«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
احتضنت مدينة الطيبات العالمية للعلوم والمعرفة بجدة، مساء الاثنين، افتتاح معرض «جماليات الخط العربي والتذهيب التركي.. آيات ونقوش من التراث الإسلامي»، الذي تنظمه وكالة لاقونا للفنون، بدعم من القنصلية العامة للجمهورية التركية بجدة والممثلية الدائمة للجمهورية التركية لدى منظمة التعاون الإسلامي، بمشاركة نخبة من الفنانين الأتراك، وحضور دبلوماسي وثقافي وإعلامي.
وافتتح المعرض السفير جنك أوراز، الممثل الدائم للجمهورية التركية لدى منظمة التعاون الإسلامي، والقنصل العام التركي بجدة مصطفى أونال، بحضور محمد أمين أشان، ممثل وكالة لاقونا، والمهندس سيف الله حامي الدين، المؤسس والشريك بالوكالة.
ويضم المعرض أعمالاً تستلهم جماليات الخط العربي والتذهيب والزخرفة والمنمنمات، مستعيدةً ملامح من الذاكرة البصرية للحضارة الإسلامية، ومبرزةً ما تنطوي عليه هذه الفنون من دقة حرفية وثراء تعبيري، حيث يتحول الحرف من أداة للكتابة إلى عنصر تشكيلي، وتتجاوز الزخرفة وظيفتها التزيينية لتصبح جزءاً من بناء العمل الفني ودلالته.
الخط العربي.. من دلالة الكلمة إلى جمال التكوين
لم يكن الخط العربي عبر تاريخه مجرد وسيلة لتدوين اللغة، بل ارتقى إلى فن بصري تتكامل فيه دلالة الكلمة مع هندسة الحرف وإيقاع التكوين. فمن امتدادات الحروف وانحناءاتها وتناسب المسافات بينها، تشكلت مدارس فنية متعددة، أبرزها الكوفي والنسخ والثلث والديواني والرقعة والفارسي، لكل منها خصائصه الجمالية وقواعده في البناء والتشكيل.
وازدهر هذا الفن مع تطور الحضارة العربية والإسلامية، وانتقل من المصاحف والمخطوطات إلى العمارة والزخرفة وفنون الكتاب، مستفيداً من مرونة الحرف العربي وقابليته للتشكيل، ومن العلاقة الدقيقة بين الخط والفراغ، وتوازن الكتل والنسب.
وفي التجربة التركية، يُعرف الخط العربي بمصطلح «حُسن الخط» (Hüsn-i Hat)، أي الكتابة الجميلة، وقد بلغ ازدهاراً لافتاً خلال العهد العثماني، حين أسهم خطاطون بارزون، من بينهم الشيخ حمد الله، في تأسيس ملامح المدرسة العثمانية وتطوير أساليبها، لتصبح إسطنبول إحدى المحطات المؤثِّرة في تاريخ هذا الفن.
وتستحضر مقولة تركية شهيرة هذه المكانة بعبارة: «نزل القرآن في مكة، وقُرئ في مصر، وكُتب في إسطنبول»، وهي مقولة رمزية تعكس ما اكتسبته المدينة من حضور في تاريخ الخط العربي، وما شهدته من رعاية للخطاطين وتوارث لتقاليده الفنية.
ولا تتوقف صناعة الخط عند مهارة رسم الحروف، بل تقوم على منظومة من المعارف والأدوات والتقاليد، تشمل إعداد القلم والحبر والورق، وفهم قواعد القياس والتناسب، والتلقي المباشر عن الأساتذة؛ وهي ممارسة تتطلب سنوات من التدريب والدقة والصبر.
التذهيب.. حين تصبح الزخرفة فناً قائماً بذاته
يأتي التذهيب مكملاً لجماليات الخط العربي، وأحد أبرز الفنون التي ازدهرت في الحضارة الإسلامية، ويُعرف في المصطلح التركي باسم «Tezhip». ويقوم على توظيف الذهب والألوان والزخارف النباتية والهندسية في تكوينات دقيقة، ارتبطت تاريخياً بتزيين المصاحف والمخطوطات والصفحات الفنية.
ولا يؤدي التذهيب وظيفة الإطار الزخرفي فحسب، بل يشارك في بناء التكوين البصري للعمل، من خلال توزيع العناصر والمساحات والألوان، بما يحقق التوازن بين النص والزخرفة، ويمنح الصفحة ثراءً جمالياً يعكس دقة الصنعة وعمق المعرفة بقواعد التناغم والتناسب.
ومع تطور الفنون التشكيلية، اتسعت إمكانات الحرف العربي، فلم يعد محصوراً في وظيفته الكتابية، بل أصبح مادة تشكيلية تتفاعل مع اللون والملمس والضوء. وبينما تحافظ بعض التجارب على وضوح النص ودلالته، تتجه أخرى إلى التجريد وإعادة صياغة الحروف ضمن رؤى معاصرة تستلهم التراث وتمنحه أبعاداً تعبيرية جديدة.
وقد تجاوز الاعتراف بهذه الفنون حدود التقدير الجمالي، إذ أُدرج فن «حُسن الخط» التقليدي في الفن الإسلامي بتركيا عام 2021 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى منظمة اليونسكو، تقديراً لقيمته الثقافية وما يرتبط به من معارف ومهارات وتقاليد متوارثة.
وفي المملكة، يتعزَّز حضور الخط العربي في المشهد الثقافي والفني، بوصفه أحد روافد الهوية البصرية ومكوناً أصيلاً من الموروث الوطني، وهو ما يبرز أهمية توثيق مدارسه، ودعم الخطاطين، وصون تقنياته، وفتح مسارات جديدة لتوظيفه في الفنون المعاصرة.
هوليا غودو.. ثلاثة عقود في صون جماليات الفن التركي
من بين التجارب الفنية المشاركة في المعرض، تبرز الفنانة التركية هوليا غودو، التي أمضت أكثر من ثلاثة عقود في ممارسة الفنون التركية التقليدية وتعليمها، وجعلت من نقل خبراتها وصون تقنياتها جزءاً أساسياً من مسيرتها الفنية.
وُلدت غودو في إسطنبول عام 1966، وتخرجت في كلية الآداب بجامعة إسطنبول، وبدأ اهتمامها بالفنون التقليدية بالتوازي مع عملها في تدريس الأدب. وشكلت دراستها في دار التطريز القصري محطة مهمة في تأهيلها الفني، إذ تخرجت فيها بمرتبة الشرف عام 1991، إلى جانب حصولها على شهادة فنان من وزارة الثقافة التركية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «إسطنبول تيجارت» التركية في يوليو 2023، ارتبطت بدايات اهتمامها بالتذهيب بالفنان والخطاط البروفيسور علي ألبارسلان، قبل أن تتلقى تدريباً لدى الفنان فؤاد باشار، وتجتاز اختبار الالتحاق بمدرسة النقش في قصر طوب قابي.
وتتجاوز تجربتها فن التذهيب إلى مجالات الإيبرو، المعروف بالرخام الفني، والخط والزخرفة والمنمنمات، وهي تخصصات ترى أنها تتكامل في بنائها الجمالي والتقني، وأن التمكن من أحدها يستدعي الإلمام بقواعد الفنون الأخرى وأساليبها.
وشاركت غودو في معارض داخل تركيا وخارجها، وتولت مهام فنية وتنظيمية، من بينها التنسيق الفني في جمعية الصناعيين ورجال الأعمال المستقلين (MUS?AD)، كما أسهمت في تدريب الفنانين الشباب ببلدية غازي عثمان باشا.
وتنطلق تجربتها من إيمان بأهمية انتقال الفنون التقليدية من جيل إلى آخر عبر الممارسة والتعليم، لا الاكتفاء بعرض نماذجها والاحتفاء بتاريخها. ومن هنا، يكتسب حضورها في جدة أهمية خاصة، بوصفه نافذة للتعرف على تجربة فنية جمعت بين الدراسة والتخصص والممارسة ونقل المعرفة.
أصليهان إسكندر أكسو.. «سلطان السلاطين» وجماليات الفن التركي
وفي تجربة أخرى، تقدم الفنانة التركية أصليهان إسكندر أكسو مساراً فنياً يجمع بين التذهيب والخط والمنمنمات والإيبرو، مستندة إلى تأهيل أكاديمي وتدريب متخصص على أيدي عدد من الفنانين الأتراك.
وُلدت أكسو في قونية عام 1987، ونشأت تجربتها الفنية في إسطنبول، حيث بدأ اهتمامها بالرسم منذ المرحلة الثانوية، وحققت جوائز في مسابقات الرسم الزيتي. ثم توسعت دراستها لتشمل الرسم والمنظور، إلى جانب تدريبات متخصصة في التذهيب والمنمنمات والألوان المائية والإيبرو، كما درست في جامعة يدي تبه، وحصلت لاحقاً على درجة الماجستير من جامعة أوسكودار.
وفي عام 2011، أسست علامتها الفنية «سلطان السلاطين» (The Sultan of Sultans)، المتخصصة في الفنون التركية التقليدية، لتجمع تحت مظلتها الإنتاج الفني وتنظيم المعارض والتعريف بالحرف التراثية وإبراز قيمتها الجمالية.
وامتد حضورها الفني إلى محطات ثقافية داخل تركيا وخارجها؛ فمن قصر بيلاربيي في إسطنبول عام 2012، إلى احتفالات مولانا جلال الدين الرومي في قونية، وصولاً إلى معرض «سلطان السلاطين» في متحف أذربيجان الوطني للفنون الجميلة بالعاصمة باكو عام 2013، بمشاركة فنانات تركيات، في فعالية وثقها معهد يونس إمره الثقافي التركي، وقدمت نماذج من فنون التذهيب والخط والمنمنمات والإيبرو.
وللمملكة حضور في سجل مشاركاتها، إذ عرضت أعمالها ضمن فعالية معرض السياحة في فندق فور سيزونز بالرياض عام 2014، قبل أن تتواصل مشاركاتها في معارض وفعاليات فنية بإسطنبول وبودروم خلال السنوات اللاحقة.
وتعكس تجربتها توجهاً نحو إبقاء الفنون التراثية حاضرة في المشهد المعاصر، من خلال الجمع بين أصالة التقنيات التقليدية ووسائل العرض والتعريف الحديثة. ويأتي مشروع «سلطان السلاطين» امتداداً لهذا المسار، باعتباره مساحة تلتقي فيها الحرفة بالمعرفة، ويتحول فيها التراث من موروث محفوظ إلى ممارسة فنية قابلة للتجدد والانتشار.
الفنون.. جسور ثقافية تتجاوز الجغرافيا
تكشف الأعمال والتجارب التي يحتضنها معرض «آيات ونقوش» عن عمق الصلات بين الفنون التركية التقليدية والموروث الإسلامي المشترك؛ فالخط والتذهيب والمنمنمات والإيبرو ليست مجرد تقنيات فنية، بل حصيلة تراكم حضاري ومعرفي انتقل بين الثقافات، واكتسب في كل بيئة خصوصية جمالية تعكس تاريخها وهويتها.
ومن هذا المنطلق، تتجاوز قيمة المعرض حدود عرض الأعمال إلى إتاحة قراءة بصرية لثراء الفنون الإسلامية، والتعريف بمدارس تركية حافظت على تقاليدها وواصلت تطوير أدواتها، فضلاً عن إبراز الدور الذي تؤديه الفنون في تعزيز التقارب الثقافي بين المملكة وتركيا.
فحين تلتقي التجارب الفنية في فضاء واحد، يصبح الحرف لغة للحوار، وتتحول الزخرفة إلى ذاكرة مشتركة تستعيد من خلالها الثقافات جذورها، وتفتح آفاقاً جديدة للتعارف والتبادل الإبداعي.
ويستمر المعرض حتى السابع من نوفمبر الجاري في مدينة الطيبات العالمية للعلوم والمعرفة بجدة، وفق ساعات العمل المعتمدة.
فالحرف العربي لا يحفظ الكلمات وحدها، بل يحمل ذاكرة حضارة صاغت من الكتابة فناً، ومن الزخرفة لغة للجمال؛ وكلما التقت أصالته برؤى إبداعية متجددة، ظل قادراً على عبور الأزمنة ومخاطبة الإنسان، بعيداً عن حدود المكان واللغة.