إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
ثمة لحظةٌ غامضةٌ تتكرر في حياة الكثيرين دون أن يعيروها انتباهاً كافياً لكنها تترك في النفس أثراً لا يُمحى. تكون سائراً في ممرّ هادئ أو تعبر في فناء معروضاتٍ مفتوح أو ربما تزور صديقاً يُدرك كيف يحاور المساحات ويجعل للأركان أسباباً للبقاء وفجأةً.. تتوقف.لا شيء يجبر خطوتك على التباطؤ سوى قماشٍ مشدود على إطار خشب سُكبت عليه ألوانٌ بعناية أو ضُربت على سطحه معجوناتٌ أظهرت ملمساً خشناً يشبه جدار بيت قديم في حارةٍ نسيتها يد الزمان لكنها لا تزال تنبض بالدفء. تقف هناك، تتبادل الصمت مع اللوحة. لا تصدر هي صوتاً ولا تهتف باسمك لكنك تدري تماماً في تلك البرهة أنها خاطبت فيك شيئاً كان غائماً وتجلّى ومست شغافاً كان ينتظر من يوقظه.في تلك اللحظة بالذات، يولد سؤالٌ خفيّ يتسلل كهمسٍ استحيائيّ بينك وبين نفسك: «ماذا لو كانت هذه القطعة لي؟ ماذا لو أخذتها معي إلى بيتي، لتجلس معي كل صباح بجوار فنجان القهوة، وأتأمل تفاصيلها كلما أثقلت الكاهل ضوضاء العالم؟»لكن السير نحو الفن لا يخلو من رهبة خفية، القارئ الذي لم يعتد دخول الصالات الفنية أو متابعة المعارض قد يشعر بأن ثمة سياجاً زجاجياً عازلاً يفصله عن هذا العالم. تخيفه المصطلحات المعقدة التي يتبادلها النقاد بنبرة صارمة والأسماء المترددة بأحرفٍ ثقيلة أو تلك الأرقام المعلقة تحت الأعمال والتي تجعل الاقتناء يبدو كأنه حصنٌ مخصص لخبراء يملكون مفاتيح الشفرات أو مقتنين كبار.الحقيقة الأبسط، والشرط الأجمل الذي ينبغي أن نعلنه بوضوح هو أن الفن لم يُخلق ليكون لغزاً مغلقاً ولا محميةً للعارفين فقط؛ الفن خُلِق ليُعاش وليكون مشاعاً لكل عين تُبصر وقلبٍ ينبض. واقتناء لوحتك الأولى ليس صفقةً تجارية باردة، هو أول حديث رسمي تعلنه بين ذائقتك وبين روحك وخطوتك الأولى لتجسيد جمالٍ يخصك وحدك.
سحر النداء الأول
حين تفكر في الشراء لأول مرة ستجد الأصوات تنهال عليك من كل حدب وصوب وكلٌ يحمل فلسفته الخاصة. سيقول لك أحدهم بثقة المحلل: «ابحث عن الاسم الشائع واشترِ من يتردد اسمه في الساحة الفنية»، وسيخبرك آخر بلغة الأرقام: «تأكد من القيمة الاستثمارية والجدوى المالية للعمل بعد عشر سنوات». دعك من كل هذا في البداية فالفن الذي لا يمس روحك أولاً لن ينفعك مجده في سوق المزادات.
اقتناء اللوحة الأولى يجب أن يبدأ حتماً من النداء البصري المباشر.. تلك الجاذبية السحرية التي لا تفسرها القوانين.
تخيل نفسك تسير في صالة عرض تُضاء بقعها الضوئية بخفوتٍ مدروس. تتجول بين اللوحات: بعضها يعرض أشكالاً هندسية صارمة تتطلب تفكيراً رياضياً، وبعضها ينضح بوجوهٍ حزينة أو انفعالات صارخة تضج بالغموض، وبعضها الآخر يحتفي بطبقات من الأزرق التركوازي والبني المحروق، تذكرك بظلال الجدران القديمة وسطوع الشمس عليها في ظهيرة الصيف.
اللوحة التي تعنيك لن تناديك بصوتٍ عالٍ بل ستشدك إليها بجاذبية لا يمكنك فك شفرتها في حينها. ستجد نفسك تتجاوز الأعمال الأخرى ثم تعود إليها مرتين وثلاثاً، تبصُر التفاصيل الصغيرة، تنظر إلى الملمس الحاد للسكين، تتابع تدرج الضوء في ثناياها، وشيئاً فشيئاً تكتشف أن العمل لم يعد مجرد مساحة ديكورية تملأ فراغاً، لكنه أصبح مرآةً لشيءٍ ما يخالج داخلك، كأن الفنان كان يفكك ذكرياتك أنت وهو يضع ضرباته الأخيرة.
لا تشتري بعين غيرك، لا تقتنِ قطعةً فقط لأنها تعجب الناقد الفلاني أو لأن ألوانها تطابق لون الأريكة في غرفة المعيشة؛ فالأريكة ستتغير وتُستبدل بعد سنوات، أما اللوحة الحقيقية التي مسّت فؤادك فستعيش معك لتبني معها ذاكرة وحكاية. ابحث عن الأثر النفسي الذي تتركه فيك: هل تمنحك الطمأنينة بعد يوم عمل شاق؟ هل تسير بك نحو الحنين إلى الأماكن والوجوه؟ هل تثير فيك أسئلةً لا تنتهي كلما أطلت النظر إليها؟ إذا حدث هذا الانجذاب، فقد عبرت نصف الطريق وأصبحت مقتنياً قبل أن تدفع أي مبلغ.
كواليس المرسم
عندما تقترب أكثر من اللوحة التي خطفت عينيك، حان الوقت لتمارس دور «المكتشف الذكي» الذي لا يكتفي بالشغف وحده، إنما يسعى لفهم الجسد الذي حُمل عليه هذا المعنى. الفن التشكيلـي ليس مجرد فكرة سابحة في الفضاء، هو حرفة مضنية وجسد مادي وتقنيات تروي قصتها.
انظر إلى سطح اللوحة بتمعن وشغف (دون أن تمسها بيدك بالطبع، فالزيوت والأحماض الطبيعية على البشرة قد تؤذي القماش وتترك أثراً عبر السنوات):
الألوان والخامات: هل تستخدم اللوحة ألوان الزيت ذات العمق والبريق الثقيل الذي يتطلب شهوراً لكي يجف ويكتسب صلابته؟ أم الأكريليك الشفاف والسريع الحضور الذي يتيح للفنان بناء طبقات متتالية بجرأة؟ أم أن الفنان ذهب إلى خاماتٍ وسيطة ومواد مختلفة، من أتربة ومعجون وأنسجة تمنح السطح بروزاً وتجسيداً يحاكي ملمس الحياة الواقعية؟
ملمس الضربات: أحياناً تكون اللوحة ملساء تماماً كصفحة ماء هادئة في ظهيرة ساكنة، وأحياناً ترى ضربات الفرشاة أو سكين الرسم جليّةً وبارزة كأن الفنان كان في حالة سجال ملحمي مع القماش؛ يضع اللون بقوة ثم يكشطه ليرسم حافة جدار أو ظلاً لزقاق قديم أو كتل ضوء متكسرة. هذا الملمس يمنح اللوحة «حياة ثالثة» إذ تتغير ظلالها وبريقها مع تغيير زاوية الضوء في الغرفة طوال ساعات النهار.
التوقيع والتاريخ: ابحث عن توقيع الفنان وتاريخ إنجاز العمل، ليس فقط للتأكد من الملكية، لكن لقراءة الزمان. التوقيع ليس مجرد إثبات اسم، التوقيع هو الفاصل الزمني الذي يربط اللوحة بفرشاة صاحبها في لحظة تاريخية محددة من مسيرته ورؤيته.
فهمك لهذه التفاصيل يخرجك من حالة المشاهد العابر الذي يستحسن الألوان سريعاً، إلى حالة المتذوق العارف الذي يدرك حجم الجهد والروح المبذولة في كل جزء من هذه اللوحة ، ستشعر حينها أنك لا تتعامل مع شيء صامت لكن مع وثيقة إنسانية خُطّت بالظل والنور.
أين تجد ضالتك؟
ليس عليك أن تنتظر مزادات كريستيز أو ساوثبيز لتخوض التجربة ولا أن تتصفح الكتالوجات الباهظة لتطارد الأرقام الفلكية لتبدأ رحلتك. عالم الفن التشكيلـي أرحب وأقرب وأكثر دفئاً مما تتخيل، والخيارات المتاحة تجعل الوصول إلى مرادك أمراً ممكناً وشيقاً.
- معارض المجموعات والمعارض السنوية:
تُقام في المدن والمؤسسات الثقافية باستمرار معارض جماعية تجمع بين أسماء كبار الرواد الذين كرّسوا حضورهم، وبين شباب يقدمون تجارب جديدة ومبتكرة. هذه المعارض هي المكان الأنسب للمتذوق الجديد لأنها توفر تنوعاً واسعاً في الأساليب والمدارس والأسعار تحت سقف واحد، وتسمح لك بمقارنة الذائقة واكتشاف الاتجاه الذي يميل إليه قلبك.
* الاستوديوهات المفتوحة وورش الفنانين:
زيارة مرسم الفنان هي واحدة من أمتع التجارب الثقافية على الإطلاق. هناك بين رائحة التربنتين والمذيبات والأقمشة الملقاة في الزوايا وعلب الألوان المعتصرة تتحدث مع الفنان مباشرة. تسأله عن حكاية هذه اللوحة وعن السبب الذي جعله يختار هذا التدرج اللوني دون غيره، وكيف وُلدت الفكرة على القماش. الاقتناء من المرسم يمنحك قصة اللوحة كاملة مسبوقة بسلامٍ دافئ وثقة متبادلة لا توفرها الوسائط التجارية.
* الصحافة الصفحات المتخصصة والكتالوجات:
متابعة التغطيات والقراءات التشكيلية في الصحف والمجلات الثقافية تزودك بخريطة بصرية مستمرة. حين تقرأ عن تجربة فنان ما وتفهم جذوره الفكرية أو اتجاهاته في رسم البيئة والذاكرة والمكان تذهب إلى معرضه وأنت تحمل مفاتيح الفهم مما يجعل قرار الشراء مبنياً على معرفة وتذوق عميق وليس على الصدفة المحضة.
كيف تزن القيمة وتفاوض بشغف؟
تصل الرحلة إلى لحظة الحسم، حيث يلتقي الشغف بالواقع: «كم تساوي هذه اللوحة؟ وكيف أعرف أن السعر المطلوب عادل ولا يرهق ميزانيتي؟»
من الطبيعي جداً أن يشعر القارئ الذي يخوض التجربة لأول مرة بالارتباك هنا، ويخشى أن يبدو غير عارف بقواعد السوق. لكن ثمة معادلة هادئة يمكنك الاستناد إليها لتزن الأمور بعقلانية دون أن تفقد متعة الشغف:
المساحة وحجم العمل: بطبيعة الحال، الأعمال الكبيرة تتطلب جهداً وخامات ووقتاً أطول، لكن الحجم ليس المعيار الوحيد دائماً؛ فقد تكون لوحة صغيرة الحجم مفعمة بالتفاصيل والمركزات الفنية التي تجعل قيمتها توازي عملاً كبيراً.
مرحلة الفنان وسجله الفني: الفنان الذي قضى عقوداً في محترفه، وشارك في معارض وطنية ودولية وتقتني أعماله المؤسسات أو المتاحف، يختلف تقييم أعماله عن فنان في بداية طريقه. اقتناء عمل لأسماء مكرسة يمنحك قيمة تاريخية واستثمارية ملموسة، بينما اقتناء عمل لفنان شاب واعد يمنحك مغامرة اكتشاف مشوقة فضلاً عن كونه دعماً مباشراً وحقيقياً لحركة الفن الواعدة ولإنسان يكرس حياته للجمال.الشهادات والأصالة: تأكد دائماً أن اللوحة ترتبط بـ شهادة أصالة موشحة بتوقيع الفنان أو الصالة العارضة، تتضمن اسم العمل، مقاساته الدقيقة، الخامات المستخدمة، وتاريخ الإنتاج. هذه الشهادة هي الهوية الرسمية للوحة والتي تحفظ قيمتها وتصونها عبر الزمن وتثبت ملكيتك لها.لا تتصرف بحرج عندما تسأل عن التفاصيل المالية أو تسأل عن إمكانية تيسير طرق الدفع. الصالات والفنانون الحقيقيون يرحبون بهذا النقاش لأنهم يدركون أن من يسأل بتمعن هو شخص يحترم الفن ويقدر الجهد المبذول وراء كل ضربة فرشاة ويسعى بصدق ليعطي العمل بيتاً يقدّره.
كيف تبدأ المجموعات العظيمة؟
إذا عدت إلى تاريخ المجموعات الفنية الشهيرة في العالم أو في عالمنا العربي، ستكتشف حقيقة مذهلة: أغلب المقتنين الكبار لم يبدأوا بثروات طائلة ولا بخبراء يحيطون بهم من كل جانب. بدأت رحلاتهم بقرار بسيط اتخذه شخص مأخوذ بالجمال اشترى لوحته الأولى بمدخرات بسيطة لأنه لم يستطع أن يمد عينيه عنها.يُحكى عن مقتنين كانوا يقتطعون جزءاً من رواتبهم الشهرية لشراء عمل فني لرسام شاب في أربعينيات أو خمسينيات القرن الماضي. لم يكن الهدف تحقيق أرباح في المزادات بل كان الدافع هو الرغبة في إحاطة حياتهم بالجمال والعيش مع أفكار حية. ومع مرور العقود تحولت تلك اللوحات المفردة إلى مجموعات تاريخية تروي قصة عصر كامل وأصبحت ثروة ثقافية وفنية لا تُقدر بمال.
هذا يذكرنا بأن اللوحة الأولى ليست مجرد قطعة أثاث تحرص على تنسيق ألوانها مع الستائر، هي حجر الأساس في بناء «مجموعتك الشخصية». إنها تعكس تطور ذائقتك عبر الزمن فاليوم تشتري لوحة تفيض بالهدوء وغداً تجذبك قطعة تشكيلية تعتمد على التجريد والصدمة البصرية وبعد سنوات تنظر إلى جدرانك لتجد تاريخك النفسي والفكري مكتوباً بالألوان وكأن كل لوحة هي فصل في سيرتك الذاتية التي لا ترويها الكلمات بل يرويها الضوء.
اللوحة في بيتها الجديد.. بداية الحوار لا نهايته
اخترت اللوحة وحزمتها بعناية وحملتها إلى بيتك بكثير من الفرح والاعتزاز. يظن البعض أن الرحلة انتهت بمجرد سداد الثمن ونقل اللوحة، بينما الحقيقة أن الفصل الأكثر جمالاً قد بدأ للتو.
تعليق اللوحة في المنزل فنٌ قائم بذاته يقتضي منك بعض التأمل:
مستوى العين هو القاعدة الذهبية: احرص على أن يكون مركز اللوحة في مستوى عين المشاهد أثناء الوقوف الطبيعي (عادة يكون مركز اللوحة على ارتفاع 160- الى 170 سم). لا ترفعها كأنها ساعة حائط، ولا تخفضها حتى تفقد حضورها وتأثيرها البصري.
التنفس والضوء: اترك مساحة فارغة حول اللوحة لتتنفس ولا تزحم الجدار بالأثاث أو الديكورات الصارخة. وتجنب تماماً تسليط أشعة الشمس المباشرة عليها حتى لا تتأثر الألوان بالحرارة والأشعة فوق البنفسجية وتفقد عمقها عبر السنوات. الضوء الخافت أو الإضاءة الموجهة بأسلوب (سبوت لايت) بدفء خفيف هي السحر الذي يوقظ اللوحة في المساء ويمنح الغرفة روحاً مختلفة.
حين تجلس في بيتك بعد يوم طويل مفعم بالمشاغل، وتخفت الضوضاء بالخارج ستلتفت نحو الجدار. ستجد أن ذلك القماش لم يعد مجرد مسطح ساكن لقد أصبح نافذة مفتوحة على عالمٍ آخر على فكرةٍ ابتكرها قلبٌ حالم وعلى لغةٍ راقية لا تحتاج إلى ترجمة.
في تلك اللحظة تحديداً، ستدرك أنك لم تكتفِ بشراء لوحة زُيّن بها الجدار بل أدخلت إلى حياتك صديقاً صامتاً يحكي لك كل يوم حكاية جديدة ويرتقي بذائقتك كلما أمعنت فيه النظر ويكشف لك عن تفاصيل لم تكن تلاحظها في الأمس.
فلا تتردد.. المعرض القادم ينتظرك ولوحتك الأولى ربما تكون الآن معلقة على جدارٍ بعيد، بانتظار خطوتك الأولى نحو الضوء.
** **
X: AL_KHAFAJII