سعدون مطلق السوارج
ليست المسارات العشرة المعتمدة دوليًا للهايكنج في محمية الملك سلمان بن عبدالعزيز الملكية مجرد عشرة دروب جديدة لعشاق المشي الجبلي، ولا رقمًا إضافيًا في سجل الإنجازات السياحية والرياضية للمملكة؛ فالقيمة الحقيقية لهذا الإنجاز تكمن في المعنى الذي يقف خلفه: المملكة لا تكتفي باكتشاف طبيعتها، بل تعيد تقديمها للعالم بوصفها تجربة منظمة، وثروة مستدامة، ومساحة للرياضة والمعرفة، وجزءًا من اقتصاد المستقبل.
فقد حققت هيئة تطوير محمية الملك سلمان بن عبدالعزيز الملكية إنجازًا نوعيًا بحصول عشرة مسارات هايكنج على اعتماد دولي، لتكون أول مسارات من نوعها في المملكة تحصل على هذا الاعتماد، بعد أعمال مسح ودراسة شاملة، واستيفاء متطلبات ومعايير ممارسة الهايكنج. وجاء الاعتماد من الاتحاد السعودي للتسلق والهايكنج، بما يعكس تطور المنظومة الوطنية لرياضات المغامرة وارتفاع مستوى التنظيم والسلامة فيها.
وهنا ينبغي التوقف عند كلمة «مسار».
فالمسار المعتمد ليس خطًا مرسومًا على الأرض فحسب؛ بل منظومة تبدأ قبل أن يخطو الزائر خطوته الأولى، من دراسة التضاريس وتقييم المخاطر وتحديد مستوى الصعوبة، إلى تنظيم المسار وتهيئة المعلومات والإرشادات اللازمة للممارس. وقد أوضح الاتحاد السعودي للتسلق والهايكنج أن أعماله الميدانية شملت تطوير ورسم وتقييم أكثر من 120 مسارًا في مناطق مختلفة من المملكة، بما يؤكد أن الهايكنج يتحول تدريجيًا إلى نشاط رياضي وسياحي له بنيته المهنية ومعاييره التنظيمية.
وهذه النقلة مهمة؛ لأنها تعني أن رياضات المغامرة لم تعد ممارسة فردية هامشية، بل أصبحت جزءًا من صناعة سياحية تتطلب المعرفة والتأهيل والسلامة والاستثمار.
لكن قيمة الإنجاز تتضاعف حين نعرف المكان الذي يحتضنه.
محمية الملك سلمان بن عبدالعزيز الملكية تمتد على مساحة تبلغ نحو 130,700 كيلومتر مربع في شمال وشمال غرب المملكة، وتعد أكبر محمية طبيعية في الشرق الأوسط. وهي ليست مساحة طبيعية فحسب، بل نطاق واسع يلتقي فيه التنوع البيئي مع التاريخ والتراث والمواقع الأثرية، وتعمل الهيئة من خلاله على حماية التنوع الأحيائي والتراث الطبيعي والثقافي، وتنمية المجتمعات المحلية، وتعزيز السياحة البيئية المستدامة.
ومن هنا تصبح المسارات العشرة أكثر من مشروع رياضي
إنها تدخل إلى قلب جغرافيا تحمل ذاكرة آلاف السنين. فالجزيرة العربية عرفت الطريق قبل أن تعرف مفهوم «المسار» بصورته الحديثة. عرفت القوافل التي كانت تقطع المسافات بحثًا عن الماء والرزق والتجارة، وعرفت طرق الحج التي ربطت أقاليم العالم الإسلامي بمكة والمدينة، وعرفت مسارات تجارية وحضارية بقيت آثارها وشواهدها شاهدة على حركة الإنسان فوق هذه الأرض.
وتؤكد المصادر التاريخية السعودية أن طرق التجارة والحج كانت شبكة واسعة من المسارات التي ربطت مناطق الجزيرة العربية، وأن عددًا من طرق التجارة القديمة تحول لاحقًا إلى طرق للحج، ومنها طريق زبيدة وطرق الحج الشامي والمصري وغيرها، بما يعكس الدور التاريخي للطريق في الحركة الاقتصادية والثقافية والحضارية.
كان الطريق آنذاك امتحانًا للخبرة والصبر والتحمل
وكان المسافر يحتاج إلى معرفة الأرض، ومواضع الماء، واتجاهات السير، ومواقع الاستراحة، وقدرة على مواجهة المسافات الطويلة وتقلبات الطبيعة. أما اليوم، فقد تغيرت الأدوات. لم تعد الرحلة تعتمد على حدس المسافر وحده؛ بل أصبحت تستند إلى المسح الميداني، والتقييم، والتنظيم، والإرشاد، ومعايير السلامة. تغيرت وسيلة قراءة الطريق، لكن الطريق نفسه بقي شاهدًا على الإنسان.
وهنا يظهر البعد التاريخي للمشهد
فالإنسان الذي يمشي اليوم في مسار هايكنج منظم داخل المحمية لا يقطع مسافة في الطبيعة فقط؛ بل يتحرك فوق أرض شهدت حركة أجيال متعاقبة، ويقترب من مواقع ونقوش وآثار تحفظ صفحات من تاريخ الإنسان في الجزيرة العربية.
وهذه هي إحدى أجمل صور الهوية الوطنية: أن يعرف الإنسان وطنه من أرضه، لا من الكتب وحدها؛ أن يرى الجبل والوادي والصحراء بوصفها صفحات مفتوحة من التاريخ، وأن يدرك أن البيئة التي تبدو اليوم مجالًا للرياضة والسياحة كانت بالأمس جزءًا من حياة الإنسان ومساراته ورحلاته.
ومن هنا يتحول الهايكنج إلى تجربة معرفة بقدر ما هو تجربة رياضية.
فالهيئة تقدم الهايكنج باعتباره وسيلة لاكتشاف الجبال والوديان والصحارى والتنوع الجيولوجي والبيئي، إلى جانب فوائده المرتبطة بالنشاط البدني والصحة وجودة الحياة، مع التأكيد على أهمية الالتزام بالإرشادات والاستعانة بالمرشدين المؤهلين.
وهذا يلتقي بصورة مباشرة مع التحول الذي تشهده المملكة في مفهوم جودة الحياة؛ فالرياضة لم تعد محصورة في الملاعب، والطبيعة لم تعد مجرد منظر، والسياحة لم تعد مجرد إقامة وتنقل، بل أصبحت التجربة نفسها جزءًا من المنتج الوطني.
ثم يأتي الاقتصاد ليمنح هذه المسارات بعدًا آخر
فالسياحة السعودية أصبحت أحد القطاعات المحورية في تنويع الاقتصاد الوطني، ومع نمو أعداد الزوار وتوسع الوجهات السياحية، أصبحت التجارب الطبيعية والمغامرات والأنشطة الخارجية جزءًا من منظومة اقتصادية تتصل بالنقل والإيواء والضيافة والإرشاد والخدمات والمنتجات المحلية.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى المسار السياحي بمعزل عن المجتمع المحيط به؛ فالزائر الذي يأتي إلى وجهة طبيعية لا يستهلك المشهد فقط، وإنما يحتاج إلى خدمات ونقل وإرشاد وضيافة وتجارب محلية، ما يفتح مجالات جديدة أمام المنشآت الصغيرة ورواد الأعمال وأبناء المناطق القريبة من الوجهات السياحية.
وهنا تتحول الطبيعة إلى قيمة اقتصادية من دون
أن تفقد قيمتها البيئية
وهذه هي المعادلة الأصعب والأهم. فالسياحة المستدامة لا تقوم على جذب الزائر بأي ثمن، وإنما على حماية المورد الذي جاء الزائر من أجله أصلًا. وفي محمية الملك سلمان تتضح هذه الفلسفة من خلال جهود إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة وزراعة ملايين الشتلات، وحماية الأنواع الفطرية، وتعزيز التوازن البيئي، بما يجعل السياحة جزءًا من منظومة حماية المكان لا عبئًا عليه.
إن الطبيعة المحمية تصنع سياحة أكثر استدامة، والسياحة المنظمة تمنح حماية الطبيعة قيمة اقتصادية واجتماعية أوسع.
وهنا تلتقي المسارات العشرة مع رؤية السعودية 2030
فالرؤية لا تنظر إلى السياحة باعتبارها قطاعًا منفصلًا، بل باعتبارها أحد مسارات التحول الاقتصادي والاجتماعي، ومجالًا لخلق الفرص وتحسين جودة الحياة، وإبراز التنوع الطبيعي والثقافي للمملكة أمام العالم.
وما يحدث في محمية الملك سلمان يمثل صورة مصغرة لهذا التحول: أرض واسعة، تاريخ عميق، بيئة غنية، رياضة حديثة، تنظيم احترافي، مجتمع محلي، وتجربة سياحية قابلة للتطور. كل عنصر من هذه العناصر له قيمته، لكن القيمة الأكبر تظهر عندما تجتمع كلها في مسار واحد.
وهنا يمكن فهم الإنجاز بعيدًا عن الرقم وحده
عشرة مسارات قد تبدو رقمًا محدودًا أمام مساحة محمية تبلغ 130,700 كيلومتر مربع، لكنها تحمل دلالة أكبر من عددها؛ لأنها تمثل انتقالًا من الطبيعة بوصفها موردًا خامًا إلى الطبيعة بوصفها وجهة منظمة ذات قيمة رياضية وسياحية واقتصادية وثقافية.
وهي أيضًا تفتح الباب أمام جيل جديد يعرف وطنه من خلال التجربة المباشرة؛ يمشي في جباله، ويتعرف على تضاريسه، ويقرأ آثاره، ويحترم بيئته، ويكتشف أن الصحراء ليست فراغًا جغرافيًا، وأن الجبل ليس مجرد تضاريس، وأن الطريق ليس مجرد مسافة بين نقطتين.
فالطريق في الذاكرة السعودية كان دائمًا أكثر من طريق. كان وسيلة للرزق، والحج، والتجارة، والتواصل، واكتشاف الأرض. واليوم يعود الطريق بصورة جديدة؛ لا بالقافلة القديمة، وإنما بالرياضي والمغامر والسائح والباحث والزائر، ولا بخريطة القوافل وحدها، وإنما بالمعايير الحديثة والتقنيات والتنظيم والاستدامة.
تغيرت الرحلة، لكن قيمة الطريق لم تتغير
ومن هنا فإن قصة المسارات العشرة في محمية الملك سلمان لا ينبغي أن تتوقف عند خبر اعتمادها؛ فالخبر هو الباب، أما القصة الحقيقية فهي قصة وطن يعيد اكتشاف جغرافيته بعين المستقبل، من دون أن يقطع صلته بالماضي.
لقد كانت دروب الأمس تختبر قدرة الإنسان على التحمل، أما دروب اليوم فتضيف إلى التحمل المعرفة والتنظيم والسلامة والاستدامة.
وحين تجتمع هذه العناصر، يصبح الهايكنج أكثر من رياضة، وتصبح الطبيعة أكثر من منظر، ويصبح الطريق أكثر من مسافة.
إن المملكة لا ترسم اليوم مسارات للمشي فوق أرضها فقط؛ إنها ترسم مسارات جديدة لاكتشاف الوطن، وتحويل جذوره الطبيعية والتاريخية إلى قيمة حاضرة، وفرصة اقتصادية، وتجربة إنسانية، ومستقبل يليق بمكانة هذه الأرض.
فمن سار في دروب الماضي حمل زاده ليصل، ومن يسير في دروب المستقبل يحمل المعرفة ليكتشف؛ وبين الرحلتين تبقى الحقيقة الأجمل: أن الأرض التي صنعت تاريخ الإنسان في الجزيرة العربية، قادرة اليوم على أن تصنع جزءًا من مستقبل السياحة والرياضة والاقتصاد والهوية في المملكة.
** **
- باحث ومؤرخ في التراث الكويتي والخليجي