أحمد الأسمري
كشفت دراسة أثرية عن شواهد على الزراعة والاستقرار البشري في مركز اليمامة بمحافظة الخرج، يعود تاريخها إلى ما يقرب من 2400 عام، استناداً إلى تحليل بقايا النباتات والحيوانات المكتشفة خلال أعمال التنقيب، والتي أظهرت اعتماد سكان الواحة على زراعة النخيل والقمح والشعير وتربية الماشية، ضمن نشاط اقتصادي استمر قروناً طويلة وشهد تطورات خلال العصور الإسلامية.
وأوضحت الدراسة، المنشورة في دورية «الآثار والنقوش العربية»، أن أقدم الشواهد المعروفة على الاستيطان الزراعي في اليمامة تعود إلى أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، وأن الموقع احتفظ بدلائل على النشاط البشري حتى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، ما يجعله مصدراً مهماً لدراسة تطور الحياة الزراعية في وسط الجزيرة العربية.
وتبرز أهمية اليمامة بوصفها أحد المواقع الأثرية القليلة في نجد التي تحتفظ بشواهد على الاستيطان خلال مرحلتي ما قبل الإسلام وما بعده، فضلاً عن كونها الموقع الوحيد في وسط الجزيرة العربية الذي أُجريت فيه دراسات مشتركة لبقايا النباتات والحيوانات الأثرية، بما يتيح تتبع تطور النشاط الزراعي والرعوي عبر فترات تاريخية متعاقبة.
واعتمد الباحثون على نتائج التنقيبات في موقع اليمامة الأثري، الواقع شمال غربي مركز اليمامة الحالي، بالقرب من ملتقى واديي حنيفة ونساح، في منطقة ارتبط تاريخها أيضاً بالدولة الأخيضرية التي قامت في القرن الثالث الهجري.
وأظهرت الدراسة أن المنظومة الزراعية والرعوية حافظت على خصائصها الأساسية طوال قرون، رغم التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة، قبل أن يتسع تنوع الموارد الزراعية والحيوانية خلال العصور الإسلامية المتأخرة.
ورصد الباحثون في تلك الفترة شواهد على الدجاج والأبقار والقطن والذرة الرفيعة، بما يشير إلى تطور النشاط الاقتصادي المحلي، واحتمال اتساع ارتباط الواحة بشبكات التبادل التجاري.
وفي مقارنة مع مواقع أخرى في الجزيرة العربية، توصلت الدراسة إلى أن ظهور الواحات الزراعية المستقرة في نجد جاء متأخراً بأكثر من ألف عام عن شمال غرب الجزيرة، وبنحو ألفي عام عن أجزاء من جنوبها الشرقي والغربي، إذ لا تثبت الأدلة المتاحة وجود هذا النمط من الاستقرار في وسط الجزيرة قبل منتصف الألفية الأولى السابقة للميلاد.
وشملت المقارنات مواقع في بريدة ومرات وليلى بالأفلاج وقرية الفاو، حيث تشير الشواهد الأثرية إلى تقارب توقيت ظهور الواحات الزراعية، مع اختلاف طبيعة النشاط الاقتصادي وتنوع المحاصيل.
وكشفت البقايا النباتية في قرية الفاو عن محاصيل وأشجار أكثر تنوعاً، بينها الرمان والعنب والزيتون والسمسم والبطيخ، بينما تركزت الشواهد المكتشفة في اليمامة على النخيل والحبوب، وهو اختلاف قد يرتبط بتباين الفترات التاريخية أو ظروف حفظ البقايا الأثرية.
وتناولت الدراسة أهمية مصادر المياه والمنشآت المائية في دعم الاستقرار الزراعي، واحتمال إسهام تطور وسائل الري في تنويع المحاصيل والتكيف مع البيئة الجافة.
واستند البحث إلى نتائج 6 مواسم تنقيب نفذتها البعثة السعودية الفرنسية بين عامي 2011 و2016، مؤكداً أن تأخر ظهور الواحات الزراعية المستقرة لا يعني غياب النشاط البشري الأقدم في نجد، وأن استكمال التنقيبات قد يكشف شواهد إضافية تسهم في توضيح تاريخ الزراعة والاستقرار بالمنطقة.