خالد بن حمد المالك
أتابع مثلكم، وباهتمام شديد مشهد التطورات في المنطقة، وتكوّن لدي بعض التحفظات عليه، وفقاً لما أراه، لا اعتماداً على ما يتم تسريبه مما يجري في الغرف المغلقة، ولا جدال بأن ما يهم أمريكا -وهو معلن- أن تستفيد إسرائيل من هذه التطورات، وقد استفادت فعلاً بالدعم الأمريكي غير المحدود، والمشاركة معها في القتال، ومن ثم النتائج.
* *
انطباعي من واقع سير المعارك، أن أمريكا تريد أن تضعف كل من إيران والتنظيمات المسلحة الإرهابية، لا أن تقضي عليها، ضمن أهدافها لتطويع النتائج لصالح مشروعها السياسي في ولادة شرق أوسط جديد، مع بقاء إسرائيل تتمتع بالقوة العسكرية الأولى في المنطقة.
* *
قد أفهم أن أمريكا تريد أن تبقى التنظيمات المسلحة المدعومة من إيران لتكون مصادر إزعاج، وإرباك لدول المنطقة، وجعل المنطقة بوجودها في حالة غليان، ففي ذلك مصلحة لأمريكا وإسرائيل، بدليل عدم تدخلها طالما أنها لم تأخذ اتجاهاً معاكساً لمصالح تل أبيب وواشنطن.
* *
وبالتأكيد، فإن وجود الحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والغطاء الإيراني لهم إنما يفيد إسرائيل وأمريكا، إذا ما بقوا يشكلون مصدر إزعاج لدولهم، وامتداداً مع استمرار جرائمهم، دون أن يلحقوا أي ضرر بإسرائيل.
* *
والمؤكد أن لا مصلحة لأمريكا وإسرائيل في إنهاء الحشد الشعبي والحوثيين، بعد أن تم ردع حماس والقضاء على أي نشاط لها، وأنهك حزب الله لما في ذلك من مصلحة لإسرائيل، وهو ما تم، وهو ما يتم الآن مع حزب الله، كما تم مع إيران نفسها.
* *
وإذاً كان كل ما جرى منذ السابع من أكتوبر لعبة إسرائيلية أمريكية، تورّطت فيها حماس، ليصل بنا الحال إلى ما نحن فيه الآن من هيمنة إسرائيلية، ومن تطورات لا سابق لها في تهويد الضفة الغربية وعودة قطاع غزة إلى الاحتلال الإسرائيلي، فإن المخطط قد نجح في تعقيد قيام الدولة الفلسطينية، وتتحمَّل حماس مع إيران وميليشياتها المسؤولية عن ذلك.
* *
وبذلك فإن خيار قيام الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية أصبح تحقيقها أكثر تعقيداً من ذي قبل بعد أحداث السابع من أكتوبر، فقد توسع الاستيطان في الضفة الغربية، ويتعرض السكان الآن إلى هجمات ممنهجة من المستوطنين بحماية الجيش، ويتم طردهم من منازلهم، وقتلهم، وإحراق مزارعهم ودفعهم إلى الهجرة القسرية.
* *
أما الوضع في قطاع غزة، كما أراه وترونه، فإنه لا يقل سوءاً مما يجري في الضفة، إسرائيل تسرح وتمرح، وتقتل وتهدم، ولا تقدم للفلسطينيين أي شيء، إلا الموت والاحتلال والتجويع، ومنع الماء والدواء والغذاء عنهم.
* *
العالم كله يُعارض السياسة الإسرائيلية، والرئيس الأمريكي هو الوحيد الذي لا يوافق على قيام دولة فلسطينية، فيما هو الوحيد أيضاً الذي يملك إلزام إسرائيل بالتوقف عن قتل الفلسطينيين، لكنه لا يفعل، منشغلاً ضمن أمور أخرى بإصدار عقوبات على المحكمة الدولية لأنها قررت أن ما فعلته إسرائيل في غزة يُصنّف على أنه جريمة حرب، وأدانت بذلك نتنياهو، وألزمته بتسليم نفسه لمحاكمته أو إلقاء القبض عليه، كما فعلت مع مجرمي الحروب السابقين.