الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
تواجه العديد من الأسر تحديات كبيرة في التعامل مع المشكلات السلوكية عند الأطفال، التي قد تؤثر على تطورهم النفسي والاجتماعي. ولاشك أن فهم هذه المشكلات، والتعرف على أسبابها، وتطبيق استراتيجيات التعامل المناسبة، أمر أساسي لدعم نمو الطفل بشكل سليم.
«الجزيرة» التقت عدداً من المختصين والمهتمين بالشأن الاجتماعي والطبي والتربوي، للتعرف عن رؤيتهم حيال تلك المعضلة، والطريقة الفعالة لاحتواء تلك المشكلات التي تؤثر على الفرد والمجتمع.
التشخيص الوظيفي
تشير الدكتورة هيفاء بنت عثمان فدا - رئيسة مجلس إدارة جمعية يسر للتنمية الأسرية بمكة المكرمة: يتطلب التدخل الفعال مع الاضطرابات السلوكية لدى الأطفال تطبيق أنموذج منهجي قائم على «التشخيص الوظيفي قبل التعديل السلوكي»، ويتجسد ذلك عبر المحاور التالية:
*التحليل الوظيفي للسلوك؛ من خلال التعامل مع السلوك المستهدف بوصفه عرضًا ظاهريًا لمتغيرات داخلية (كالقلق والغيرة) أو احتياجات نمائية غير ملباة (كالشرعية والأمان)، مما يوجّه التدخل نحو الدوافع الرئيسة لا الأعراض.
* النمذجة والاحتواء النفسي بتفعيل الاستجابة الوالدية المتزنة والإنصات النشط لتعزيز «التنظيم الذاتي» لدى الطفل، اعتمادًا على مبادئ التعلم الاجتماعي عبر محاكاة سلوك المربي.
* الاشتراط الإجرائي والضبط البيئي بتطبيق آليات التعزيز الإيجابي لتثبيت السلوكيات التكيفية، بالتوازي مع وضع أطر تنظيمية صارمة وعواقب منطقية متدرجة، مع تجنب الأساليب العقابية التنفيرية (البدنية أو اللفظية).
* الرعاية المتكاملة والتدخل المبكر من خلال توحيد الخطة السلوكية بين البيئتين الأسرية والمدرسية لضمان تعميم السلوك الإيجابي، مع الإحالة العاجلة إلى المختصين في الصحة النفسية عند ملاحظة معايير التشخيص الإكلينيكي المؤثرة على التوافق الأكاديمي والاجتماعي.
مهارات التفاوض
تكشف د. إكرام بنت رابح عياد استشارية طب الأطفال بالرياض بعض طرق معالجة السلوكيات السلبية عند الأطفال، ومنها: يجب على الوالدين عدم أخذ سلوك الطفل المتحدي على محمل شخصي مع أهمية تلبية الاحتياجات الأساسية له لدرء السلوك السلبي لديه، مع ضرورة منح المراهقين أكبر قدر من القوة والحرية، واختيار نظام العقوبات الذي من شأنه تغيير السلوك السلبي، وتعليم أطفالهم مهارات التفاوض المحترمة، كما يجب على الوالدين التركز على الأفعال الجيدة التي يقوم بها ابنهم بدلاً من التركيز على السلوك السلبي، وبالتالي الاهتمام به، وعليهم البحث عن فرص للثناء على طفلهم لسلوكه الجيد كلما امتدحوا سلوكاً معيناً، زاد احتمال تكرار طفلهم لهذا النوع من «السلوك الجيد» في المستقبل، كما يجب تجنب الاهتمام بالسلوك السلبي قدر الإمكان من خلال الحفاظ على تعابير الوجه ونبرة الصوت المحايدة أثناء قيام الابن بعمل سلبي، مع العلم أن هذا من أصعب المهارات التي يمكن أن يتقنها الآباء، وعند وجوب التدخل من الأفضل تجنب استخدام كلمات سلبية مثل «لا»، «توقف»، ولكن وجب توجهيه لما يمكنه فعله بدلاً من هذا السلوك، وكذلك التدخلات المسبقة التي تعد إستراتيجية مختلفة قائمة على تقليل احتمالية حدوث السلوك السلبي، وتتضمن على سبيل المثال معرفة الوقت الذي يحتاج فيه الابن إلى النوم أو أخذ استراحة حتى لا يتحول الإجهاد إلى طلبات غير مناسبة في الوقت الحالي، مع الاهتمام الإيجابي حيث يمكن أن يكون عدم الامتثال طريقة الأطفال لجذب الكثير من الاهتمام، رغم أنه اهتمام سلبي، ومن خلال إعطاء الطفل جرعات يومية من الاهتمام الإيجابي كاللعب وقضاء بعض الوقت معاً حتى ولو بضع دقائق يمكن أن تساعد على تقليل التحدي والعناد.
وأضافت استشارية طب الأطفال أن العقاب ينقسم إلى نوعين وهما العقاب الإيجابي، مثل القيام بعمل إضافي بالمنزل عند فعله للسلوك غير المرغوب فيه، ويتمثل العقاب السلبي مثل: حرمان الطفل من بعض الحلوى أو من الألعاب المفضلة لديه لوقت محدد عند القيام بالسلوك غير المرغوب فيه.
وتختتم د. إكرام عياد استشارية طب الأطفال بالرياض حديثها قائلة: من الضروري التأكيد على تجنب العنف اللفظي والجسدي لما له من أضرار نفسية على الطفل وتطوره العقلي والسلوكي السليم.
الرحلة الطويلة
يقول الدكتور شادي بن فواز المغربي استشاري طب الأطفال بالرياض: ليس الطفل كائنًا صغيرًا ينبغي أن يطيع دائمًا، ولا السلوك المزعج دليلًا دائمًا على سوء التربية. فالطفل في سنواته الأولى يخوض رحلة طويلة من التعلم؛ يتعلم كيف يعبّر عن غضبه، وكيف يؤجل رغباته، وكيف يتقبل الرفض، وكيف يشارك الآخرين، وكيف يضبط اندفاعاته، وكيف يحوّل مشاعره إلى كلمات بدلًا من الصراخ أو الضرب.
ويمضي د. شادي المغربي استشاري طب الأطفال في حديثه على أن بعض السلوكيات التي يراها الآباء والأمهات «مشكلات» ليست إلا جزءًا من التطور الطبيعي للطفل. وتؤكد الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أن دور الوالدين لا يقتصر على إيقاف السلوك غير المرغوب، بل يتجاوز ذلك إلى تعليم الطفل مهارات التنظيم الذاتي والسلوك الاجتماعي السليم.
ومن هنا تبدأ القاعدة الأهم في التعامل مع سلوك الطفل: «لا تسأل أولًا: كيف أعاقبه؟ بل اسأل: لماذا يفعل ذلك؟ وماذا أحاول أن أعلّمه؟»، مشيراً إلى أن السلوك رسالة قبل أن يكون مشكلة؛ فالسلوك عند الطفل يشبه اللغة؛ فقد لا يستطيع أن يقول: «أنا غاضب»، فيضرب، وقد لا يعرف كيف يقول: «أحتاج إلى اهتمامك»، فيتشبث بأمه، وقد يخشى العقوبة فيخفي الحقيقة، وقد يكون رفضه للدراسة تعبيرًا عن صعوبة تعلم أو مشكلة في التركيز، لا عن الكسل، وهنا تكمن أهمية النظرة الطبية والتربوية المتوازنة؛ فلا ينبغي أن نضع تشخيصًا مرضيًا لكل طفل كثير الحركة، ولا أن نصف كل طفل عنيد بأنه «مشاغب»، ولا أن نعتبر كل نوبة غضب اضطرابًا نفسيًا، وفي المقابل، لا ينبغي أن ننسب كل تغير سلوكي إلى «طبيعة الطفل» إذا كان شديدًا أو مستمرًا أو يؤثر بوضوح في حياته اليومية؛ فالحد الفاصل بين السلوك الطبيعي والاضطراب ليس وجود السلوك وحده، وإنما شدته، واستمراره، وملاءمته لعمر الطفل، وتأثيره في المنزل والمدرسة والعلاقات الاجتماعية.
إستراتيجية التعامل
تبين الدكتورة حنان بنت عوض العمراني المستشارة التربوية والأسرية أهم الاستراتيجيات للتعامل الفعال مع المشكلات السلوكية لدى الأطفال، ومنها: النمذجة والملاحظة: حيث تؤكد الدراسات النفسية أن هدوء الوالدين وقدرتهما على إدارة غضبهما أمام الطفل يُعد النماذج الأساسية التي يتعلم منها الطفل كيفية ضبط انفعالاته، ومهارات حل الخلافات من خلال مشاهدة كيفية تعامل الكبار مع الأزمات اليومية.
التعزيز الإيجابي: فالثناء المباشر والمحدد على السلوكيات الجيدة يزيد من احتمالية تكرارها.
التجاهل: تجاهل السلوكيات المزعجة البسيطة التي تهدف فقط لجذب الانتباه (مثل: نوبات الغضب البسيطة)، بشرط ألا تشكل خطورة على الطفل وعلى من حوله.
الأمان العاطفي: وهو شرط أساسي للنمو السلوكي السليم عند الطفل، فعندما يشعر الطفل بالقبول من الوالدين لشخصه (حتى عند الخطأ)، يقل التوتر الداخلي لديه، مما يجعله أكثر تقبلاً للتوجيه والتعديل السلوكي.
الحزم والتعاطف: أثبتت العديد من الدراسات التربوية والنفسية أن نمط التربية الأفضل على المدى الطويل هو النمط الذي يجمع بين الدعم العاطفي العالي والحدود الواضحة فالتعاطف لا يلغي وضع حدود صارمة للسلوكيات الخاطئة التي يجب التعامل معها مباشرة.