عبدالرحمن بن محمد القشعمي
ما القلمُ إلا قبسٌ من نور العقل، ونفحةٌ من روح البيان، ولسانٌ تمتد به الأفكار وراء حدود الزمان والمكان. وليس في أدوات الإنسان ما نال من الشرف ما ناله القلم، ولا ما استحق من الإجلال مثلما استحق؛ إذ ارتبط منذ فجر الخليقة بالعلم والمعرفة، وصار وعاء الحكمة، ومرآة الفكر، ومستودع التجارب، وحارس الحضارات من غوائل النسيان.
وقد علا قدره حتى ارتبط ذكره بأعظم المقامات، فهو أول ما جرى عليه التكليف في عالم التقدير، وأول ما خُصَّ بالكتابة في صحيفة الوجود، ثم شرّفه الله سبحانه بالقسم به في محكم تنزيله، فقال: ?ن? وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ?. وإذا أقسم ربُّ العالمين بشيء، فإنما يُقسم بعظيم القدر، جليل الأثر، بعيد الغاية. فكان القلم بذلك رمزًا للعلم الذي تهتدي به العقول، وللكلمة التي تُبنى بها الأمم، وللفكر الذي يخلّد صاحبه وإن واراه الثرى.
وللقلم من القدرة ما يفوق قوة السواعد وحدّة السيوف؛ إذ قد تعجز الجيوش عن فتح قلب أغلقته الغفلة، وتنجح كلمة صادقة في إحياء أمة خامدة. فما الحضارات التي أضاءت تاريخ البشرية إلا غراس أقلام أخلصت للفكرة، وآمنت بالرسالة، فخطّت العلم، ونشرت الفضيلة، وأيقظت الوعي، وربطت الأجيال بميراثها الفكري والإنساني. ولولا الأقلام لضاعت العلوم، واندثرت المعارف، وتحوّل التاريخ إلى صمت موحش لا يروي خبرًا ولا يحفظ أثرًا.
غير أن القلم، كالنهر العظيم، يحمل الخير إذا صفت منابعه، وقد يجرف في طريقه القيم إذا تلوثت موارده. فهو قادر على أن يبني جيلًا على معاني الحق والخير والجمال، كما أنه قادر على أن يهدم أمة إذا صار بوقًا للباطل، ومطية للهوى، وأداة لتزييف الحقائق. فكم من كلمة رفعت شأن أمة، وكم من كلمة أشعلت نار فتنة، وكم من سطر غرس فضيلة، وكم من حرف وأد قيمة أو شوّه حقيقة.
ومن هنا كانت مسؤولية صاحب القلم من أجلِّ المسؤوليات وأخطرها؛ لأنه لا يكتب بمداد على ورق فحسب، بل يخطّ أثره في العقول والقلوب. والكلمة إذا خرجت من بين أنامل الكاتب لم تعد ملكًا له وحده، بل أصبحت رسالة تتجاوز عمره، وتمتد آثارها في الناس أعوامًا، وربما قرونًا. ولذلك كان أرباب الأقلام الأمناء يعدّون الكلمة أمانة، ويرون في الكتابة عهدًا أخلاقيًا قبل أن تكون مهارة بيانية أو براعة أدبية.
وإذا كان عصرنا قد ازدحم بالشاشات، وتسارعت فيه وسائل الاتصال، فإن مكانة القلم لم تنحسر، بل ازدادت رسوخًا واتساعًا. لقد تبدلت الأوعية، أما الكلمة فبقيت هي الكلمة، وبقي الفكر الصادق هو القادر على النفاذ إلى القلوب مهما اختلفت الوسائل. فالتقنية لم تُلغِ القلم، وإنما منحته أجنحة جديدة يحلّق بها في الآفاق، ويبلغ بها من العقول ما لم يكن يبلغه في الأزمنة الخالية.
وما أحوج عالمنا اليوم إلى أقلام ربانية المقصد، إنسانية الرسالة، سامية الغاية؛ أقلام تجعل من الصدق منهجًا، ومن الحكمة طريقًا، ومن الإصلاح هدفًا. أقلام تداوي جراح المجتمع بدلًا من أن تنكأها، وتبني جسور التفاهم بدلًا من أن تشيّد أسوار الفرقة، وتنشر الوعي بدلًا من أن تغذّي الجهل، وتغرس الأمل بدلًا من أن تسقي اليأس.
يا قلمي، يا رفيق الروح وترجمان الفكر، كن دائمًا في صف النور لا الظلام، وفي صف البناء لا الهدم، وفي صف الإصلاح لا الإفساد. واكتب ما يرضي الله، وينفع الناس، ويترك في الحياة أثرًا كريمًا. فإذا كان للرجال أعمار تنقضي، فإن للكلمات الصادقة أعمارًا لا تنقضي، تظل حية في الضمائر، متوهجة في الأذهان، شاهدة لصاحبها أو عليه. فاجعل، يا قلمي، مدادك طُهرًا، ورسالتك خيرًا، وأثرك ذكرًا حسنًا يبقى ما بقيت الأيام وتعاقبت الأعوام.