«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
رسّخت الرياض حضورها على خارطة المؤتمرات الطبية المتخصصة باستضافتها مؤتمر «سعودي فيس 2026» (Saudi Face)، الدولي لجماليات الوجه، الذي أقيم يومي 30 و31 أكتوبر في فندق جي دبليو ماريوت، تحت رعاية وزارة الصحة، بمشاركة نخبة من الجراحين والأطباء والمتخصصين من المملكة ومختلف دول العالم، في تجمع علمي استهدف استعراض أحدث الممارسات الجراحية والتقنيات الطبية، وتعزيز تبادل الخبرات وتطوير الكفاءات الوطنية.
واستقطب المؤتمر، وفق الأرقام المعلنة من المنظمين، أكثر من 2000 مشارك من أكثر من 30 دولة، فيما تجاوز عدد المتحدثين في برنامجه العلمي 60 خبيراً دولياً ومحلياً، واشتمل على أكثر من 60 جلسة علمية توزعت على مسارات متخصصة في جراحة تجميل الوجه، وتجميل الأنف، والأمراض الجلدية والحقن التجميلي، وجراحة العيون التجميلية، بما يعكس اتساع التخصصات الطبية المتداخلة في جماليات الوجه وتطور ممارساتها.
عمليات جراحية مباشرة
ولم يقتصر البرنامج على المحاضرات النظرية، بل اعتمد منهج التعليم التطبيقي، من خلال عروض جراحية مباشرة، وجلسات في التشريح ثلاثي الأبعاد والتشريح الجثماني، وحلقات نقاش أدارها خبراء متخصصون، بما أتاح للأطباء متابعة التقنيات الجراحية ومناقشة تطبيقاتها وتحدياتها، والربط بين المعرفة التشريحية والممارسة السريرية.
وشهد المؤتمر إجراء الجراح الإيطالي جيوفاني بوتي عملية مباشرة لشد الوجه والرقبة، بمشاركة خبراء في إدارة الجلسة، من بينهم ماريو سيرافولو ورامتن كسير والدكتور فالح الشهراني، كما تضمن البرنامج عروضاً جراحية تناولت شد الوجه والرقبة وتجميل الأنف، إلى جانب مناقشة تقنيات شد الوجه العميق، وإعادة تحديد ملامح الرقبة وخط الفك، والتعامل مع الجلد الزائد، والحفاظ على البنية التشريحية للأنف ووظائفه.
وفي مسار موازٍ، ناقش المتخصصون التطورات في الإجراءات غير الجراحية وتقنيات الحقن التجميلي، وجراحات الجفون والمنطقة المحيطة بالعين، بما يعكس اتساع مفهوم جماليات الوجه ليشمل التدخلات الجراحية والإجراءات الطبية غير الجراحية، وفق اعتبارات تشريحية ومهنية تضع سلامة المرضى في مقدمة الأولويات.
التشريح والتدريب.. من المعرفة إلى الممارسة
وبرز الجانب التدريبي بوصفه أحد أهم مكونات المؤتمر، من خلال مبادرة «FaceX»، الذراع التعليمية للمؤتمر، التي تستهدف تطوير مهارات الجراحين عبر برامج متخصصة في التشريح الجثماني والتدريب الجراحي التطبيقي، بما يشمل التصوير والتصور التشريحي ثلاثي الأبعاد، ودراسة طبقات الوجه والأنسجة والأعصاب والأوعية الدموية، والتعرف على المناطق التشريحية الحساسة والمخاطر المحتملة أثناء العمليات، وتطوير المهارات المرتبطة بجراحات شد الوجه والرقبة وتجميل الأنف.
وتضم المبادرة برنامج «LiftMaster» المتخصص في تشريح الوجه والرقبة وتقنيات الشد المتقدمة، وبرنامج «RhinoMaster» المعني بالتشريح الجراحي للأنف وتقنيات تجميله، بما يشمل الجوانب الوظيفية والجمالية. كما أُعلن عن إقامة دورات متخصصة في التشريح الجثماني يوم 1 نوفمبر 2026 بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن بالرياض، بمشاركة خبراء دوليين.
وتكتسب هذه البرامج أهميتها من طبيعة جراحة الوجه التي تتطلب فهماً دقيقاً للتكوين التشريحي وطبقاته المختلفة، إذ لا يرتبط نجاح الإجراء التجميلي بالمظهر النهائي وحده، بل بالمحافظة على الوظائف التشريحية وتحقيق التوازن بين النتيجة الجمالية والسلامة الطبية، مع الإلمام بالمخاطر والمضاعفات والنتائج المتوقعة.
ويُعد المؤتمر معتمداً بساعات التعليم الطبي المستمر (CME)، بما يعزز قيمته بوصفه منصة للتطوير المهني وتحديث المعارف الطبية، فيما تكشف برامج «FaceX» عن توجه يتجاوز تنظيم مؤتمر سنوي إلى تأسيس مسار تعليمي وتدريبي مستمر، ينقل الخبرة الدولية إلى الممارسين ويدعم تطوير مهاراتهم.
شراكات علمية متعددة التخصصات
وعزز المؤتمر حضوره العلمي بمشاركة جمعيات مهنية متخصصة، شملت الجمعية العلمية السعودية لجراحة التجميل والحروق، والجمعية السعودية لجراحة الفم والوجه والفكين، والجمعية السعودية للأمراض الجلدية وجراحة الجلد، والجمعية السعودية للأنف والأذن والحنجرة.
وتكتسب هذه الشراكات أهميتها من توسيع دائرة المشاركة العلمية لتشمل التخصصات الطبية المتداخلة في جماليات الوجه ووظائفه وسلامة إجراءاته، بما يرسخ النظرة التكاملية لهذا المجال، الذي لا يقتصر على جراحة التجميل، بل يرتبط بتخصصات طبية متعددة تتكامل في تشخيص الحالات وتقييمها وعلاجها.
وجرى توزيع الجلسات العلمية على قاعتي «الدرعية» و«طويق»، بما أتاح تقديم موضوعات تخصصية متعددة بالتوازي، واستيعاب تنوع المحاور العلمية بين المحاضرات المتخصصة وحلقات النقاش والعروض الجراحية المباشرة.
قيادة سعودية ورؤية دولية
ويشارك في تأسيس المؤتمر الدكتور فالح الشهراني، الشريك المؤسس ومدير الدورة العلمية، والدكتور سعد الهاجري، الشريك المؤسس ورئيس اللجنة العلمية، اللذان أسهما في بناء منصة تجمع الخبرات الطبية المحلية والدولية، والإشراف على البرنامج العلمي واستقطاب المتخصصين، وتوسيع مسارات التواصل وتبادل التجارب والتدريب المهني.
ويعكس المؤتمر توجهاً يتجاوز استضافة الخبرات العالمية وإلقاء المحاضرات إلى إتاحة الفرصة للأطباء السعوديين للتفاعل المباشر مع الجراحين الدوليين، ومشاهدة الممارسات الجراحية، ومناقشة التقنيات الحديثة، والاستفادة من التدريب التشريحي والتطبيقي، بما يسهم في نقل المعرفة وتطوير الكفاءات الوطنية.
وتبرز أهمية هذه التجربة في أن جماليات الوجه ليست مجرد تحسين للمظهر، بل مجال طبي دقيق تتقاطع فيه الجراحة والتشريح والوظيفة والتوازن الجمالي، ويتطلب تأهيلاً علمياً وممارسة مهنية قائمة على المعرفة الدقيقة وسلامة المرضى.
وبين استعراض التقنيات الجراحية المتقدمة، وتوسيع فرص التدريب والتعاون الدولي، وتأسيس برامج تعليمية مستمرة، يقدم «سعودي فيس 2026» نموذجاً لمنصات المعرفة الطبية التي تسعى إلى تعزيز حضور المملكة في تطوير التخصصات الدقيقة، والانتقال من استضافة الخبرات الدولية إلى المشاركة الفاعلة في إنتاج المعرفة الطبية وتبادلها، بما يدعم مكانة الرياض وجهةً للمؤتمرات والتدريب الطبي المتخصص.