د. أحلام علي أحمد أبو قايد
ليس التاريخ مجرد أحداث تدون في الكتب أو تواريخ تُحفظ في السجلات، بل هو ذاكرة الإنسان والمكان، وما تختزنه المجتمعات من حكايات وتجارب وتحولات انتقلت عبر الأجيال. وهنا في المملكة العربية السعودية حيث نمت الجذور التاريخية للمدن والقرى والبوادي، تمثل الرواية الشفوية مصدرًا مهمًا لفهم جوانب من الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي لا تكشف عنها الوثائق الرسمية وحدها.
ففي المجالس القديمة، وعلى ألسنة كبار السن ظلت حكايات الآباء والأجداد تحفظ تفاصيل الحياة اليومية، وأسماء الأماكن، وطرق السفر، والأسواق والعادات والتقاليد، فضلاً عن قصص التحولات التي شهدتها المجتمعات المحلية عبر الزمن. وقد أسهم هذا التناقل الشفوي في تشكيل الذاكرة الجمعية، وربط الأجيال الحاضرة بماضيها، ومنح المكان معناه الإنساني الذي يتجاوز حدوده الجغرافية.
غير أن قيمة الرواية الشفوية لا تقتصر على كونها وسيله لاستعادة الماضي، بل تكمن أيضًا في قدرتها على إضاءة جوانب قد لا تحظى بحضور كافٍ في المصادر المكتوبة، فبعض تفاصيل الحياة الاجتماعية، والمهن التقليدية، والعلاقات بين المجتمعات، وأسماء المواقع المحلية، قد تبقى حاضرة في ذاكرة الناس، بينما تغيب عن السجلات الرسمية أو لا تظهر فيها إلا بصورة محدودة.
ومن هنا تبرز أهمية الذاكرة المحلية بوصفها رافدًا من روافد كتابة التاريخ، لا سيما تاريخ المدن والقرى والأحياء والمجتمعات التي أسهمت في تشكيل الهوية الوطنية، والتاريخ لا يكتب من خلال الأحداث الكبرى وحدها، بل يتكون كذلك من تفاصيل الحياة اليومية، وتجارب الأفراد والتحولات التي صنعت ملامح المجتمع عبر الأجيال.
وحقيقة فإنه في المملكة العربية السعودية، تتيح الذاكرة المحلية فرصة واسعة لإثراء المعرفة بتاريخ المناطق، من خلال توثيق روايات كبار السن، وجمع القصص المرتبطة بالأسواق القديمة وطرق التجارة والحج، وتسجيل تاريخ الحرف والمهن، ورصد التحولات العمرانية والاجتماعية التي شهدتها المدن والقرى، كما تساعد هذه الجهود على حفظ أسماء المواقع التاريخية، وتفسير بعض العادات والممارسات التي لا يمكن فهمها بمعزل عن سياقها الزمني والاجتماعي.
لكن الانتقال من الرواية الشفوية إلى التوثيق التاريخي يتطلب منهجية دقيقة، فالرواية التي ينقلها أحد الرواة تظل شهادة تستحق الاهتمام، لكنها تحتاج إلى الفحص والمقارنة والتحقق من تفاصيلها. وقد تتباين الروايات حول الحدث الواحد نتيجة اختلاف الذاكرة، أو زاوية النظرة، أو انتقال الحكاية عبر أجيال متعددة، لذلك فإن التعامل العلمي مع الروايات يقتضي تسجيلها بأمانة وتحديد أسماء الرواة وتواريخ المقابلات، ومقارنة المعلومات بما يتوافر من وثائق ومخطوطات وصور وخرائط وسجلات تاريخية.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الذاكرة الشفوية، بل حمايتها من التحول إلى روايات غير قابلة للتحقق، وإبراز ما تحمله من معلومات ودلالات ضمن سياقها الصحيح. فالتوثيق المسؤول لا يفرض على الرواية أكثر مما يحتمل، ولا يُحول ما يتناقله الناس إلى حقيقة تاريخية قطعية من دون أدلة، بل يميز بين الشهادة الشخصية والمعلومة المُثبتة والتفسير التاريخي.
وتزاد أهمية هذا العمل في ظل التغيرات المتسارعة التي تشهدها المجتمعات، حيث تتراجع بعض أنماط الحياة التقليدية، ويرحل حاملو الذاكرة، من جيل إلى آخر، ومع غياب التوثيق المنظم، قد تضيع تفاصيل لا يمكن استعادتها لاحقًا، أو تبقى محفوظة في ذاكرة أفراد لا تتوافر للأجيال القادمة فرصة الاستماع إليهم. ومن ثم فإن المبادرة إلى تسجيل الروايات المحلية لم تعد مجرد نشاط ثقافي، بل أصبحت ضرورة لحفظ جانب أصيل من التراث التاريخي والاجتماعي.
وتتطلب حماية هذه الذاكرة تكامل الجهود، بين المؤسسات الثقافية والتاريخية والباحثين والجامعات والأرشيفات والجمعيات المعنية بالتراث، إلى جانب مشاركة أفراد المجتمع أنفسهم، ويمكن للتقنيات الرقمية أن تؤدي دورًا مهمًا في هذا المجال، من خلال إنشاء أرشيفات صوتية ومرئية، وفهرسة الروايات بحسب المناطق والموضوعات والفترات الزمنية، وربطها بالصور والوثائق والخرائط، بما ييسر الوصول إليها والاستفادة منها في الدراسات والأبحاث والمبادرات التعليمية والثقافية.
كما أن إشراك الشباب في مشروعات جمع الروايات المحلية بمنحهم فرصة للتعرف على تاريخ مجتمعاتهم، ويعزز صلتهم بالهوية الوطنية، ويحول كبار السن شركاء في نقل المعرفة والخبرة، فكل رواية موثقة بعناية يمكن أن تفتح نافذة على مرحلة تاريخية، وكل اسم مكان يُفسر في سياقه، وكل صورة قديمة تربط بزمانها وأصحابها قد تُسهم في استكمال صورة تاريخية أوسع.
ومن الضروري الإيضاح إن كتابة التاريخ مسؤولية تتجاوز جمع الحكايات وحفظ الوثائق، فهي عملية بحث وتدقيق ومقارنة، تسعى إلى فهم الماضي كما كان، لا كما نتمنى أن يكون ومن هذا المنطلق، فإن الذاكرة المحلية ليست بديلاً عن الوثيقة التاريخية، كما أن الوثيقة وحدها لا تستوعب بالضرورة كل تفاصيل التجربة الإنسانية، إنما تتكامل المصادر حين تقرأ قراءة نقدية واعية، ويُمنح كل مصدر مكانته وفق طبيعته وحدود ما يثبته.
وفي نهاية المطاف، فإن الانتقال من الرواية الشفوية إلى التوثيق يُمثل جسرًا بين ذاكرة الأفراد وذاكرة الوطن، جسرًا يحفظ تجارب الماضي من النسيان، ويمنح الباحثين أدوات لفهم التحولات التي مرت بها المجتمعات السعودية، ويتيح للأجيال المُقبلة التعرف على تاريخها من مصادر أكثر تنوعًا ومُوثوقية. فالأمم لا تحفظ تاريخها بما تكتبه في سجلاتها فحسب، بل بما تحرص على جمعه من شهادات أبنائها، وما تبذله من جهد لتميز الرواية من الحقيقة المثبتة، وصيانة الذاكرة من الضياع، وحين تتحول الحكاية إلى شهادة موثقة، والذاكرة إلى مصدر قابل للدراسة، ليصبح الماضي أكثرًا حضورًا في الوعي، وتغدو حماية التاريخ مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والمجتمع والأجيال.
وفي هذا السياق تؤدي دارة الملك عبد العزيز دورًا مهمًا في جمع الروايات الشفوية وتوثيقها، انطلاقًا من رسالتها في خدمة تاريخ المملكة العربية السعودية وتراثها وإدراكًا منها أن التاريخ لا يُكتب بالوثائق والسجلات وحدها، بل تسهم في كتابته أيضًا شهادات الناس وذكرياتهم وتجاربهم الحياتية وذلك عقب تأسيسها لمركز التاريخ الشفوي في عام 1416هـ/1995م، ليكون معنيًا بجمع الروايات والشهادات الحية وتسجيلها وحفظها، وقد امتد العمل فيها إلى مناطق المملكة المختلفة، مستهدفًا كبار السن والرواة المعاصرين للأحداث التاريخية مما تحفظ ذاكرتهم تفاصيل قد لا نجدها في المصادر المكتوبة.
ولا تقتصر أهمية هذه الجهود في الدارة على تسجيل حكايات أو حفظ الأصوات، بل تتجاوز ذلك إلى بناء رصيد معرفي يساعد الباحثين على فهم الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، واستجلاء جوانب من التاريخ المحلي، ورصد التحولات التي شهدتها المدن والقرى عبر العقود.
وتشير بيانات الدارة إلى أن رصيدها تجاوز ستة آلاف مقابلة شفوية، في حصيلة تعكس اتساع نطاق هذا المشروع الوطني ويضمن استمراره.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي تبذلها دارة الملك عبد العزيز لحفظ الذاكرة التاريخية وغيرها من المؤسسات المتخصصة، فإن حفظ التاريخ الشفوي مسؤولية تتطلب مشاركة المجتمع أيضًا، فكم من راوٍ يحمل في ذاكرته تفاصيل عن تاريخ قريته أو مدينته، وكم من أسرة تحتفظ بصور ورسائل ووثائق يمكن أن تُسهم في استكمال رواية تاريخية أو توضح حدثا محليا. ومن هنا تبرز أهمية تشجيع الأفراد على الإسهام في مشروعات التوثيق، وتعرفهم بالطرق المناسبة للتواصل مع الجهات المختصة، وتوعية الأجيال الجديدة بقيمة الاستماع إلى كبار السن، وتسجيل شهاداتهم وفق أسس مهنية تحفظ حقوق أصحابها وخصوصيتهم. كما أن دعم الدراسات الجامعية والبحوث المحلية، وتدريب الباحثين على إجراء المقابلات وتحليل الروايات من شأنه أن يوسع دائرة الاستفادة من هذا الرصيد ويعزز ثقافة التوثيق في المجتمع.
وفي النهاية فإن الحفاظ على الروايات الشفوية ليس استعادة للماضي من أجل الحنين إليه فحسب، بل هو عمل معرفي يربط الأجيال بجذورها، ويمنح الباحثين مصادر أوسع لدراسة التاريخ، ويصون تجارب الأفراد من الضياع. فُحين تمنح ذاكرة الإنسان فرصه لأن تُروى وتُوثق وتُدرس، تتحول الحكاية من ذكرى عابرة إلى جزء من ذاكرة الوطن، وتصبح مسؤولية حفظها أمانة تتوارثها الأجيال.
** **
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر - قسم التاريخ - كلية العلوم الاجتماعية جامعة أم القرى