د.محمد الدبيسي
التعليم: الطريق الذي فتح الآفاق
تتضح بعد ذلك الصلة بين كفاح الأم ومستقبل الأبناء؛ حيث كان العمل اليومي مرتبطًا بتوفير حاجات البيت ومصاريف المدرسة، التي كانت ثمرة مباشرة لذلك الكفاح، مثلما كانت الباب الذي فتح للكاتب الآفاق، ومهَّد له طريق المستقبل.
ويستعيد المؤلف أثر اليُتم في وعي الأطفال، فقد كانوا يرون أبناء الأقارب يعيشون مع آبائهم، فيما ظلَّ غياب الأب حاضرًا في حياتهم. ويختصر هذه التجربة (سؤال أخيه الأصغر علي لأمِّه): “ليش حمدان وعوض عندهم أُبوان وحِنَّا لا؟”. وهو سؤال طفلٍ يرى الفارق بعينيه، ويبحث عن تفسير لفقدان الأب، ثُمَّ تمضي الحياة لتضع الأم في موضع الأبوة العملية، والرعاية والتدبير. ومن ثَمَّ جاء التعليم في سياق أسري واجتماعي محدَّد؛ فاستمرار الدراسة كان يحتاج إلى تشجيع الأسرة، وكانت بعض البيئات تنظر إلى مواصلة التعليم نظرة مختلفة، على نحو ما وضَّحت قصة (محمد بن سالم) عن طرف من هذا التردُّد، فيما أبانت تجربة الأسرة نفسها؛ مكانة التعليم في رسم مستقبل الأبناء.
وتبدأ رحلته مع الكُتَّاب والمدرسة، ثُمَّ تتدرَّج مراحل التعليم حتى جامعة الملك سعود. ومع المدرسة تغيَّر عالم الطفل؛ فبعد الأسرة والحي، والمجلس والمرض، واللعب والراديو، دخل عالم الدرس والامتحان، لتتضح شيئًا فشيئًا صورة المستقبل.
ولمرحلة الجامعة في الرياض مكانة خاصة؛ فهي تمثِّل الطور الأول للخروج من البيئة المحلية التي أَلِفَها في المدينة المنورة، نحو بيئة جامعية أوسع، وفيها يلتقي الطالب بطلاب من مناطق مختلفة، ويحتك بأفكار وثقافات جديدة. وهنا تغيَّرت وظيفة التعليم؛ فأصبحت المعرفة أداة لتكوين الرؤية، وإعادة النظر في المجتمع والثقافة والعلم واللغة.
وقد تناولت دراسة الدكتورة منى المديهش هذا الجانب؛ في مقاربتها تكوين الذات ورؤية العالم في السيرة، وربطت السيرة بالتاريخ الشخصي والوثيقة الاجتماعية، والتحول من الأُمِّية إلى التعليم والحركة الفكرية في المملكة.
وقد حفل مسار التعليم في حياة الكاتب بمادة نصية ثرية حول هذا التحول؛ في الفصول والموضوعات التي أدارها حول سير المراحل التعليمية في حياته إلى المرحلة الثانوية، وكيف غيَّرت المدرسة معنى المستقبل في نفسه، وكيف وسَّعت الجامعة أفقه، كما جعله الابتعاث إزاء عالم ثقافي وعلمي مختلف.
وإذا كانت الرياض تمثل خروجًا أوَّليًا من البيئة المحلية، فإنَّ الابتعاث مثَّل مرحلة أوسع من الرحلة. ففي بريطانيا ظهرت مشاعر القلق والإخفاق والإحباط، ثُمَّ الولايات المتحدة التي كانت مرحلة لإعادة بناء الطريق العلمي، وهي تفاصيل وأحوال، حفظت للابتعاث طابعه الإنساني؛ فقد تخلَّل المسار العلمي آنذاك شيئًا من التردُّد وإعادة التفكير، والبحث عن الطريق الملائم.
إلى أن انتهى إلى الدكتوراه في اللسانيات، وعاد أستاذًا جامعيًا. وبذلك اكتملت حلقة أساسية في السيرة؛ فالطفل الذي بدأ حياته في عالم محدود نسبيًا، خرج طلبًا للعلم، ثُمَّ عاد بأدوات جديدة، ينظر بها إلى العالم الذي نشأ فيه.
الطالب ثمَُّ الأستاذ: اللغة والتقنية والبحث
تغيَّرت وظيفة العلم في حياة الكاتب، مع الحصول على الدكتوراه، والعودة إلى الجامعة. فمن التعليم الذي كان في البداية طريقًا للارتقاء والبحث عن آفاقٍ جديدة في الحياة، صار مهنةً ومشروعًا فكريًا. على نحو ما ساقه في موضوعات مثل: (المراجعات اللسانية، والترجمة، والحاسوب والطباعة عليه)، التي توضِّح طبيعة ذلك التَّغير، في حياة الكاتب، الذي بدأ حياته مع الكتاب المدرسي، ثم أصبح يتعامل مع اللغة والترجمة في إطار البحث والنقد، ووسيلة للاتصال بالمعرفة، ومع الحاسوب والطباعة استجابةً وتكيُّفًا مع التحول التقني، الذي أصاب العمل العلمي والثقافي.
والتأم الحديث عن التقنية في سياق السيرة، بوصفها علامة على تحوُّلٍ أوسع، ودخلت وسائل جديدة للكتابة، والنشر وإنتاج المعرفة، بعد أن كان الكتاب وحده أداة المعرفة الرئيس. ولم يجد الأستاذ الذي عاد من الخارج الحال هنا كما خبر من قبل، فقد تغيَّرت المدينة، والجامعة، والمجتمع، مثلما تغيَّر هو نفسه.
وتحتلُّ اللسانيات موقعًا خاصًا في هذا المسار؛ فالرجل الذي خرج من بيئة عربية محلية، تتداخل فيها اللهجات، والطرائق الشفوية في الكلام، ثُمَّ ذهب إلى الغرب ليدرس علم اللغة؛ عاد بأدوات علمية حديثة للنظر في العربية. وكأنَّ الابتعاد عن اللغة العربية وبيئتها، أصبح سبيلًا إلى النظر فيها بعين أخرى. حيث عمَّقت الدراسة في الخارج الوعي بالأصل، والعودة إلى العربية، والاشتغال بقضاياها، وأكسبته أدوات نظر جديدة، وخبرة علمية اكتسبها في سياق ثقافي مختلف.
إلى جانب الموضوع الذي تلا تلك الموضوعات الثلاثة، وهو (قصتي مع الانتخابات) الذي صوَّر جانبًا من صراع التيارات الفكرية، داخل البيئة الأكاديمية في سياق إداري، توجِّهه أحيانًا الأفكار والمعتقدات والتصنيفات، وبعض الحساسيات الشخصية أحيانًا أخرى، على نحو ما فصَّل الحديث عنه في هذا الموضوع، الذي كان دقيقًا في تسجيل ملابساته، مع قدرٍ من الانتصار للذات، التي هو في معرض تسجيل سيرتها، وتوضيح موقفها، في مقامٍ يتيح لها الجهر بما كان خافيًا أو مخفيًا.
الأكاديمية، والصحافة والمجال العام
تتسع دائرة الفعل أثناء الجامعة وبعدها نحو الصحافة؛ التي هيأت الكاتب لولوج مجالٍ عامٍ آخر، والتوجُّه نحو قضايا المجتمع والنقاش العام، وهو ما يعني أنَّ المعرفة الأكاديمية، أصبحت مادة للحوار خارج المؤسسة الجامعية. على نحو ما نستبينه من موضوعات، مثل: (الكتابة في جريدة الوطن، وقصة بيان التعايش، وقضية الأهلَّة، ونقد التعليم، ومكافحة الطائفية، والتطرف الديني، والحوار الوطني، وتصنيف الجامعات، والشهادات الوهمية والانقرائية)، التي تدلُّ في مجموعها على امتداد وتنوع اهتمام صاحب السيرة، وهو الكاتب الذي بدأ حياته متلقيًا للمعرفة داخل المدرسة، والجامعة؛ وصار يشارك في صناعة الأفكار، وإنتاج الرأي، ومناقشة قضايا المجتمع.
وتتضمَّن هذه المرحلة سجالات لغوية وفكرية، تظهر فيها أسماء وشخصيات، وقضايا ذات صلة باللغة والتعليم والثقافة، وما إليها من الموضوعات التي أشرنا إليها آنفًا، التي تقتضي قراءة ما سجَّله حولها مسافة نقدية تحفظ طبيعة المادة؛ لأنَّنا هنا نسمع صوت صاحب السيرة أساسًا، ولا نسمع بالقدر نفسه أصوات الذين اختلف معهم، إلا من طريقه.
وهو ما يحدد يحدد طبيعة الوثيقة؛ فالسيرة هي رؤية صاحبها إلى حياته، وإلى العالم الذي شارك فيه، وليست محضرًا لكل الوقائع والسِّجالات والخصومات. ومن هنا تصبح صفحات السِّجال ذات أهمية في الكشف عن انتقال الكاتب من موقع المتلقي للمعرفة، إلى موقع المنتج لها، والمثقف الذي يتداخل مع القضايا الوطنية والثقافية المتنوعة.
وقد مرَّت الذات في هذا الطريق؛ ابتداءً من المدرسة والجامعة، والبحث واللغة والابتعاث، إلى أن امتلكت أدوات الكتابة والمشاركة، والرؤية والموقف.
المكان والذاكرة: من المدينة إلى العالم، ثُمَّ العودة
تتوزَّع السيرة بين أمكنة كثيرة: المدينة المنورة، والرياض، ولندن، والولايات المتحدة، ولكلِّ مكان وظيفته في تكوين الذات.
فالمدينة المنورة، هي: الجذر، ومكوِّناته، ففيها الأم والبيت، والمرض والفقر، واللعب، والكُتَّاب والمدرسة، وفيها الدهليس الذي انتقلت من طريقه الأخبار والحكايات، وفيها العقيق، والمزرعة والسوق، والمسجد النبوي، وفيها الذاكرة التي تعود إليها السيرة كلما أراد صاحبها تفسير نفسه.
والرياض، هي: فضاء التعليم الجامعي، وانفتاح الأفق، والاحتكاك بطلاب من بيئات مختلفة، ومنطلقات فكرية متعددة.
ولندن، هي: تجربة الاختبار العلمي والنفسي، بما صاحبها من كسر ما أَلِفَه واعتاده من الحياة في الوطن، وبعض القلق والإحباطات والصعوبة، وأحوالٍ ووقائع ومشاهدات تجلِّي ذلك كله، واستطال صاحب السيرة في سردها.
ثُمَّ الولايات المتحدة، وهي: المكان الذي وصفه بـــ”الزمن الأمريكي”، وفيه أعاد بناء الطريق العلمي، وانتهى بالحصول على الدكتوراه، والعودة إلى الجامعة أستاذًا وباحثًا، وكاتبًا فيما بعد.
وعلى هذا النحو يصبح المكان لغة ثانية للتكوين؛ حيث اقترن كلُّ انتقال جغرافي بتحوُّل في التجربة، وإضافةٍ إليها؛ فقد منحته المدينة المنورة الجذور، وتلتها الرياض التي ارتقت بأفق التعليم لديه، بينما كانت الغربة والدراسة اختبارًا للذات والطريق، وإعادة بناء الأدوات. وتتصل هذه الدلالة بما ركَّزت عليه دراسة الدكتور سالم الضمادي؛ حول علاقة المكان بالذاكرة، وحضور الأمكنة المتنوعة التي تنقَّل بينها، بوصفها محطات ذات دلالات متباينة.
كما يمكن عدُّ هذه الأمكنة مراحل في سلسلة تكوينية؛ تحتلُّ المدينة المنورة بينها المساحة الأوسع والأعمق؛ لأنَّها المكان الذي تعود إليه الرحلة، كلما احتاج صاحبها إلى تفسير بداياته، ويتجاوز حضورها هنا عاطفة الحنين؛ فهي أصل نفسي واجتماعي ومعرفي، والمكان الذي حفظ أولى صور العالم في ذاكرة الكاتب، وتكوينه، يقول: “وكنت أحيانًا أراجع مسار حياتي؛ فأشعر بالندم على أنِّي غادرت المدينة أصلًا، لشعوري بأنِّي كشجرة اجتُثَّت من جذورها، لتُغرس مرات متوالية في بيئات غريبة عليها، ولا أُفشي سرًّا إن قلت إنِّي فقدت الانتماء الحقيقي للمكان أيضًا. إذ لم أشعر يومًا بانتماءٍ شعوري حقيقي للرياض، على الرغم من سهولة حياتي فيها، وسكني فيها لعقود”.
السيرة بين الذاكرة والتاريخ: سيرة رجل وسيرة جيل
إذا جمعنا مراحل السيرة بعضها إلى بعض؛ اتضح خطٌّ تكويني متين ومتواصل، حيث لم تنحصر دلالة هذه المراحل على تتبُّع المسار الشخصي لصاحبها، بقدر ما كانت أدنى إلى إبانة علاقتها بالتحولات التعليمية والثقافية التي شهدتها المملكة، عندما انتقل الكاتب من بيئة تكوينه الأساس في المدينة – بما أحاط بها من ظروف أسرية ومعيشية وتعلمية- إلى التعليم العالي والجامعة في الرياض، وما تلاها من مراحل، والعودة بعد ذلك إلى العمل الأكاديمي والبحث اللغوي، والانخراط في الكتابة الصحفية، وما إليها من أنشطة ثقافية متعدِّدة شارك فيها.
وتكتسب هذه المراحل أهميتها من تعاقبها الزمني، ودلالتها التاريخية معًا، حيث تتيح قراءة المسار الفردي في سياق التحول الذي شهدته المملكة، واستبانة مسارات التكوين العلمي، وتنوع آفاق المشاركة العامة، في مرحلة شهدت نهضة في التعليم العالي، والابتعاث والمؤسسات الثقافية.
ولأنَّ القيمة التاريخية للسيرة هنا، تكوَّنت من التفاعل بين خصوصية التجربة الشخصية، وشروطها الاجتماعية والثقافية والمؤسسية؛ أضحت السيرة مدخلًا للتعرُّف على ملامح سيرة جيل، من دون أن تفقد خصوصيتها، أو تتجاوز ما تسمح به شواهدها.
ولذلك انتهت الدكتورة منى المديهش في دراستها، إلى أنَّ (واستقرَّت بها النَّوى) مادة للتاريخ الاجتماعي والحركة الفكرية، وأنَّها وثيقة تسجِّل الانتقال من الأُمية، إلى التعليم، وتقدِّم ملامح من الحركة الفكرية في المملكة. وتُظهر كيفية حدوث هذا التحوُّل، داخل حياة شخص واحد؛ أمٌّ تدفع أبناءها نحو الدراسة، وطفل يعيش الفقر والمرض، وطالب يتعثَّر ثُمَّ يعيد بناء طريقه، وأستاذٌ يخرج من قاعة الجامعة إلى صفحات الصحف.
وتستمِّد السيرة جانبًا مهمًا من مادتها، من وعيها بمسافة الذاكرة. فقد أشار الكاتب في حوار تلفزيوني معه؛ إلى (أنَّ كتابة سيرته جاءت على نحو عرضي، بعيدًا عن مشروع سابق مكتمل لكتابة السيرة). غير أنَّ الحياة حين تُستعاد بعد عقود، تأخذ شكلًا أكثر انتظامًا ممَّا كانت عليه في لحظة عيشها، مع أنَّها في بداياتها كانت أكثر اضطرابًا وأقل وضوحًا.
فالإنسان حين يعيش حياته لا يمكن أن يرى خيطها الأخير؛ فهو يعيش الاحتمالات، ويتردَّد، ويفشل، ويعيد المحاولة، ولا يعرف دائمًا أين تنتهي الطرق التي يسلكها. أمَّا حين يعود إلى تلك الحياة بعد عقود، فإنَّه يعرف النهاية، ولذلك يستطيع أن يعيد ترتيب البداية والوسط والنهاية، في بناء يبدو متماسكًا إلى حدٍّ كبير.
وهنا تتجلَّى مفارقة الذاكرة، فقد جاءت المدينة المنورة أصلًا تكوينيًا، وجاء التعليم طريقًا، وكان الابتعاث استمرارًا، وصولًا إلى الدكتوراه، التي يمكن عدُّها ذروة المسار العلمي في جانبه الأكاديمي، فمرحلة الكتابة الصحفية، والمشاركة في الأنشطة الثقافية الوطنية.
وتقدِّم السيرةُ الحياةَ كما عاشها صاحبها، وكما أضحت مفهومة له بعد مرور الزمن، بينما تمنح المسافة بين الإنسان الذي عاش الحدث، والإنسان الذي يستعيده؛ سيرة الكاتب بُعدًا فنيًا وتأمُّليًا؛ فالذاكرة تستعيد الماضي، وتعيد تفسيره.
كما تتقاطع في السيرة الوثيقة الذاتية، مع التاريخ الاجتماعي؛ فنلحظ فيها التاريخ الذي مرَّ في حياة فرد، ونشاهد المجتمع كما تجلَّى في ذاكرته، وكذلك الشخصيات التي التقى بها، والقضايا الفكرية التي عاشها وخاضها.
ومن ثَمَّ فقد يكون من المهمِّ التمييز بين المعلومة التاريخية، ودلالة حضورها في السيرة. ففي إشارة الكاتب لحدث (هَوْشة النخاولة)، وتبعاته من (سلوك المجاهدين وتصرفاتهم في المدينة) التي أدانها، مثلًا، لم تنحصر دلالة الحدث في معرفة وقوع اضطرابات في المدينة عام 1375هـ=1953م، وإنَّما تشمل معرفة أنَّ طفلًا كان يسمع أخبارها في مجلس الرجال، وأنَّ تلك الأخبار بقيت في ذاكرته حتى استعادها بعد عقود، وهذه هي الدلالة السيرية للحدث.
وكذلك (قصة محمد بن سالم)؛ فقيمتها الفنية والدلالية، تخطَّت حكاية رجلٍ خرج من المدينة نحو نجد، وأظهرت شبكة الحركة الاجتماعية القديمة، والموقف من التعليم الحديث، ثُمَّ مفارقة الزمن حين صار أبناء البيئة نفسها أطباء وأساتذة جامعات. وبذلك تصبح الحكاية الصغيرة وثيقة غير مباشرة على التحول الكبير.
وتتضح هذه الحركة في بنية السيرة كلها؛ فهي تبدأ بالحياة الخاصة: الأم والإخوة، والبيت والمرض والفقر، ثُمَّ تتشعَّب وتتنامى لتشمل الحي والجيران، والدهليس، والجماعات والمدرسة، وبعدها التعليم والجامعة، إلى أن تصل إلى الابتعاث والدراسة في الخارج، وتستقر في المجال المهني والعلمي، قبل أن تبلغ الصحافة والسجالات والقضايا الوطنية والفكرية.
وقد جعلت هذه الحركة بناء السيرة دائرة تتوسع وتتنامى تدريجيًا، مع استمرار النواة الأولى في مركزها. فالذات تستمر مع اتساع العالم، وتتسع معها دوائر علاقتها به.
وتلتقي هذه الخيوط في الثنائية التي أرى أنَّها تمنح السيرة عنوانها، الذي اخترته لقراءتها: (سيرة رجل وسيرة زمن). فالجيل الذي نشأ في المدينة في ظروف التعليم المحدود؛ وجد نفسه أمام المدرسة والجامعة والابتعاث. والجيل الذي عرف المجلس والراديو؛ وجد نفسه في الجامعة والصحيفة. والجيل الذي كانت العربية بالنسبة إليه لغة الحياة اليومية؛ صار بعض أبنائه يدرسون اللسانيات في الجامعات الغربية.
ومن هنا يمكن قراءة السيرة، على أنَّها سيرة انتقالات متعاقبة؛ انتقال بين الأمكنة، وأنظمة التعليم، وأنواع المعرفة، والأنماط اللغوية، والمجال الخاص والمجال العام، والتلقي والإنتاج. وفي قلب هذه الانتقالات تظلُّ صورة الطفل الذي يسمع الحكايات في الدهليس، إلى أن أصبح الرجل الذي يكتب هذه الحكايات في كتاب.
ففي طفولته كان الكاتب حمزة المزيني يتلقَّى الذاكرة الشفوية من الأم، ومن رجال الأسرة، وفي مرحلة النضج صار يكتب ذاكرته وذاكرة بيئته. وهكذا انتقل من متلقي الذاكرة إلى صانع ذاكرتها، مع احتفاظه بوعي الباحث الذي يتقصَّى الألفاظ والمصطلحات والسياقات.
خاتمة: عندما تستقرُّ النَّوى..
وفي آخر المطاف تبدو (واستقرَّت بها النَّوى)؛ قصة رجل بدأت حياته في المدينة المنورة، وانتهت أستاذًا جامعيًا وكاتبًا صحفيًا، وفي الوقت نفسه رحلة تتقاطع فيها سيرة الفرد مع تحولات المجتمع، وأيضًا رحلة تحفل بالخاص والعام، والذاكرة والتاريخ، والمكان والعلم، والطفولة والمجال الفكري.
وتظلُّ المدينة المنورة حاضرة؛ مكانًا أوَّل، وخزانًا للذاكرة، ومجتمعًا شهد البدايات المبكِّرة لشخصية تغيَّرت أدواتها وأحوالها مع استمرار جذورها.
ولذلك يرشح عنوان السيرة: (واستقرَّت بها النَّوى) بمعنى الرحلة الجغرافية، ويتضمَّن أيضًا صورة رحلة الذاكرة. فقد تنقَّل الكاتب بين المدينة المنورة، والرياض، ولندن، والولايات المتحدة، وبين الجامعة والصحيفة، وبين الدرس اللغوي والسجال الفكري، لكن الذاكرة ظلَّت تعود إلى موضعها الأوَّل.
وهي في عمقها رحلة تحوُّله من طفلٍ في بيئة قَبَليَّة مدنيَّة، إلى متعلِّمٍ ومثقف وأستاذ، ومن متلقٍ إلى منتج، ومن فردٍ يعيش داخل بيئته ومجتمعه؛ إلى إنسان يشارك في مساءلتها ومحاولة فهمها. كما تتيح هذه الرحلة النظر في كيفية تكوُّن المثقف؛ فما الذي تصنعه الأسرة، والبيئة، وما الذي يضيفه التعليم، وما الذي تمنحه الرحلة ؟، وكيف يعيد الإنسان النظر في المكان الذي خرج منه بعد أن امتدت تجربته وتراكمت..؟.
وتقدِّم السيرة فيما تقدِّمه، بواسطة حياة صاحبها، وبواسطة المشاهد والوقائع التي اختارها من نهر تلك الحياة؛ صورة لعلاقة الفرد بالتحول الاجتماعي. فالإنسان يصنع نفسه داخل ظروفه، وتتدخَّل في صناعته الأسرة والمكان، والتعليم والفرص، والتحولات الكبرى.
وهنا تتقاطع سيرة الرجل مع سيرة الزمن. فما قرأناه في الصفحات الأولى من قصة الطفل المدني الفقير، أصبح مع صفحات الزمن قصة جيلٍ عرف التعليم، فالجامعة، فالعالم، وعاد ليشارك في بناء المعرفة وفي النقاش العام. وما بدا لنا ذاكرة فردية، تنامى وامتد لينطوي على أحوال وأزمنة من الذاكرة الجمعية. وظلَّ ذلك المكان على ضفاف وادي العقيق المبارك في المدينة المنورة؛ أصل الرحلة كلها.
ومن ثَمَّ تتآزر عناصر التكوين الأوَّل في صورة واحدة؛ أمٌّ تكافح، وبيت صغير، ووادي العقيق، ومدينة حضارية عريقة حافلة بالمعرفة والناس والحكايات، وطفل يصغي، ومدرسة تفتح باب المستقبل. ومن هذه العناصر تكوَّنت رحلة رجل اتسعت حياته، وتشعَّبت تجاربه، فيما ظلَّت النواة الأولى حاضرة في الذاكرة.
ومن أجمل ما تجلوه السيرة من حقائق النفس والوجود؛ أنَّ الإنسان قد يحمل مكانه الأوَّل معه، مهما امتدت رحلته وترامت، فقد يغادره بالجسد، وتظلُّ النواة راسخة ومستقرة فيه، تحفظ صورة الأم والبيت، والعقيق والمدينة، وتحفظ صوت الحكايات التي سمعها في طفولته.
وإلى ذلك تتآلف النَّوى مع المكان والذاكرة واللغة والسيرة؛ ثُمَّ تستحيل حين تُكتب إلى شهادةٍ على زمنٍ بأكمله.