عبد العزيز بن صالح الفريدي
اليمن السعيد ليس مجرد اسم ارتبط بهذه البلاد في صفحات التاريخ، ولا صورة تستدعي ماضيًا بعيدًا عن ازدهار التجارة وخصوبة الأرض وعبقرية الإنسان، بل هو تعبير عن حقيقة حضارية راسخة، وعن شعب يمتلك من التاريخ والموارد والطاقات البشرية ما يؤهله لاستعادة مكانته الطبيعية بين شعوب المنطقة، إذا ما توافرت له شروط الاستقرار، واستعادت دولته قدرتها على إدارة شؤونها، وتحررت إرادته الوطنية من الصراعات التي استنزفت مقدراته وأثقلت حياة أبنائه.
ومن هنا، فإن الحديث عن مستقبل اليمن لا ينبغي أن يظل أسيرًا لوقائع الحرب وأخبار الأزمات وتبدل موازين القوى، بل يجب أن يتجه إلى السؤال الأهم، كيف يمكن إعادة بناء الدولة اليمنية، واستعادة اقتصادها، وتهيئة الظروف التي تسمح لملايين اليمنيين بأن يعيشوا حياة تليق بتاريخ بلادهم وكرامة شعبها، وفي هذا السياق تبرز المملكة العربية السعودية، لا باعتبارها دولة جارة تجمعها باليمن حدود جغرافية ممتدة وروابط اجتماعية وتاريخية عميقة فحسب، وإنما باعتبارها شريكًا عربيًا محوريًا يمتلك من الثقل السياسي والقدرة الاقتصادية والامتداد الإقليمي ما يجعله حاضرًا في أي مسار جاد يستهدف إنقاذ اليمن وإعادة بنائه.
إن عبارة «اليمن السعيد لن يعود إلا من بوابة الرياض» لا تعني اختزال مستقبل اليمن في قرار خارجي، أو الانتقاص من حق اليمنيين في تقرير مصيرهم وصناعة دولتهم، وإنما تعكس إدراكًا لحقائق الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، فالمملكة هي الجار الأكبر، والعمق الاقتصادي الأقرب، والشريك الذي ارتبط أمنه واستقراره بأمن اليمن واستقراره، كما أن أي مشروع جاد لإعادة الإعمار لا يمكن أن ينفصل عن محيط اليمن الخليجي والعربي، وفي مقدمته المملكة التي تحملت على مدى سنوات أعباء إنسانية واقتصادية وتنموية كبيرة، وواصلت تقديم الدعم في ظروف بالغة التعقيد، حين كانت الحاجة إلى الغذاء والدواء والكهرباء والرواتب والخدمات الأساسية تتجاوز قدرة المؤسسات اليمنية على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.
فالدعم السعودي لليمن ليس وليد لحظة سياسية عابرة، ولا استجابة مؤقتة لتطورات فرضتها الحرب، بل امتداد لعلاقة تاريخية تتداخل فيها اعتبارات الجوار والأمن والمصير المشترك، وتفرضها حقيقة أن استقرار اليمن ليس شأنًا يمنيًا داخليًا فحسب، بل ركيزة من ركائز أمن الجزيرة العربية والخليج، وأن استمرار الانهيار الاقتصادي وتفكك المؤسسات وانتشار الفقر والبطالة يترك آثارًا تتجاوز الحدود، ويهيئ بيئة خصبة لاقتصاد الحرب وشبكات التهريب والجماعات المسلحة والتدخلات الخارجية. ومن ثم فإن مساعدة اليمن على استعادة عافيته ليست عملًا إنسانيًا منفصلًا عن المصالح الاستراتيجية للمملكة، بل استثمار في أمن المنطقة واستقرارها، وفي مستقبل شعبين تربطهما وشائج لا تستطيع الأزمات مهما اشتدت أن تمحوها.
وتكشف الأرقام عن حجم هذا الالتزام بصورة يصعب تجاهلها، فقد تجاوز إجمالي الدعم الاقتصادي والتنموي السعودي المقدم لليمن بين عامي 2012 و2026 نحو 12.6 مليار دولار، وهي أرقام تعكس مسارًا ممتدًا من المساندة التي استهدفت تخفيف الضغوط على الاقتصاد اليمني، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على الاستمرار، وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة في بيئة أنهكتها الحرب وتراجعت فيها الموارد والإيرادات. وفي أكتوبر من العام الجاري، أعلنت المملكة تقديم دعم مالي جديد تجاوز 224 مليون ريال سعودي، للمساهمة في تغطية النفقات التشغيلية والرواتب، بما يساعد على انتظام التدفقات المالية الحكومية، ويعزز القدرة الشرائية للأسر، وينشط الأسواق التجارية، ويخفف من وطأة الأزمة المعيشية.
ولا تقتصر أهمية هذا الدعم على قيمته المالية، فالرواتب مصدر دخل تعتمد عليه أسر بأكملها، ومحرك أساسي لدورة الاستهلاك والتجارة في الأسواق المحلية، وضمانة لاستمرار العاملين في المؤسسات العامة في أداء وظائفهم. كما أن الودائع والمنح التي قدمتها المملكة لدعم البنك المركزي اليمني تمثل مسارًا مهمًا لمواجهة الاختلالات النقدية والمالية، والتخفيف من الضغوط التي تنعكس على العملة الوطنية والأسعار والقوة الشرائية للمواطنين، بما يعزز فرص الاستقرار الاقتصادي، ويمهد الطريق أمام إصلاحات أوسع ترفع كفاءة المؤسسات وتضمن إدارة الموارد بصورة أكثر فاعلية.
وفي قطاع الطاقة، تبدو العلاقة بين الدعم السعودي وحياة اليمنيين أكثر وضوحًا ومباشرة، فالكهرباء ليست خدمة ثانوية يمكن تأجيلها، بل شرط أساسي لاستمرار المستشفيات والمدارس والموانئ والمطارات والمرافق الحكومية، وضرورة لازمة لاستقرار النشاط التجاري والصناعي. وقد قدمت المملكة دعمًا عاجلًا من المشتقات النفطية بقيمة 150 مليون دولار لتشغيل محطات توليد الكهرباء في المحافظات اليمنية، من خلال تزويد أكثر من سبعين محطة بالديزل والمازوت، بما يعزز استقرار الخدمة ويخفف من معاناة المواطنين، ويؤكد أن المساندة السعودية لا تتوقف عند حدود الإغاثة، بل تمتد إلى حماية البنية الأساسية التي تقوم عليها حياة المجتمع واقتصاده.
وتتسع هذه الرؤية لتشمل مشروعات تنموية تتجاوز المعالجة العاجلة إلى بناء مقومات التعافي، إذ أعلن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في يناير 2026 حزمة من المشروعات والمبادرات بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي، تضمنت 28 مشروعًا ومبادرة في قطاعات الصحة والطاقة والتعليم والنقل، إلى جانب منحة للمشتقات النفطية، وشملت محافظات عدن وحضرموت والمهرة وسقطرى ومأرب وشبوة وأبين والضالع ولحج وتعز. كما أعلن البرنامج عن 27 مشروعًا ومبادرة أخرى قيد التنفيذ، إلى جانب 240 مشروعًا ومبادرة مكتملة منذ تأسيسه عام 2018. وتكشف هذه الخريطة الواسعة أن التعافي اليمني لا يمكن أن يُبنى من مركز واحد أو أن يظل محصورًا في محافظة دون أخرى، بل يحتاج إلى توزيع عادل للفرص والخدمات، ومشروعات تستجيب لحاجات الناس الفعلية.
وفي الصحة والتعليم والمياه والنقل، تتضح قيمة الاستثمار التنموي الذي يستهدف الإنسان قبل الحجر، فالمستشفى الذي يستعيد قدرته على استقبال المرضى، والمدرسة التي تفتح أبوابها أمام الأطفال، والطريق الذي يربط قرية بمركزها الصحي، وشبكة المياه التي تخفف معاناة الأسر، ليست تفاصيل هامشية في مشهد الإعمار، بل هي العناصر التي يتشكل منها معنى الدولة في حياة المواطن. وقد تجاوز عدد المشروعات الصحية التي شملها الدعم السعودي 745 مشروعًا، بما يعكس حجم الاهتمام بقطاع لا يحتمل التأجيل، ولا يمكن لأي عملية تعافٍ وطني أن تنجح من دونه، فالصحة والتعليم والمياه ليست مجرد خدمات، بل ركائز للاستقرار الاجتماعي وقدرة المجتمع على العمل والإنتاج والمشاركة في إعادة البناء.
ولا يمكن الحديث عن هذا الحضور السعودي من دون التوقف أمام الدور الإنساني الذي يؤديه مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والذي امتدت تدخلاته إلى مجالات الغذاء والإيواء والصحة والمياه، بالتعاون مع منظمات أممية ودولية ومحلية. وتكشف بيانات منصة المساعدات السعودية عن أن إجمالي المساعدات المقدمة لليمن تجاوز 16.9 مليار دولار، عبر آلاف المشروعات والمبادرات الإنسانية والتنموية، وهو ما يعكس اتساع نطاق التدخلات وتنوعها، ويضع اليمن في صدارة الدول المستفيدة من المساعدات السعودية. وعلى المستوى العالمي، تشير البيانات إلى أن إجمالي المساعدات السعودية بلغ 145.87 مليار دولار، بما يعادل 547.01 مليار ريال سعودي، عبر 9,104 مشروعات في 175 دولة، وهو ما يؤكد أن العمل الإنساني السعودي نهج مؤسسي ممتد، وإن كان لليمن نصيب استثنائي بحكم روابط الجوار وخصوصية الظروف التي يمر بها.
ويبرز مشروع «مسام» لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام بوصفه نموذجًا بالغ الأهمية للدعم السعودي، لأن إزالة الألغام لا تعني فقط التخلص من خطر قاتل يهدد المدنيين، بل تعني أيضًا إعادة فتح الطرق والمزارع والمناطق السكنية أمام الحياة، وتهيئة الأرض لعودة النازحين واستئناف النشاط الاقتصادي. ففي البلدان الخارجة من النزاعات، لا تبدأ إعادة الإعمار دائمًا بوضع حجر الأساس لمبنى جديد، بل قد تبدأ بإزالة لغم من طريق، أو تأمين حقل يستطيع صاحبه العودة إلى زراعته، أو تمكين أسرة من الرجوع إلى منزلها دون خوف. ومن هذه الزاوية، يتجاوز العمل الإنساني مفهوم الإغاثة المباشرة ليصبح جزءًا من إعادة بناء الأمان الاجتماعي الذي تحتاج إليه المجتمعات كي تستعيد حياتها الطبيعية.
ولعل ما يمنح التجربة السعودية في اليمن خصوصيتها أنها تجمع بين مسارات متوازية، فهناك دعم مباشر للموازنة والرواتب، ومساندة للبنك المركزي، ومنح للمشتقات النفطية، ومشروعات لإعادة تأهيل البنية الأساسية، وبرامج صحية وتعليمية، ومساعدات إغاثية، ومبادرات لإزالة الألغام، فضلًا عن الجهد السياسي والدبلوماسي الرامي إلى تهيئة الظروف اللازمة للتسوية. وهذا التكامل هو ما ينبغي التوقف أمامه، لأن الأزمات المركبة لا تعالج بأداة واحدة، ولا يمكن أن تستعيد دولة عافيتها من خلال الإغاثة وحدها، أو من خلال المشروعات العمرانية بمعزل عن استقرار مؤسساتها، بل تحتاج إلى رؤية شاملة تربط بين الأمن والسياسة والاقتصاد والتنمية والإنسان.
ومع ذلك، فإن حجم الدعم السعودي، مهما اتسع، لا يستطيع وحده أن يصنع سلامًا مستدامًا إذا ظلت أسباب الصراع قائمة، أو استمرت الانقسامات السياسية والعسكرية في إضعاف مؤسسات الدولة، أو بقي الاقتصاد رهينة للمصالح المتعارضة وشبكات النفوذ. فالمساعدات تستطيع أن تخفف الألم، والمشروعات تستطيع أن تعيد تشغيل الخدمات الأساسية، والتمويل يستطيع أن يمنح المؤسسات فرصة لالتقاط أنفاسها، لكن تحويل هذه الجهود إلى نهضة وطنية شاملة يحتاج إلى إرادة يمنية جامعة، وإلى تسوية سياسية تحفظ وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها، وتعيد الاعتبار للمؤسسات الوطنية، وتضمن أن تكون موارد اليمن وثرواته في خدمة مواطنيه لا وقودًا لصراعات جديدة.
وهنا تتجلى أهمية الدور السعودي السياسي والدبلوماسي، الذي ينبغي أن يتكامل مع الجهد الاقتصادي والإنساني، لأن الطريق إلى اليمن المستقر لا يمر عبر المساعدات وحدها، بل عبر تسوية تضع مصلحة اليمنيين فوق الحسابات الضيقة، وتفتح المجال أمام دولة قادرة على بسط سلطتها، وحماية حدودها، وإدارة مواردها، ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. إن بوابة الرياض، في هذا المعنى، ليست بوابة وصاية على القرار اليمني، بل بوابة شراكة عربية تتأسس على الجوار والمصير المشترك، وعلى إدراك أن أمن المملكة واليمن متداخلان، وأن ازدهار أحدهما يعزز فرص الاستقرار لدى الآخر.
ومن الضروري أن ينتقل التعاون السعودي اليمني في المرحلة المقبلة من الاستجابة المتكررة للاحتياجات العاجلة إلى بناء شراكة اقتصادية طويلة المدى، تقوم على تمكين القطاع الخاص، وتطوير البنية الأساسية، وتأهيل الكوادر اليمنية، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز التكامل التجاري مع دول مجلس التعاون الخليجي. فالمستقبل لا يُبنى بالمنح وحدها، بل بخلق اقتصاد قادر على الإنتاج، ومؤسسات تستطيع إدارة مواردها بكفاءة، وسوق عمل تمنح الشباب فرصة للمشاركة في بناء بلدهم بدلًا من أن تدفعهم الأزمات إلى الهجرة أو الارتهان لاقتصاد الحرب. وكلما ارتبط الدعم ببرامج واضحة الأهداف، ومؤشرات معلنة لقياس النتائج، ورقابة تضمن وصول الموارد إلى مستحقيها، ازدادت فرص تحوله إلى تنمية مستدامة تعود بالنفع على اليمنيين كافة.
إن اليمن السعيد الذي ننشده ليس مجرد يمن يتوقف فيه إطلاق النار، على أهمية ذلك وضرورته، بل يمن تستعيد فيه المدرسة دورها، والمستشفى قدرته، والميناء نشاطه، والطريق وظيفته، وتعود فيه مؤسسات الدولة إلى خدمة المواطنين، ويستطيع فيه المزارع أن يزرع أرضه، والصياد أن يخرج إلى البحر، والشاب أن يجد فرصة عمل تحفظ كرامته، والأسرة أن تخطط لمستقبل أبنائها بعيدًا عن الخوف والجوع والنزوح. وفي هذا السياق، جاءت شهادة الرئيس اليمني بأن المساعدات السعودية ستظل محفورة في ذاكرة الأجيال، لتعبّر عن تقدير رسمي لحجم ما قدمته المملكة من دعم ومساندة في واحدة من أصعب المراحل التي مر بها اليمن، ولتؤكد أن أثر هذا الدعم يتجاوز اللحظة الراهنة إلى ذاكرة شعب يتطلع إلى مستقبل مختلف.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الروابط بين المملكة واليمن أعمق من أن تختزلها تقلبات السياسة أو تعقيدات الصراع، وأن ما قدمته السعودية من دعم اقتصادي وإنساني وتنموي يضع أمام الجميع مسؤولية تحويل هذا الرصيد إلى مسار دائم للتعافي، لا مجرد محطة جديدة في دورة الأزمات. وهكذا، فإن القول إن اليمن السعيد لن يعود إلا من بوابة الرياض ليس انتقاصًا من الدور اليمني، بل تأكيد على أن الطريق إلى التعافي يحتاج إلى شراكات صادقة، وأن المملكة بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي وإنساني تستطيع أن تظل رافعة أساسية لهذا المسار، شريطة أن تتكامل جهودها مع إرادة يمنية موحدة ومؤسسات مسؤولة وتسوية سياسية شاملة. فاليمن يستحق أن يستعيد مكانته، وشعبه يستحق أن يرى ثمار السلام في حياته اليومية، والمنطقة بأسرها تحتاج إلى يمن آمن ومستقر ومزدهر، لا أن يبقى جرحًا مفتوحًا في جسدها، لتعود إليه الحياة، ويستعيد اليمن السعيد مكانته التي يستحقها.