صبحي شبانة
تتحرك المملكة لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في مواجهة لا يمكن التنبؤ بمآلاتها أو حدود اتساعها، ولا بحجم الخسائر التي قد تترتب عليها، وفي ظل تصاعد التوترات، وتداخل ساحات المواجهة من الخليج العربي إلى البحر الأحمر واليمن، وما يرافقها من تهديدات للملاحة الدولية وأمن الطاقة، وتتجلى أهمية الدبلوماسية السعودية في تحركها لاحتواء التصعيد، وتوسيع فرص التفاهم، وإبقاء المسارات السياسية مفتوحة، بما يحول دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة تتجاوز تداعياتها أطراف الصراع، وتهدد أمن الإقليم واستقراره ومصالح شعوبه، في حرب قد يصعب احتواء مساراتها أو التنبؤ بنهاياتها.
تدرك الرياض أن اندلاع حرب واسعة لن يظل محصورًا في أطرافها المباشرين، بل قد يفتح جبهات متعددة، ويهدد أمن الممرات البحرية، ويربك أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ويضع دول المنطقة أمام تداعيات أمنية واقتصادية يصعب تقدير نهايتها، ومن هنا، تكتسب التحركات السعودية، عبر التواصل مع القوى الدولية المؤثرة وتعزيز التنسيق الإقليمي، أهمية تتجاوز إدارة الأزمات القائمة إلى محاولة منع انفجارها، في لحظة بات فيها احتواء الحرب قبل اندلاعها أكثر إلحاحًا من معالجة نتائجها بعد فوات الأوان.
إن خطورة المرحلة الراهنة لا تكمن في ارتفاع مستوى التوتر وحده، بل في تعدد مساراته، وتشابك ساحاته، واحتمال انتقاله من جبهة إلى أخرى بفعل ردود الفعل المتبادلة أو سوء تقدير الحسابات، فالمواجهة المحتملة بين واشنطن وتل أبيب وطهران لا يمكن النظر إليها باعتبارها صراعًا محدودًا بين أطرافه المباشرين، لأن تداعياتها قد تمتد إلى الخليج العربي والبحر الأحمر واليمن، كما يمكن أن تنعكس على حركة التجارة الدولية وأسواق النفط وسلاسل الإمداد، وتضع دول المنطقة أمام تحديات أمنية واقتصادية لا يمكن عزل أحدها عن الآخر، والأخطر أن الحروب الكبرى لا تسير دائمًا وفق التصورات والخطط التي تضعها الأطراف عند اتخاذ قرار المواجهة، إذ قد تبدأ بحسابات محددة، ثم تتسع بفعل ردود الفعل، وتتوالد عنها أزمات لم تكن في حسبان من أشعل شرارتها، قبل أن يصبح احتواؤها أكثر صعوبة وكلفة.
تتجاوز أهمية التحرك السعودي حدود الدبلوماسية التقليدية إلى محاولة التأثير في البيئة السياسية والإستراتيجية المحيطة بالأزمة، بما يحد من فرص الانزلاق إلى مواجهة يصعب التنبؤ بمداها أو بنتائجها، فالدول التي تدرك خطورة اللحظة لا تنتظر اكتمال الأزمة حتى تتحرك، ولا تكتفي بالتعامل مع نتائجها بعد وقوعها، بل تسعى إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وتوسيع مساحات التفاهم، وبناء المصالح المشتركة التي يمكن أن تشكل حواجز أمام التصعيد، ولا يعني ذلك أن الدبلوماسية قادرة وحدها على إزالة الخلافات العميقة أو ضمان تراجع الأطراف عن حساباتها، وإنما يعني أن ترك الأزمات لمنطق القوة وحده يضاعف احتمالات الخطأ، ويقلص فرص التسوية، ويجعل المنطقة أكثر عرضة لتطورات قد لا يملك أحد القدرة على ضبطها.
تكتسب لقاءات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع نظيريه الأمريكي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف وكذلك مع وزراء خارجية فرنسا وألمانيا والبرازيل واليابان، على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين في أتلانتا، دلالة تتجاوز مضمون المحادثات الثنائية إلى طبيعة الدور الذي تسعى الرياض إلى ممارسته في بيئة دولية شديدة الاستقطاب، فالتواصل مع واشنطن يتيح بحث الملفات التي تتصل مباشرة بأمن المنطقة والعلاقات الإستراتيجية بين البلدين، فيما يوفر التواصل مع موسكو قناة أخرى للحوار بشأن الأزمات الإقليمية والمصالح الدولية المشتركة، وبين الطرفين تتباين الحسابات والمواقف بشأن عدد من الملفات الكبرى، لكن هذا التباين لا يلغي أهمية استمرار الاتصال، بل يزيد الحاجة إليه في مرحلة تتراجع فيها فرص التوافق الدولي، وتصبح فيها القنوات الدبلوماسية أكثر ضرورة لمنع الخلافات من التحول إلى مواجهات مفتوحة.
ويتجسد هذا الحضور الدبلوماسي في حركة نشطة يقودها وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، الذي تعكس تحركاته المتواصلة حجم الجهد السعودي المبذول على امتداد العواصم ومراكز القرار الدولية، فمن يتابع إيقاع تحركاته يدرك حجم ما تتطلبه هذه الدبلوماسية من عمل ومتابعة؛ فبين عاصمة وأخرى، ومن اجتماع دولي إلى لقاء ثنائي، تتوالى الزيارات والاتصالات بوتيرة تكاد تجعل الليل امتدادًا للنهار، وتفقد معها المسافات وفوارق التوقيت معناها المعتاد. ففي أيام قليلة، ينتقل الوزير بين عواصم ومراكز قرار دولية، حاملًا ملفات المنطقة وأولويات المملكة إلى طاولات الحوار، ومتابعًا تطوراتها مع نظرائه من مختلف القوى المؤثرة، وقد لا يكون السؤال الأهم متى يجد وقتًا للراحة، بل كيف يتيح هذا الإيقاع المتسارع حضورًا سعوديًا متصلًا في لحظة إقليمية لا تحتمل الغياب أو الانتظار.
لا ينبغي قراءة هذا التحرك باعتباره محاولة للوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى، أو باعتباره إعلانًا عن وساطة سعودية محددة بين واشنطن وطهران، ما لم تتوافر مؤشرات واضحة على وجود مسار تفاوضي معلن، فالأدق أن الرياض تعمل على توظيف شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية للحفاظ على فرص التواصل، والدفاع عن مصالحها الأمنية والاقتصادية، وتعزيز فرص الاستقرار في محيطها، في وقت تتطلب فيه الأزمات المتداخلة اتصالات متعددة المستويات، فالدبلوماسية الفاعلة لا تعني بالضرورة التوفيق بين جميع المواقف، وإنما تعني القدرة على مخاطبة الأطراف المؤثرة، وفهم حساباتها، وتحديد نقاط الالتقاء الممكنة، والعمل على منع الخلافات من إغلاق الأبواب أمام الحلول السياسية.
ويكتسب التنسيق السعودي الأمريكي أهمية خاصة بالنظر إلى عمق العلاقات بين البلدين وتشعب مصالحهما الإستراتيجية والاقتصادية والأمنية، فالولايات المتحدة تظل قوة دولية مؤثرة في معادلات أمن الخليج، كما أن مواقفها وسياساتها تجاه إيران تنعكس بصورة مباشرة على مستوى التوتر في المنطقة، وعلى حسابات الأطراف الأخرى، ولذلك، فإن التواصل مع الإدارة الأمريكية بشأن الأوضاع الإقليمية لا ينفصل عن الحرص على استقرار الخليج وحماية المصالح الحيوية للمملكة، ولا عن أهمية إبقاء الاعتبارات السياسية والإستراتيجية حاضرة في حسابات التعامل مع الأزمات، بدلًا من ترك المجال لتصاعد منطق المواجهة العسكرية وحده، وفي نفس الوقت فإن العلاقات السعودية الأمريكية لا تقتصر على الجوانب الأمنية والسياسية، بل تمتد إلى مجالات الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والتنمية، وهو ما تجلى أيضًا في توقيع اتفاق مشاركة الولايات المتحدة في معرض إكسبو الرياض 2030 بصفة مشارك رسمي، وتكتسب هذه الخطوة أهمية تتجاوز المشاركة في حدث دولي، لأنها تعكس اتساع المصالح المشتركة وتعدد مسارات التعاون بين البلدين فالعلاقات الدولية الأكثر استقرارًا ليست تلك التي تقتصر على إدارة الخلافات عند وقوعها، بل تلك التي تقوم على مصالح متشابكة، وتعاون طويل الأجل، وروابط اقتصادية تخلق حوافز إضافية للحفاظ على بيئة إقليمية مستقرة. ومع ذلك، فإن المصالح الاقتصادية لا تلغي الخلافات السياسية ولا تضمن وحدها تجنب الصراعات، لكنها توفر أرضية يمكن البناء عليها لتعزيز الحوار وتوسيع الخيارات السلمية.
وفيما يتعلق بالتنسيق السعودي الروسي، فيمثل بدوره جانبًا مهمًا من المقاربة الدبلوماسية التي تسعى إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع القوى الدولية المؤثرة، فروسيا تمتلك حضورًا سياسيًا وإستراتيجيًا في عدد من ملفات المنطقة، وترتبط مع المملكة بمصالح مشتركة، من بينها التنسيق في إطار أوبك بلس، الذي يمثل إحدى الأدوات المهمة في إدارة سياسات إنتاج النفط والتعامل مع تقلبات السوق، وفي ظل الاضطرابات الجيوسياسية، تصبح استمرارية الحوار بين المنتجين الرئيسيين للطاقة ذات أهمية مضاعفة، لأن التوترات العسكرية لا تؤثر في الإمدادات الفعلية فحسب، بل تنعكس كذلك على توقعات الأسواق وتكاليف النقل والتأمين ومستويات المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي، ولا يعني استمرار التنسيق مع موسكو أن الخلافات الدولية قد تراجعت، أو أن التباين في المواقف بشأن الحروب والأزمات قد أصبح أقل تأثيرًا، بل إن الانقسامات القائمة تجعل الاتصالات الثنائية أكثر أهمية، فعندما يتعذر الوصول إلى توافق واسع داخل المؤسسات الدولية، تصبح القنوات المباشرة وسيلة ضرورية لتبادل الرؤى والافكار، ومناقشة المصالح، والبحث عن مساحات محدودة يمكن أن تتقاطع عندها المواقف، وقد لا تفضي هذه الاتصالات إلى نتائج فورية، لكنها تساعد على منع العزلة الدبلوماسية، وتحد من احتمالات سوء الفهم، وتتيح للدول المعنية عرض رؤيتها بشأن المخاطر التي قد تترتب على اتساع المواجهة.
إن النجاح الأهم للدبلوماسية السعودية لا يقتصر على إدارة العلاقات مع واشنطن وموسكو، بل يمتد إلى الملفات الإقليمية التي تتشابك فيها التهديدات العسكرية مع المصالح الاقتصادية وأمن الممرات البحرية، فمضيق هرمز ليس مجرد ممر جغرافي تعبر منه ناقلات النفط والسفن التجارية، بل يمثل إحدى النقاط الأكثر حساسية في منظومة الطاقة العالمية، وأي اضطراب واسع في حركة الملاحة فيه يمكن أن ينعكس سريعًا على أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين، وأن يضيف ضغوطًا جديدة على اقتصادات تعتمد على استقرار تدفقات الطاقة والتجارة، كما أن تصاعد المخاطر في هذا الممر لا يقتصر أثره على الدول المطلة عليه، لأن الترابط بين أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد يجعل تداعياته ممتدة إلى اقتصادات بعيدة عن مسرح الأزمة.
وتتضاعف خطورة المشهد عندما يقترن التوتر في هرمز بالمخاطر المحيطة بباب المندب والبحر الأحمر، فالأخير يمثل حلقة حيوية في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب في الملاحة عبره يمكن أن يفرض على السفن مسارات أطول وأكثر كلفة، ويرفع أعباء النقل، ويؤثر في انتظام تدفق السلع والمواد الأولية، وإذا تعرض الممران البحريان في الوقت نفسه لضغوط متزايدة، فإن العالم قد يواجه أزمة متزامنة في اثنين من أهم الشرايين البحرية للتجارة والطاقة، بما يضاعف الأثر الاقتصادي لأي تصعيد عسكري، ويجعل تداعياته أوسع بكثير من حدود المواجهة المباشرة.
ولذا فإن أمن باب المندب لا يمكن فصله عن تطورات المشهد اليمني، كما أن استقرار هرمز يظل مرتبطًا بمستوى التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وبقدرة الأطراف المعنية على تجنب خطوات قد تؤدي إلى تعطيل الملاحة أو توسيع نطاق المواجهة، فاليمن بما يشهده من تعقيدات سياسية وأمنية وتعدد في القوى والجماعات المسلحة يمثل أحد الملفات التي يمكن أن تتحول تداعياتها إلى عامل ضغط على أمن البحر الأحمر، وفي المقابل، فإن أي تصعيد واسع في الخليج قد يرفع المخاطر على الممرات البحرية ويزيد احتمالات تداخل جبهات التوتر، بما يجعل احتواء الأزمات في كل من اليمن والخليج جزءًا من معادلة إقليمية واحدة، لا ملفات منفصلة يمكن معالجة كل منها بمعزل عن الأخرى وهذه هي إحدى الحقائق التي ينبغي أن تحكم قراءة التحركات السعودية، فالمملكة لا تواجه تحديًا واحدًا يمكن التعامل معه بأداة منفردة، وإنما تتحرك في بيئة تتقاطع فيها المخاطر الأمنية مع المصالح الاقتصادية، وتؤثر فيها حسابات القوى الكبرى وفي تطورات الأزمات المحلية، بينما تظل الدول الإقليمية الأكثر عرضة لتداعياتها المباشرة، إن حماية الملاحة لا تتحقق فقط من خلال الإجراءات الأمنية على أهميتها، بل تحتاج أيضًا إلى معالجة الأسباب السياسية التي تجعل الممرات البحرية عرضة للتهديد، كما أن خفض التوتر في الخليج لا يمكن أن ينفصل عن الجهود الرامية إلى منع اتساع المواجهة مع إيران، أو عن العمل على تجنيب اليمن مزيدًا من التصعيد الذي قد ينعكس على أمن المنطقة بأكملها.
ومن مقتضيات حماية المصالح الوطنية، ضرورة التمييز بين صون هذه المصالح وبين الانجرار إلى حسابات المواجهة التي قد تفرضها تطورات الصراع ، فالدول التي تتمتع بمكانة إقليمية مؤثرة لا تقاس قدرتها فقط بامتلاك عناصر القوة، وإنما أيضًا بقدرتها على توظيف هذه العناصر في حماية الاستقرار، وتقليل المخاطر، ومنع الأزمات من فرض واقع لا يخدم مصالحها، والمملكة بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي ومكانتها في العالمين العربي والإسلامي، وبحكم ارتباط أمن الخليج والبحر الأحمر بأمنها الوطني، معنية مباشرة بمنع تحول التوترات الراهنة إلى حرب إقليمية واسعة، كما أن مصالحها التنموية والاقتصادية تقتضي الحفاظ على بيئة مستقرة تتيح مواصلة تنفيذ برامج التحول الوطني وجذب الاستثمارات وتطوير القطاعات الإنتاجية.
فالحروب الواسعة لا تستنزف الموارد العسكرية وحدها، بل تفرض تكاليف مباشرة وغير مباشرة على التنمية والاستثمار والتجارة، وتزيد حالة عدم اليقين في الأسواق، وتدفع الحكومات إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق لمواجهة المخاطر الطارئة، كما أن اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين والنقل يمكن أن ينعكس على أسعار السلع، ويزيد الضغوط على التجارة البينية، ويؤثر في تدفق السلع وحركة الإمدادات بين الأسواق، ويؤثر في حركة الاستثمارات والسياحة والمشروعات طويلة الأجل، ومن ثم، فإن منع التصعيد ليس هدفًا سياسيًا مجردًا، وإنما ضرورة اقتصادية وتنموية تتصل بمصالح الشعوب ومستقبلها، وتؤكد أن الاستقرار ليس نقيضًا للقوة، بل أحد أهم شروط توظيفها في بناء اقتصاد متنوع ومستدام، ومع ذلك لا ينبغي المبالغة في تقدير قدرة أي تحرك دبلوماسي على التحكم في مسار الأزمة، فالتحدي الحقيقي يكمن في أن الأطراف المعنية لا تتحرك وفق حسابات متطابقة، ولا تتفق بالضرورة على تعريف التهديد أو تحديد كلفة المواجهة أو توقيت التهدئة، فالولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لكل منها حساباتها وأهدافها وتقديراتها، وقد ترى بعض الأطراف أن الضغط العسكري يحقق مكاسب سياسية، فيما تخشى أطراف أخرى أن يؤدي التراجع إلى إضعاف موقعها التفاوضي أو ردعها الإستراتيجي، وعندما تتعارض هذه التقديرات، يصبح الوصول إلى تفاهم أكثر صعوبة، كما تزداد احتمالات أن تؤدي خطوة محسوبة من طرف ما إلى رد فعل غير متوقع من الطرف الآخر.
وتكمن خطورة المعضلة في أن التصعيد قد لا يحتاج إلى قرار معلن بخوض حرب شاملة، بل قد ينشأ من سلسلة من التحركات والردود التي يعتقد كل طرف أنه قادر على ضبطها، فقد يؤدي هجوم محدود إلى رد أوسع، ثم يتسبب الرد في فتح جبهة إضافية، قبل أن تتداخل المصالح والحسابات وتصبح العودة إلى نقطة البداية أكثر تعقيدًا، وفي مثل هذه الظروف، لا يستطيع أحد أن يقدم ضمانات بشأن المدى الذي قد تصل إليه المواجهة، أو أن يتنبأ على نحو قاطع بكيفية انتهائها، ولذلك فإن الرهان على قدرة الأطراف على احتواء التصعيد بعد اندلاعه قد يكون رهانًا محفوفًا بالمخاطر، خصوصًا عندما تتعدد الجبهات وتتداخل فيها القوى المباشرة وغير المباشرة.
ومن هنا تكتسب الدبلوماسية الوقائية أهميتها، لأنها تنطلق من أن أفضل الأزمات هي تلك التي يمكن منعها قبل أن تتحول إلى واقع، وأن تكلفة التحرك المبكر أقل بكثير من تكلفة احتواء حرب اتسعت دوائرها، ولا تعني الدبلوماسية الوقائية الاكتفاء بالدعوات العامة إلى ضبط النفس، بل تتطلب اتصالات مستمرة، وتقديرًا دقيقًا لمواقف الأطراف، وبحثًا عن المصالح التي يمكن أن تشكل أساسًا لتفاهمات عملية، فضلًا عن دعم المسارات السياسية التي تعالج جذور الأزمات بدلًا من الاكتفاء بإدارة أعراضها، كما تتطلب إدراكًا بأن النجاح لا يتحقق بالضرورة عبر تسوية شاملة وفورية، وإنما قد يبدأ بخطوات محدودة تمنع توسع المواجهة، وتحافظ على حرية الملاحة، وتعيد فتح قنوات الحوار، وتخفض فرص سوء التقدير.
ولا تكتمل فاعلية التحرك الدبلوماسي إلا بترجمته إلى خطوات عملية قابلة للقياس، من خلال دعم الجهود الرامية إلى خفض التصعيد، وتعزيز التفاهمات المتعلقة بحرية الملاحة، والعمل على تسوية الأزمة اليمنية بما يحفظ وحدة البلاد ومؤسساتها ويحد من استخدام أراضيها في تهديد أمن المنطقة، كما أن استمرار الحوار بين القوى الدولية بشأن استقرار أسواق الطاقة والممرات البحرية يمكن أن يسهم في تقليل المخاطر، شريطة ألا يظل حبيس التصريحات والمواقف العامة، وأن يرتبط بإرادة سياسية لدى الأطراف المعنية لتجنب الخطوات التي قد تشعل مواجهة أوسع، ولا يقل عن ذلك أهمية الحفاظ على التنسيق الإقليمي، لأن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق من خلال علاقات ثنائية مع القوى الكبرى وحدها، مهما كانت أهميتها، فالدول العربية المطلة على الخليج والبحر الأحمر تتشارك قدرًا كبيرًا من المصالح والمخاطر، وإن اختلفت تقديراتها لبعض الملفات، الأمر الذي يجعل تعزيز الحوار بينها ضرورة لتنسيق المواقف بشأن أمن الملاحة والطاقة، وتجنب انتقال الأزمات من ساحة إلى أخرى، وتوسيع فرص التوصل إلى مقاربات سياسية مشتركة، كما أن وجود تفاهمات إقليمية بشأن احترام سيادة الدول، وعدم استخدام أراضيها أو ممراتها البحرية لتوسيع الصراعات، من شأنه أن يعزز فرص الاستقرار ويحد من قدرة الأزمات المحلية على التحول إلى تهديدات عابرة للحدود.
إن الدور السعودي في هذه المرحلة يتجاوز حدود التحرك الدبلوماسي التقليدي، ليعكس رؤية إستراتيجية تستند إلى إدراك عميق لترابط أمن المنطقة واستقرارها، وإلى مسؤولية المملكة ومكانتها في حماية المصالح العربية والإقليمية، فمن خلال اتصالاتها الدولية وتحركاتها السياسية، تعمل الرياض على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، وتعزيز فرص الحلول السياسية، وتوسيع دائرة التفاهم بين الأطراف المؤثرة، بما يسهم في احتواء التصعيد والحيلولة دون اتساع دائرة الصراع. ولا تقتصر أهمية هذا الدور على التعامل مع الأزمات القائمة، بل تمتد إلى العمل على منع نشوء ظروف تدفع المنطقة نحو مواجهة مفتوحة، والدفاع عن أمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة والمصالح الاقتصادية المشتركة، وهنا تتجلى قيمة الدبلوماسية السعودية في قدرتها على الجمع بين ثقل المملكة السياسي والاقتصادي، وشبكة علاقاتها الدولية كما هي مع الدول الأخرى التي التقاها وزير خارجية المملكة على هامش اجتماعات وزراء خارجية مجموعة العشرين، وحرصها على تغليب لغة الحوار والتفاهم، بما يعزز فرص الاستقرار ويحمي المنطقة من تداعيات صراعات لا تخدم شعوبها أو مستقبلها.
وفي عالم يتسم بتراجع القدرة على التنبؤ بتطورات الصراعات، لا تبدو الحكمة في المراهنة على سيناريو واحد، بل في العمل على منع السيناريو الأسوأ، والاستعداد لتداعيات الاحتمالات المختلفة، والحفاظ على قنوات الاتصال حتى عندما تضيق فرص التفاهم، فالقوة لا تعني بالضرورة الذهاب إلى المواجهة، كما أن التهدئة لا تعني التخلي عن المصالح أو التفريط في الحقوق، بل قد تكون التعبير الأكثر نضجًا عن إدراك موازين المخاطر، والقدرة على التمييز بين ما يمكن تحقيقه بالقوة وما قد يؤدي استخدام القوة فيه إلى خسائر تتجاوز أي مكسب محتمل، ولذلك تتحرك الرياض في لحظة إقليمية دقيقة، تسعى فيها إلى حماية أمنها ومصالح المنطقة، ومنع اتساع دائرة المواجهة، وصون الممرات البحرية التي تمثل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي، مع الحفاظ على علاقاتها الدولية بوصفها أدوات للتأثير والحوار لا مجرد روابط سياسية واقتصادية، وقد لا تملك الدبلوماسية السعودية وحدها مفاتيح إنهاء الصراع أو ضمان استجابة القوى المتنافسة لمقتضيات التهدئة، لكنها تستطيع أن تسهم في تضييق مساحات التصعيد، وتوسيع فرص التواصل، وتعزيز الاتجاه نحو حلول تحول دون انفجار إقليمي يصعب احتواء نتائجه، وفي منطقة تقف على مفترق طرق، يبقى الاختبار الأهم هو أن تنجح السياسة في منع الحرب قبل اندلاعها، لأن احتواء الأزمات وهي في بداياتها أقل كلفة بكثير من محاولة إصلاح ما تتركه الحروب من خسائر وندوب قد تمتد آثارها لسنوات طويلة، وتعيد تشكيل خرائط النفوذ والاستقرار على نحو لا يمكن لأحد أن يضمن نتائجه أو يحيط بكل تداعياته.