د.عبدالإله آل سودا
إذا أردنا ضبط المسافة بين الأسلوبية والموضوعاتية، فإن أبسط الفروق بينهما، وأشدها قابلية للتضليل في الوقت نفسه، أن نقول إن الأسلوبية تدرس «كيف قيل؟»، بينما تدرس الموضوعاتية «ماذا قيل؟». ففي هذه العبارة قدر من الصحة، لكنها توحي بأن الأسلوبية تختص بالشكل والموضوعاتية بالمضمون، وهو فصل لا يصمد طويلًا أمام الممارسة النقدية؛ لأن طريقة القول تسهم في إنتاج ما يقال، كما أن الثيمة لا توجد في النص مجردة من الألفاظ والصور والتراكيب التي تتجسد فيها. والأدق أن نقول إن المنهجين يختلفان في مركز الثقل؛ إذْ مركز الثقل في الأسلوبية هو تنظيم الخطاب، ومركز الثقل في الموضوعاتية هو تنظيم المتخيل.
قد يدرس باحث تكرار مفردة «البحر» في ديوان شعري، فيحصي مواضعها، ويتتبع صيغها الصرفية، ويرصد مواقعها التركيبية، ويقارن تواترها بتواتر مفردات أخرى، ثم يفسر أثر هذا الانتظام في بناء لغة الشاعر، وهذا عمل أسلوبي في جوهره. وقد ينطلق باحث آخر من المفردة نفسها، لكنه لا يتوقف عند حضورها اللغوي، وإنما يتتبع ما تستدعيه من صور الخطر والموت والرزق والرحيل والعودة، ويبحث عن صلاتها بالأعماق والظلام واللؤلؤ والشاطئ، حتى يستخلص منها تصورًا مخصوصًا لعلاقة الإنسان بالعالم. وهنا تتجه القراءة إلى الموضوعاتية.
ومن ثم فإن الاختلاف بين المنهجين لا يمكن اختزاله في القول إن الأسلوبية تدرس الشكل والموضوعاتية تدرس المضمون؛ لأن هذا التقسيم يفترض إمكان الفصل بين طريقة التعبير وما يعبر عنه، وهو فصل يتعذر المحافظة عليه حين ندخل إلى النصوص الأدبية. ولذلك؛ يبدو الفرق الأدق أن الأسلوبية تجعل انتظام وسائل التعبير نقطة انطلاقها الأساسية، في حين تجعل الموضوعاتية انتظام عناصر العالم المتخيل مركز اهتمامها، ثم قد يلتقي المنهجان في الكشف عن رؤية شعرية واحدة من طريقين مختلفين.
وقد اتضحت لي أهمية هذا التمييز أثناء دراستي الأسلوبية لشعر محمد الفايز، ولا سيما عند الانتقال من تحليل الظواهر اللغوية المفردة إلى الكشف عن العلاقات التي تنتظمها داخل القصيدة؛ ففي قصيدته «النغم الثامن والسبعون» تتجاور صور الجذور والغيمة والماء والظمأ والسماء والأعماق والنور، وهي صور تنتمي، في ظاهرها، إلى مجالات حسية مختلفة. وقد أمكن تحليلها أسلوبيًا من خلال العلاقات الدلالية بين ألفاظها، وردها إلى سياقات تتصل بالماء والعلو والانحدار، ثم النظر في كيفية إسهام هذه السياقات في بناء المعنى العام للقصيدة. غير أن السؤال الموضوعاتي يبدأ حين ننتقل من تصنيف تلك العلاقات إلى البحث عن النظام التخييلي الذي يجعلها تتجاوب: لماذا يتخذ الأمل صورة الماء المنتظر؟ ولماذا يقترن التغيير بالتغلغل والاقتلاع والانهمار؟ وما الذي يجعل التجربة الشعرية تتحرك بين الاحتباس والانفراج، وبين الجفاف والخصب، وبين العتمة والإشراق؟
إن هذه الأسئلة لا تكتفي بتحديد المعاني التي تحملها المفردات، وإنما تبحث عن الطريقة التي يتخيل بها الشاعر التحول نفسه. فالتغيير لا يظهر في هذه الصور فكرة ذهنية مجردة، وإنما يتجسد في حركة محسوسة: جذور تنفذ، وغيمة تنهمر، وحواجز تُقتلع، وظمأ ينتظر الارتواء. وهنا يمكن أن نرى كيف تتحول الصور إلى نظام من العلاقات تتساند فيه عناصر الطبيعة والحركة والرغبة. لكن هذا الاستنتاج لا ينبغي أن يدفعنا إلى افتراض أن جميع الصور تؤدي وظيفة واحدة ثابتة؛ فالجذور، على سبيل المثال، قد تشير إلى التغلغل في الأعماق، غير أنها حين تقترن بالنور تصبح صورة للإنبات والقوة، فلا يعود العمق نقيضًا بسيطًا للعلو، ولا يصبح الانحدار مرادفًا للظلام. وهذه المقاومة التي تبديها بعض الصور تجاه التصنيفات الجاهزة هي ما يجعل القراءة الموضوعاتية عملًا تأويليًا دقيقًا، لا مجرد جمع للمفردات المتشابهة تحت عنوان عام.
ومن الفوارق بين المنهجين، أننا حين نتأمل صورة البحر في شعر محمد الفايز؛ نجد كثافة حضور الحقل البحري، وتباين دلالاته بين الخطر والعطاء، والعلاقاتِ التي تجمع البحر بالريح والشراع والغوص والمحار واللؤلؤ. ومن الممكن أن نتوقف عند هذه النتيجة بوصفها وصفًا لخَـصِيْـصَة معجمية ودلالية في لغة الشاعر. لكن القراءة الموضوعاتية تسأل عما إذا كانت هذه العناصر تؤلف عالمًا تخييليًا تتكرر فيه علاقات معينة؛ فالبحر الذي يهدد حياة البحّار هو نفسه البحر الذي يخفي اللؤلؤ، والأعماق التي تستدعي الخوف هي الموضع الذي يتعين على الغواص بلوغه لتحصيل رزقه، والريح التي تعرض السفينة للهلاك هي القوة التي تظهر في مواجهتها مهارة الإنسان وخبرته. وهكذا تتشكل علاقة مركبة بين الخطر والقيمة، وبين المكابدة والعطاء، وبين ضعف الإنسان أمام الطبيعة وقدرته على مواجهتها.
ويُضاف إلى ذلك، أن الموضوعاتية لا تكتمل بمجرد اكتشاف هذه الثنائية؛ إذ ينبغي أن نسأل عما يحدث لها حين تنتقل صورة البحر من سياق العمل والغوص إلى سياق الحب أو الفقد أو الرحيل؛ فالمحارة التي تحتوي اللؤلؤ قد تصبح صورة للمعشوقة التي يصعب الوصول إليها، وعندئذ تنشأ قرابة بين عالم الغوص وعالم الرغبة، قوامها طلب الشيء النفيس المستتر في العمق. وقد يتحول البحر في سياق آخر إلى فضاء للفقد والموت، فتتراجع دلالة العطاء أمام صور الهلاك والغياب. ولا يعني هذا التعدد أن البحر رمز مضطرب لا يستقر على معنى، وإنما يعني أن مركزيته التخيلية قد تقوم على قدرته على جمع علاقات متعارضة، وأن الكشف عن انتظام هذه العلاقات يحتاج إلى تتبع تحولاتها، لا إلى اختيار دلالة واحدة وإخضاع الشواهد جميعًا لها.
وهنا يتبين أن الحقل الدلالي والشبكة الموضوعاتية ليسا شيئًا واحدًا؛ الحقلُ الدلاليُّ يجمع الألفاظ بحسب العلاقات التي تربط معانيها، أما الشبكة الموضوعاتية فتبحث عن انتظام الصور والتجارب والعلاقات التي تتكون منها خصوصية العالم الأدبي. وقد يكون الحقل الدلالي مدخلًا ممتازًا إلى القراءة الموضوعاتية، لكنه لا يكفي وحده لإنجازها؛ نَظَرًا إلى أن جَـمْعَ ألفاظ البحر والشراع والمحار واللؤلؤ يحدد مجالًا دلاليًا، أما الكشف عن علاقة المكابدة بالعطاء، أو عن الصلة التخيلية بين الغوص والحب، فيتطلب انتقالًا من تصنيف العناصر إلى تفسير الروابط التي تمنحها وظيفتها داخل التجربة الشعرية.
هذا الانتقال يفسر أيضًا الفرق بين الصورة الكلية والشبكة الموضوعاتية؛ فالصورة الكلية بناء فني تتآزر فيه الصور الجزئية أو تتنامى لتشكيل مشهد متكامل داخل القصيدة أو المقطع. وقد درست في شعر الفايز نماذج من الصورة الانتشارية التي تتوزع فيها الصور حول بؤرة مركزية، وأخرى من الصورة المتنامية التي تتطور فيها المشاهد وتتلاحق في بناء مترابط. أما الشبكة الموضوعاتية فقد تتجاوز حدود المشهد الواحد، وتصل بين صور لا تتجاور في النص نفسه، وربما تنتمي إلى قصائد متباعدة، متى أمكن إثبات القرابة التخيلية التي تجمعها.
ولنتأمل صورة البحّار التي يرسمها الفايز في قصيدة «من بلاد الهولو». فالشاعر لا يكتفي بوصف رجل يمارس الغوص، وإنما يقدم شخصية تتضافر في رسمها صور الإبصار في الظلام، والسيطرة على الشراع، ومواجهة الرياح، وانتزاع اللؤلؤ، ومفارقة السندباد الأسطوري. وقد أمكن تحليل هذه الصورة أسلوبيًا من خلال التوازي والتشبيه والتقابل والتناص، ومن خلال الانتقال من البحّار المفرد إلى جماعة المبحرين، بما يمنح الشخصية طابعًا نموذجيًا يتجاوز الفرد إلى الجماعة. لكن القراءة الموضوعاتية تستطيع أن تسأل عن طبيعة الإنسان الذي يتشكل من هذه العلاقات: أهو الإنسان الذي يكتسب قيمته بالمغامرة؟ أم الإنسان الذي يحول الخطر إلى منفعة؟ أم أن صورة البحّار تجمع بين البطولة والهشاشة، لأن البحر الذي يمنحه المجد يحتفظ أيضًا بعظام رفاقه الذين ابتلعتهم الأعماق؟
إن حضور الموت إلى جوار البطولة يمنع القراءة من الاكتفاء بصورة الإنسان المنتصر على الطبيعة. فالبحّار لا يواجه عالمًا يمكن السيطرة عليه سيطرة مطلقة، وإنما يعيش داخل فضاء يظل محتفظًا بقدرته على الإهلاك. ومن هنا تكتسب البطولة معناها من احتمال الفقد، ويصبح العطاء متصلًا بالمخاطرة التي سبقته. وهذه العلاقة، إذا ثبت استمرارها في نصوص أخرى، قد تكشف عن تصور شعري يرى القيمة الإنسانية في المكابدة نفسها، لا في النصر المضمون. وهكذا ننتقل من تحليل صورة كلية داخل قصيدة إلى اختبار شبكة موضوعاتية تمتد عبر تجربة شعرية أوسع.
ومن الأخطاء التي قد تقع فيها الدراسات الأسلوبية أن تتوقف عند تحديد الظاهرة وتسميتها، فتتحول إلى قوائم من التكرارات والانزياحات والتشبيهات والاستعارات، دون أن تكشف عن الوظائف التي تؤديها. ومن الأخطاء المقابلة في الدراسات الموضوعاتية أن تتوسع في التأويل حتى تصبح الصور شواهد على أفكار يقررها الناقد مسبقًا، ثم يبحث لها عن أمثلة تؤيدها. فالأسلوبي الذي يحصي دون تفسير لا يبلغ الغاية النقدية من عمله، والموضوعاتي الذي يؤول دون ضوابط نصية يعرض قراءته لخطر الإسقاط. وفي الحالتين تظل العودة إلى العلاقات الفعلية داخل النص هي الضمانة الأساسية لصحة الاستنتاج.
من هنا تبدو العلاقة بين المنهجين أقرب إلى التكامل المشروط منها إلى التنافس؛ فالأسلوبية تستطيع أن تمنح القراءة الموضوعاتية قدرًا من الانضباط حين تكشف عن كيفية تحقق العلاقات التخيلية في اللغة. والموضوعاتية تستطيع أن توسع أفق التحليل الأسلوبي حين تربط الظواهر التعبيرية بعالم الصور والتجارب الذي تنتظم فيه. لكن التكامل لا يعني دمج المنهجين في إجراء واحد يفقد معه كل منهما خصوصيته؛ وإنما يعني أن يظل الباحث واعيًا بالسؤال الذي يطرحه، وبنوع الدليل الذي يحتاج إليه، وبالحدود التي تسمح بها نتائجه.