة تطحن الحروف دون أن تترك علامة على الإبداع. ومع ذلك، اتخذ قرارًا شجاعًا، ومارس هواية الكتابة؛ فأولى خطى التألق تبدأ بكلمة تسرّها في نفسك، وهي: «أن تكتب بشجاعة».
شجاعة الغوص في خبايا الذات
النص الأدبي الشجاع لا يُكتب بالبصمات الباردة المرتعشة، بل يُكتب بالقلق، والتوتر الإيجابي، والأعصاب التي تدور في فلك الإبداع. فالقرار الشجاع هنا هو أن يتجرد الكاتب من جلباب «التقمص المجتمعي» والمثالية الزائفة، وأن يتجاوز صور النفس في المرايا المشوّهة، ليغوص في عتمة الذاكرة وخبايا الروح المتشظية، باحثًا عن الحقيقة العارية.
وعند اتخاذ قرار الكتابة، من المهم جدًا أن يبتعد الكاتب والأديب عن الاستسلام للهزيمة والحزن والشك، أو الارتهان للذاكرة الجمعية، وأن يعقد العزم في قرارة نفسه على ألّا يسرد حكايات للتسلية الفاضحة، بل يمارس نوعًا من الجراحة النفسية المؤلمة. الشجاعة هنا هي ألّا تخاف من صورتك في مرآة النص المهشّمة، وأن تواجه قرّاءك وأنت عارٍ إلا من صدقك الفني والكتابي والثقافي والأدبي.
تمرد النص على مقصلة السائد والمألوف
الثقافة، في جوهرها، كائن حي يتنفس من تحت ماء الفكر، والنص الأدبي هو رئتها التي تتنفس صبح الحكايات، وقافية الفنون، ومساءات الاغتراب بين الكاتب وذاته. غير أن السائد يحاول دائمًا أن يضع النصوص في قوالب جاهزة، فيملي عليها كيف تبدأ، وبأي لغة تتحدث، وعمّا تتحدث، ولماذا تصمت فجأة.
القرار الشجاع في الكتابة هو أن تكسر إيقاع الإنشائية المقيتة، وتخوض مغامرة في أودية لغة جديدة، وبنية سردية خلّاقة أو شعرية خيالية، تبحر عبر فضاءات ما وراء الغريب. فالقرار الشجاع للأديب هنا هو الذي يحوّل النص إلى «مختبر» دائم للتجريب، يفتح من خلاله نوافذ لم تكن تخطر على بال، غير آبه بعواصف الاستنكار من قِبل حرّاس القوالب القديمة، وما يثيرونه من مخاوف والتباس.
سطر وفاصلة
القرار الثقافي الأشد صلابة هو أن تقف صخرة صلبة في وجه ركام الابتذال والاستهلاك الكتابي. والشجاعة الحقة هي أن تصرّ على كتابة نص معرفي يبحث عن المستحيل الممكن، ممزوج بالخيال البعيد، ويحمل في الوقت نفسه همًّا إنسانيًا وجماليًا، ومزخرفاً بعبارات الروح المنطلقة نحو كل جمال، حتى وإن كلّفك ذلك، أيها الكاتب النبيل، البعد عن أصوات الصخب وأضواء الشهرة والجاه المؤقت.
إنه رهان على خلود نصّ في عتبات النور وشمس الحقيقة، بعيدًا عن اللحظة العابرة في ضوء قمر إن جاء مرة اختفى مرات.