ثامر الشهراني
في الولايات المتحدة، لا تُشترى إرادة الناخب بالأموال، ولا تحمي الشعارات أصحابها من المحاسبة. هذه هي الرسالة التي حملتها انتخابات التجديد النصفي، بعدما تلقى الحزب الجمهوري خسارة واسعة كشفت تغيراً في المزاج الانتخابي، وأعادت رسم موازين القوى في واشنطن، واضعة الرئيس دونالد ترامب أمام واقع سياسي مختلف.
الديمقراطيون انتزعوا السيطرة على مجلس الشيوخ، وحققوا تقدماً واسعاً في مجلس النواب وضعهم على أعتاب استعادة أغلبيته. ولم تكن هذه النتائج مجرد تراجع في عدد المقاعد، بل مؤشراً على اتساع الاعتراض على سياسات الإدارة الجمهورية، ورسالة بأن التفويض الانتخابي ليس شيكاً مفتوحاً، وأن السلطة لا تملك أصوات الناخبين إلى الأبد.
حقيقة الأمر أن الاقتصاد كان في قلب المعركة. فغلاء الأسعار وتكاليف المعيشة تحولا إلى معيار لمحاسبة الإدارة؛ فالناخب لا يقيس أداء السلطة بخطاباتها، بل بما يلمسه في حياته اليومية. ولم تكن الحرب مع إيران بعيدة عن هذه المعادلة؛ فتداعيات المواجهة على أسواق الطاقة وأسعار الوقود جعلت كلفة القرارات الخارجية حاضرة في الحسابات الداخلية. وحين يدفع المواطن فاتورة الحرب، تصبح السياسة الخارجية بدورها موضع مساءلة.
أما الدلالة الأبرز فجاءت من تكساس، التي ظلت لعقود من أهم القلاع الجمهورية. فقد فاز الديمقراطي جيمس تالاريكو بمقعد مجلس الشيوخ، وفازت جينا هينوخوسا بمنصب الحاكم، في تحول تاريخي كسر هيمنة الجمهوريين على أبرز المناصب السياسية في الولاية. وهي رسالة بأن المعاقل التقليدية ليست محصنة من التغيير، وأن الولاءات الحزبية لا تصمد بالضرورة أمام تغير أولويات الناخبين.
واللافت أن الإنفاق الانتخابي الضخم لم يكن ضمانة للفوز؛ فالمال يستطيع شراء الإعلانات وتوسيع الحضور الإعلامي، لكنه لا يشتري القناعة ولا يصادر حق المواطن في المحاسبة. ومن هنا تأتي دلالة العنوان: «أميركا ليست للبيع»، فإرادة الناخب ليست سلعة في سوق السياسة.
انتهت الانتخابات، وهذه حقيقة يدركها الديمقراطيون والجمهوريون، ويدركها ترامب أيضاً. لكن انتهاء معركة الاقتراع يعني بداية اختبار إدارة السلطة. فالبيت الأبيض جمهوري، فيما يتجه الكونغرس إلى ميزان قوى جديد يمنح الديمقراطيين نفوذاً تشريعياً ورقابياً أوسع. وقد لوّح ترامب باستخدام الفيتو ضد تشريعات الديمقراطيين، بما يفتح الباب أمام مواجهة سياسية قد تتجاوز الخلاف الحزبي إلى تعطيل ملفات داخلية أساسية.
وفي تصوري، لن يكون التحدي في قدرة كل حزب على تعطيل الآخر، بل في قدرتهما على إدارة الاختلاف دون أن تصبح مصالح الأميركيين رهينة للصراع. فالديمقراطيون مطالبون بتحويل مكاسبهم إلى حلول ملموسة، والجمهوريون بمراجعة سياساتهم، فيما يواجه ترامب سؤالاً أساسياً: كيف يدير بلداً في ظل كونغرس لا يشاركه توجهه السياسي؟
وعليه، فإن الانتخابات لم تحسم مقاعد الكونغرس فحسب، بل أكدت أن السلطة تفويض قابل للمساءلة، وأن المال لا يشتري الإرادة، وأن كلفة الحروب لا تنفصل عن أولويات الداخل. أميركا ليست للبيع، وصندوق الاقتراع ليس ملكاً لحزب أو رئيس. فهل يختار ترامب الشراكة السياسية مع كونغرس ديمقراطي، أم تدخل واشنطن مرحلة مواجهة مفتوحة؟ وكيف سينعكس ذلك على الاقتصاد الأميركي والسياسة الخارجية وموقع الولايات المتحدة في العالم؟