م.عبدالمجيد بن عبدالكريم الدهام
تضيق المساحات وتتوارى المفردات خجلاً حينما تحاول الإحاطة بسيرة رجل دولة من طراز فريد، وقائد استثنائي نقش اسمه بحروف من نور في ذاكرة الوطن، وصاغ بفكره وعزيمته فصلاً مجيداً من فصول الاستقرار والبناء. إنه صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله-، أحد أبرز قادة المملكة العربية السعودية ورموزها الوطنية التاريخية، الذي نذر عقوداً طويلة من حياته لخدمة دينه ومليكه ووطنه، فكان الصخرة التي تحطمت عليها المؤامرات، والمنارة التي استضاءت بها أجيال من رجال الأمن والمواطنين على حد سواء.
لقد أسس -رحمه الله- لمدرسة أمنية وفكرية متكاملة، لم ترتكز فحسب على القوة العسكرية واللوجستية، بل آمنت عميقاً بأن «المواطن هو رجل الأمن الأول»، مرسخاً وعياً مجتمعياً شاملاً بمسؤولية المحافظة على الوطن ومقدراته ومكتسباته.
لم يكن الأمير نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله- مجرد قائد أمني أدار واحدة من أعقد المنظومات الأمنية بنجاح مبهر شهد له العالم، بل كان رجل عقيدة راسخة وشغف صادق بكتاب الله تعالى والسنة النبوية المطهرة. وانطلاقاً من هذا الإيمان العميق، تجلت عنايته الفائقة بالوحيين الشريفين في منظومة من المبادرات العلمية الرائدة والمشاريع المباركة التي تخطت أبعادها حدود الزمان والمكان، لتصبح إرثاً حياً يستظل بظله أبناء الوطن وباحثو الأمة الإسلامية.
من أبهى صور هذا العطاء وأقربها إلى قلوب حماة الوطن، تأتي «مسابقة الأمير نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله- لحفظ القرآن الكريم»، التي انطلقت برؤيتها الإيمانية السامية على مستوى المملكة. وجاءت هذه المسابقة لتجسد فكراً قيادياً يربط بين نبل المهمة الأمنية وجلال الهدي القرآني، مستهدفة تشجيع منسوبي ومنسوبات وزارة الداخلية، وإمارات المناطق، والقطاعات الأمنية كافة، على حفظ كتاب الله جل وعلا، وإتقان تلاوته وتدبر معانيه. إن هذا الربط المبارك يمنح رجل الأمن حصانة روحية وأخلاقية مستمدة من التنزيل الحكيم، ويعزز لديه الرقابة الذاتية والأمانة في أداء واجباته المقدسة تجاه أمن المجتمع واستقراره.
ولأن الرؤية النايفية كانت شاملة ومستوعبة لمصادر التشريع الإسلامي، لم تقف جهوده -رحمه الله- عند حدود العناية بالقرآن الكريم، بل امتدت لتبني وتشجيع المصدر الثاني للتشريع؛ فكان إطلاقه لجائزة الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود العالمية للسنة النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة.
تعد هذه الجائزة اليوم منارة علمية عالمية، ومنصة فريدة تشجع البحث العلمي المتخصص، وتعمل على خدمة السنة المطهرة، ونشر علومها، وربطها بالواقع المعاصر لتقديم حلول إسلامية رصينة للتحديات الفكرية والاجتماعية التي تواجه الأمة. ويواكب هذا المستهدف الجليل «مسابقة الأمير نايف بن عبدالعزيز لحفظ الحديث النبوي الشريف»، التي ركزت على الناشئة والشباب، لتبني عقولهم وتحصن نفوسهم عبر تشجيعهم على حفظ أحاديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وفهم مقاصدها، والعمل بمقتضاها في حياتهم اليومية، ليكونوا لبنات صالحين في مجتمعهم.
إن هذا الترابط الوثيق بين العناية بالقرآن والسنة لم يكن معزولاً عن مشروعه الأساسي في حماية أمن الوطن، بل كان السند الحقيقي والركن الركين لتعزيز الأمن الفكري ومواجهة مهدداته. لقد أدرك الأمير نايف -رحمه الله- مبكراً أن مواجهة الغلو والتطرف والحد من الأفكار المنحرفة لا تتم عبر المعالجة الأمنية الميدانية فقط، بل تستوجب تحصين العقول، واجتثاث جذور الإرهاب الفكري، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال والسمو الإنساني. لذا، تظل مآثره العلمية والفكرية اليوم شواهد حية على مسيرة وطنية صلبة وعميقة، تستلهم منها الأجيال المتعاقبة أسمى معاني المسؤولية والإخلاص والوفاء المتجرد للوطن وعقيدته. وتواصلاً لهذا الإرث العظيم، وسيراً على خطى البر والوفاء، تتولى وزارة الداخلية بكل فخر واعتزاز تنظيم هذه المسابقة القرآنية الكبرى والإشراف عليها على مستوى المملكة، وذلك تحت الرعاية الكريمة لصاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية.
إن هذا التنظيم المتميز والإشراف المستمر من قبل الوزارة يعكس أبهى صور الامتداد المبارك لنهج الأمير الراحل، ويؤكد الالتزام برعاية غراسه الطيبة.
إن اقتران هذه المسابقة باسم الأمير نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله- يحمل دلالات عميقة؛ فهو أولاً يجسد أسمى قيم الوفاء والعرفان لسيرته العطرة ومسيرته الحافلة بالتضحيات. وهو ثانياً يعزز في نفوس المشاركين والمشاركات من رجال الأمن ومنسوبي القطاعات الأمنية والقطاعات الأخرى الاعتزاز العظيم بكتاب الله تعالى، والتمسك بهديه، ويشحذ هممهم لاستشعار الأمانة العظمى والمسؤولية الملقاة على عاتقهم في خدمة هذا الوطن الشامخ، والمحافظة على أمنه، وأمانه، واستقراره الذاتي والمجتمعي.
في الختام، فإن مسابقة الأمير نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله- لحفظ القرآن الكريم، بجميع مستوياتها ومستهدفاتها، ما هي إلا تجسيد ناصع وناطق للنهج الراسخ الذي سارت عليه المملكة العربية السعودية منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن - طيب الله ثراه - وصولاً إلى هذا العهد الزاهر؛ نهج يقوم على العناية الفائقة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله المصطفى، حفظاً وتعليماً ونشراً وتحكيماً. ليبقى هذا الوطن العظيم كما كان دوماً، مهبطاً للوحي ومأرزاً للإيمان وحصناً منيعاً برجاله المخلصين الذين تظل سيرهم المباركة كالأنجم الزاهرة تضيء دروب البناء والعطاء والتضحية.
رحم الله الأمير نايف بن عبدالعزيز، وأجزل له المثوبة، وأسكنه فسيح جناته.