محمد سليمان العنقري
تدخل الولايات المتحدة مرحلة سياسية واقتصادية مختلفة بعد الانتخابات النصفية وهيمنة الديمقراطيين على الكونغرس، في تحول يعيد رسم العلاقة بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية، ويضع إدارة الرئيس دونالد ترمب أمام عامين من التجاذبات وصعوبة تمرير التشريعات، بما قد ينعكس على السياسات المالية والتجارية والاستثمارية.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في التباين بين قوة الاقتصاد الأمريكي من جهة، وتزايد القيود السياسية على صناعة القرار من جهة أخرى. فإلى أي مدى تستطيع محركات النمو المحافظة على زخمها في ظل صعوبة التوافق على السياسات الاقتصادية؟
فالولايات المتحدة تمتلك محركات نمو قوية، أبرزها الاستهلاك المحلي الذي يساهم بقرابة 70 % من الناتج الاجمالي وكذلك عمق أسواق رأس المال والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، إلى جانب قدرتها على جذب الاستثمارات والكفاءات. لكن هذه المقومات تواجه تحديات التضخم وارتفاع الدين العام وتكلفة التمويل، وهي عوامل تجعل استدامة النمو مرتبطة بكفاءة إدارة الاقتصاد وليس بحجمه فقط.
بينما سيكون التحدي الأبرز في قدرة الإدارة على تحويل توجهاتها إلى سياسات قابلة للتنفيذ، فسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس ستجعل تمرير التعديلات الضريبية وبرامج الإنفاق أكثر صعوبة، فيما يحتفظ ترمب بصلاحياته التنفيذية وحق النقض «الفيتو». وقد يؤدي ذلك إلى تعثر التشريعات وزيادة اعتماد ادارة ترمب على القرارات التنفيذية، خصوصاً في الملفات التجارية والتنظيمية، مع احتمالات متكررة للخلاف حول الموازنة وسقف الدين الملف الذي واجه أغلب الادارات الحاكمة خلال آخر عقدين.
اما اقتصادياً، فلا تقتصر أهمية هذا الانقسام على تعطيل القرارات، بل تمتد إلى تكلفة الاقتراض وثقة المستثمرين فارتفاع الدين الأمريكي وزيادة مدفوعات الفائدة يضعان المالية العامة أمام تحدٍ طويل الأجل، وقد تؤدي الخلافات حول العجز والتمويل إلى زيادة حساسية سوق السندات، بما ينعكس على عوائدها وتكلفة التمويل للشركات والأفراد. وهنا تبرز أهمية الاحتياطي الفيدرالي، إذ ستظل قرارات أسعار الفائدة والتضخم والسيولة عوامل رئيسية في تحديد اتجاه الاقتصاد والأسواق.
أما الأسواق، فقد لا يكون الجمود السياسي سلبياً بالكامل، إذ يمكن أن يحد من التغييرات المفاجئة في الضرائب والتنظيمات ويمنح الشركات قدراً من الاستقرار. لكن مسار الأسهم سيظل مرتبطاً بنمو الأرباح وتكلفة رأس المال ومستويات التقييم. كما أن الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي ستواجه اختباراً مهماً يتمثل في قدرتها على تحقيق عوائد فعلية وتحسين الإنتاجية، بدلاً من الاعتماد على التوقعات وحدها، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف مراكز البيانات والطاقة اللازمة لتشغيلها.
وعلى مستوى القطاعات، تبرز فرص كبيرة في صناعة الرقائق ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والرعاية الصحية والطاقة، بينما ستظل البنوك والعقارات أكثر حساسية لتكلفة التمويل والتضخم. ولن يكون الفارق بين الشركات في حجم الطلب وحده، بل في قدرتها على تحويله إلى تدفقات نقدية وأرباح مستدامة.
وفي التجارة الخارجية، لن يؤثر الانقسام السياسي بالضرورة في تراجع النهج الحمائي لادارة ترمب ، إذ يستطيع مواصلة استخدام الرسوم الجمركية ضمن صلاحياته القانونية، ما يبقي التوترات مع الصين وأوروبا قائمة، ويدفع الشركات إلى إعادة توزيع سلاسل الإمداد ومواقع الإنتاج نحو مناطق جغرافية اخرى تنخفض عليها الرسوم الجمركية للحد الادنى 10 بالمائة مما سيمثل فرصاً لتلك الدول لتدفق استثمارات او ارتفاع بالطلب من قبل الشركات الامريكية لتحافظ على تكلفة انتاج منخفضة .
ورغم هذه التحديات، ستظل الولايات المتحدة وجهة رئيسية للاستثمارات بفضل ضخامة سوقها وتفوقها التقني وعمق أسواقها المالية. لكن وضوح السياسات واستقرار القواعد التنظيمية سيكتسبان أهمية أكبر لدى المستثمرين، خصوصاً أصحاب المشروعات طويلة الأجل.
قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على تنافسيتها الاقتصادية ستبقى مرهونة بتحقيق توازن بين الانضباط المالي وتشجيع الاستثمار والابتكار، وبين إدارة الخلافات السياسية دون إضعاف مؤسساتها، فالمنافسة العالمية لم تعد تقاس بحجم الأسواق ورؤوس الأموال فقط، بل بقدرة الاقتصادات على تحويل مواردها التقنية والمالية إلى إنتاجية وقيمة مضافة ونمو مستدام.